إلى الإخوة الذينَ طَلَبوا بسطَ الكلامِ في الوقفِ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى شعبان
    عضو نشيط
    • Feb 2016
    • 12782

    #1

    إلى الإخوة الذينَ طَلَبوا بسطَ الكلامِ في الوقفِ

    إلى الإخوة الذينَ طَلَبوا بسطَ الكلامِ في الوقفِ
    د. عبد الرحمن بودرع




    الوَقْفُ اجتهادٌ، فمنه ما يَرفَعُ اللبسَ ويُستحسَن فيه وَقْفُ التمامِ، ومنه ما يوقعُ في اللبس:
    أولاً الوقفُ في القُرآن الكريم ظاهرةٌ صَوتيةٌ تتبعُ التركيبَ والمَعْنى وتفترقُ عن التركيب ولكنها لا تستقلُّ عن المَعنى، فإذا وقف الواقفُ اضطراراً واستأنف فإنه يستأنف بكلام مفيد لا مَقطوع ولا ممنوع
    ثانياً: ليسَ الوقفُ ظاهرة صَوتيةً مطلقةً فقد يتحكمُ في توجيه المعنى والأحكام الفقