الترادف من خصائص اللغة العربية ومميزاتها
أسرحا بانو محمد أشير
أسرحا بانو محمد أشير
إن اللغة ظاهرة الفكر وأداته، وثمرة العقل ونتاجه، ثم هي معرض الثـقافة الإنسانية وحضارتها، ووسيلة للتواصل البشري يعبر بها الإنسان عمـا يختلج في صدره من أفكار ومشاعر، أمـا اللغة العـربية فهي واسطة عقد اللغــات العالمية لمسايرتها الزمن وطواعيتها للنمو والتـقدم، وقدرتهـا الفطــري علي التعبير عن الذات والموجــودات، وفوق مــا تتصف أنها لغة رسالة اﷲ الخالدة، ووعاء سنـة نبيه المطهرة، ومعلم في طريق العلم، تنتمي اللغة العــربية إلي أسرة اللغــات السامية المنبثـقة من مجمـوعـــة اللغــات الأخرى.
فالعربية لغة نابضة متدفقة يتحدثها عشرات ملايين كلغة رسمية وكذلك مئات الملايين كلغة دينية، وقد تمتعت هذة اللغة بخصائصها العجيبة ومعجزاتها الفريدة منها الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية كما منها خصائص حروفها وإعرابها، وتعدد أبنيتها وصيغها، ووفرة مصادرها وجموعها وجودة مفرداتها واشـتـقاقها والدقة في تعابيرهــا وتراكيبها، وفي ذلك يقول أرنست رينان العالم الفـرنسي: " إن هذه اللغة قد بلغت حد الكمال في قلب الصحراء عند أمــة من الرحل ففاقت اللغـات بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظـام مبانيها"، كما يقول عبد الرزاق السعدي أحد أعلام اللغة والأدب: " العربية لغة كاملة معجبة تكاد تصور الفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطـوات النـفوس، وتكاد تنجلي معــانيها في أجـراس الألفاظ، كأنمــا كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، ونبرات الحياة".
المترادفات والأضداد:
الترادف مظهر من مظاهر اللغة العربية التي ارتـفعت به حتى بزت اللغات اتساعا وتشعبا، فاللغة العــربية فسيحة الآفاق، مترامية الأطراف تتميز بالثراء، وغزارة الألفاظ والمفردات التي ليست لها في اللغــات الحية شبيها، وقد اتسمت هذه المفردات بحلاوة الجرس، وسلامة النطق والعذوبة حيث تمتاز بمرونة ، ولنأخذ مثالا لخضم المفردات في لسان العرب من كلمة (الـعسل)، وقد بلغ عدد أسمــائه المـرادفة ثمــانون اسمـا منها: الضرب، والضربة، والضريب، والشوب، والذوب، والــحميت، والتحمـويت، والجَلس، والورس، والشَّهد، والشُّهد، والمــاذي، ولعاب النحل، والرحيق وغيرها، ولـكلمة(سيف) عشرات من الأسمـاء المترادفة مثل الصارم، والـرداء، والـقضيب، والصفيحة، والمفقّر، والصمصامة، والكهام، والمشرفي، والحسام، والعضب، والمذكر، والمهند، والــصقيل، والأبيض ومـــا إلى ذلك، وممـــا يكشف عن تعدد المترادفـات وتنوع الدلالات في الـعربية أن يقـول جرجي زيدان الأديب الفاضل: "في كل لغـة مترادفات أي عدة ألفـاظ للمعني الواحد، ولكن العـرب، فاقوا في ذلك سائر أمم الأرض، ففي لغتهــم للسنة 24 اسمًا، وللنور 21 اسمًا، وللظــلام 52 اسمًا، وللشمس 29 اسمًا، وللسحــاب 50، وللمطــر64، وللبئر 88، وللمــاء 170 اسمـًا، وللبن 13 اسمًا، وللعسل نحــو ذلك، وللخمر مائة اسم، وللأسد 350 اسمًا، وللحية مائة اسم، ومثل ذلك للجمل، أما الناقة فأسماؤها 255، وقِسْ على ذلك أسماء الثور والفرس والحمــار، وغيرهــا من الحيوانات التي كانت مألوفة عند العرب، وأسماء الأسلحة كالسيف والرمح وغيرهمــا، ناهيك بمترادفات الصفات، فعندهم للطويل 91 لفظًا، وللقصير160 لفظًا، ونحو ذلك للشجاع والكريم والبخيل مما يضيق المقام عن استيفائه".
الترادف :
ظاهرة الترادف في اللغة العربية التي كثر حولها النقاش من العلماء واللغويين والأدباء والباحثين، وقد عدَّها كثيرٌ منهم قديمًا وحديثًا سمة من سمات اللغة العربية وميزة من ميزاتها.
الترادف من الظواهر اللغوية التي ساهم في بحثها ودراستها الفلاسفة الاغريق، وعلى رأسهم أرسطو، فقد عالجها في كتابيه (فن الشعر) و(فن الخطابة)، وفلاسفة الهند لوجودها في اللغة السنسكريتية ( فقدعرف عن مؤلف بوذي اسمه (أمارا سنها Amara Sinha) أنه ألف معجمًا في المترادفات في ثلاثة أبواب، وألحق به فصلًا عن المشترك اللفظي, ويعد هذا المعجم من أقدم المعجمات الكاملة في تلك اللغة اذ يعود ظهوره الى القرن السادس الميلاي أو قبله ) وعلماء اللغة العرب القدامى والمحدثون، وعلماء اصول الفقه، وعلماء اللغة الغربيون المحدثون.
المترادف لغة واصطلاحًا:
الأول: المراد بـ"الترادف" في اللغة والإصطلاح: صلة للفظة المفردة بالمعنى: إما أن يتخذ فيها اللفظ والمعنى، وإما أن يتعدد فيها اللفظ والمعنى واحد، وإما أن يتحد فيها اللفظ ويتعدد المعنى.
والترادف في اللغة: من الردف، وهو ما تبع الشيء، وكل شيء تبع شيئا فهو ردفه، وإذا تبع شيء خلف شيء فهو الترادف.
وفي الإصطلاح: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد، هكذا عرفه الإمام الرازي وعرَّفه الآخرون بأنه دلالة عدة ألفاظ على معنى واحد، أو دلالة الألفاظ المختلفة على المعنى الواحد، وهذا كالدار والبيت، وذهب ومضى وانطلق، وقعد وجلس، وغير ذالك.
وأمَّا مفهوم الترادف كظاهرة لغوية عند علمائها القدامى:
كما قال فيروز آبادي قول "الرازي": هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد.
وتعريف الجرجاني: "بأنه ما كان معناه واحد وأسمائه كثيرة، وهو ضد المشترك أخد من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر، كان المعنى مركوب واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد".
ويرى أصحاب المعاجم العربية أنَّ الترادف في اللغة يأتي بمعني التتابع، فقد جاء في لسان العرب: (الردف ما تبع الشيء، وكل شيء تبع شيئًا، فهو ردفه، وإذا تتابع شيء خلف شيي، فهو الترادف).
وحيث جاء في القاموس المحيط قوله: "والمترادف من القوافي: ما اجتمع فيه ساكنان، وأن تكون أسماء لشيء واحد، وهي مولَّدة يؤكد هذا أنَّ الكلام عند أغلب علماء العربية المتقدِّمين حول ما يسمَّى الآن بالمترادف يدخل تحت عنوان علاقة اللفظ بالمعني من حيث الاتفاق والاختلاف.
اختلف العلماء في تعريف الترادف، ومن التعريفات التي ذكرت سابقًا:
قال سيبويه:(اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، فاختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب، واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهب وانطلق، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف قولك: وجدت عليه من الموجدة، ووجدت إذا أردت وُجدان الضَّالة).
ويمكن أن نستنتج من كلام سيبويه أنه أول مَن أشار إلى ظاهرة الترادف، حين قسم علاقة الألفاظ بالمعاني كما رأينا، ونستنتج أيضًا أنه يرى أن الترادف هو اختلاف اللفظين والمعنى واحد، وضرب على ذلك مثلًا هو ذهب وانطلق.
وقال ابن فارس في تعريفه لغويًّا: (الراء والدال والفاء أصل واحد مطرد، يدل على اتباع الشيء؛ فالترادف التتابع، والرديف الذي يرادفك).
وفي الاصطلاح: عرف بعدة تعريفات متقاربة: منها ما عرفه به الجرجاني؛ حيث قال: "المترادف: ما كان معناه واحدًا، وأسماؤه كثيرة".
قال الإمام فخر الدين: "هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد"، ومن أمثلة ذلك: السيف، والباتر، والمهند وغيرها كلها ألفاظ تدل على مسمى واحد.
قال السيوطي: "قال التاج السبكي في شرح المنهاج: ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر؛ فإن الأول موضوع له باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يؤنس"، والثاني - يعني البشر - باعتبار أنه بادي البشرة.
قال ابن منظور: "والجمع: الرُّدافى ... ويقال: جاء القوم ردافى؛ أي: بعضهم يتبع بعضا...وقيل: الردافى الرديف، وهذا أمر ليس له ردف؛ أي: ليس له تبعة، وأردفه أمر: لغة في ردفه مثل: تبعه وأتبعه بمعنى ... وفي حديث بدر: فأمدَّهم الله بألف من الملائكة مردفين؛ أي: متتابعين يردف بعضهم بعضًا...وترادف الشيء: تبع بعضه بعضًا، والترادف: التتابع".
وقال الدكتور أحمد مختار عمر: "إننا إذا أردنا بالترادف التطابق التام الذي يسمح بالتبادل بين اللفظين في جميع السياقات، دون أن يوجد فرق بين اللفظين في جميع أشكال المعنى (الأساسي والإضافي والأسلوبي والنفسي والإيحائي)، ونظرنا إلى اللفظين في داخل اللغة الواحدة، وفي مستوى لغوي واحد، وخلال فترة زمنية واحدة، وبين أبناء الجماعة اللغوية الواحدة، فالترادف غير موجود على الإطلاق ... أما إذا أردنا بالترادف التطابق في المعنى الأساسي دون سائر المعاني، أو اكتفينا بإمكانية التبادل بين اللفظين في بعض السياقات، أو نظرنا إلى اللفظين في لغتين مختلفتين، أو في أكثر من فترة زمنية واحدة، أو أكثر من بيئة لغوية واحدة، فالترادف موجود لا محالة، ويمكن التمثيل لذلك بكلمتي: وصل وجاء اللتين تنتظمان مع كلمات؛ مثل: قطار ـ محمد ـ الخطاب، ولكنهما تستقلان في سياقات أخرى، فنحن نقول: وصل من سفره (ولا نقول جاء)، ونقول: جاء الربيع (ولا نقول وصل).
نخلص مما تقدم إلى أن الترادف في اللغة يعني ركوب شخص خلف شخص على شيء واحد، وركوبهما يكون بشكل متتابع، أما في الاصطلاح، فيعني لفظان أو أكثر يتواردان على مسمى واحد، أو اسمان عبر بهما عن معنى واحد، أو ألفاظ مفردة دالة على شيء واحد، أو ما كان معناه واحدا وأسماؤه كثيرة، ونلحظ من مجموع ما ذكر سابقًا أن الترادف يدور معناه على التتابع والتعاون والركوب.
أسباب وقوع الترادف في اللغة العربية:
إن كثرة وجود الألفاظ المترادفة في العربية، وامتلاء معاجم اللغة بهذا النوع من المفردات، لا بد أن تقف وراء وقوعه عدة عوامل، أسهمت جميعًا في اثراء المعجم اللغوي العربي بهذا الكم الهائل من المترادفات ألفاظًا وجملًا وتعبيرات، ولعل أهم تلك العوامل، مايلي:
1- تعدد اللهجات العربية التي أسهمت في تشكيل اللغة العربية الفصحي الموحدة، وذلك عن طريق احتكاك لهجة قريش بلهجات القبائل الأخرى، الموزعة في أطراف جزيرة العرب وأكنافها، وذلك لأن مكة كانت تعتبر قبل الاسلام، مركزًا دينيًّا وتجاريًّا وأدبيًّا وسياسيًّا، وقد كانت قريش مع فصاحتها، وحُسن لغاتها، ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم، وسلائقهم التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب، وعلى هذا فقد غدت لهجة قريش مزيجًا من لهجات عديدة، وبهذه اللهجة المشتركة الموحدة نظم الشعر الجاهلي، ونزل القرآن الكريم، وورد الحديث النبوي الشريف، وجاء أغلب كلام العرب.
2- اشتمال المعاجم العربية على لهجات القبائل المختلفة؛ لأن جامعيها لم يقتصروا بالأخذ عن قريش وحدها، بل شدوا الرحال إلى القبائل العربية الأخرى، فنقلوا عن مثل: قيس عيلان، وأسد، وتميم، وكنانة، وغيرها.
3- الاقتراض من اللغات الأخرى: الشقيقة، والأجنبية، حيث دخلت جماعات لغوية أجنبية كثيرة في البيئة العربية، فشاعت المفردات الأجنبية فيها، واستعملت إلى جانب العربية، وقد جاء في المزهر، للسيوطي وفقه اللغة، للثعالبي نماذج من المفردات الأعجمية المستعملة في العربية، نورد منها على سبيل المثال بعض النماذج الفارسية، مثل:
الكوز، والإبريق: من الأواني.
والخز، والديباج: من الملابس.
والياقوت، والبلور: من الجواهر.
والنرجس، والبنفسج، والسوسن، والياسمين: من الرياحين.
والمسك، والعنبر، والكافور، والصندل، والقرنفل: من الطيب، وغيرها كثير.
4- التطور اللغوي: وهو تتطور أصوات بعض الكلمات لتتخذ صورًا متعددة لكلمة واحدة في الأصل، كما في: (صقر) و(سقر) و(زقر)، ومنه أيضًا ما ينتج عن القلب المكاني، كما في: (جذب) و(جبذ)، و(السباسب) و(البسابس)، وهكذا (اضمحل) و(امضحل).
5- التطور الدلالي: وله في هذا السياق شأن كبير، ويدخل فيه ما يلي:
أ. انتقال نعوت المسمى الواحد من معنى النعت والصفة إلى معنى الاسم، كما هو الحال في: الحسام، والمهند، والصارم، واليماني، وغير ذلك.
ب. إهمال الفروق الدلالية بين الكلمات المتقاربة الدلالة، وهو ما يجعلها بمرور الزمن في حكم المترادفة؛ كما في: قعد وجلس، والظل والفيء، والآل والسراب، والمسكين والفقير، ونحوها.
ج. التخصيص والتعميم والنقل: وهي من أهم سبل التطور الدلالي التي تؤدي إلى إيجاد مترادفات جديدة.
ومن أمثلة التخصيص: أي إنتقال معنى الكلمة من المعنى العام إلى المعنى الخاص، لفظ (الحج)، ولفظ (السبت)، فقد ذكر ابن دريد: "إن الحج أصله قصدك الشيء، وتجريدك له، ثم خص بقصد البيت، ثم رأيت له مثالًا في غاية الحسن، وهو لفظ (السبت)، فإنه في اللغة: الدهر، ثم خص في الاستعمال لغة بأحد أيام الأسبوع، وهو فرد من أفراد الدهر".
أما التعميم - ومعناه انتقال معنى الكلمة من المعنى الخاص إلى المعنى العام - فمن أمثلته: (النجعة)، و(المنيحة)، و(الوغى)، وقد عقد ابن دريد في الجمهرة لذلك بابًا، ترجم له (باب الاستعارات)، وقال فيه: (النجعة): أصلها طلب الغيث، ثم كثر فصار كل طلب انتجاعًا، و(المنيحة): أصلها أن يعطى الرجل الناقة، فيشرب لبنها، أو الشاة، ثم صارت كل عطية منيحة، و(الوغى): اختلاط الأصوات في الحرب، ثم كثُرت فصارت الحرب، ومن أمثلته أيضًا لفظ (الورد)، ولفظ (القرب)، وقد كان الأصمعي يقول: أصل (الورد): إتيان الماء، ثم صار إتيان كل شيء وردًا، و(القرب) طلب الماء، ثم صار يقال ذلك لكل طلب، فيقال: (هو يقرب كذا)؛ أي: يطلبه، و(لا تقرب كذا).

تعليق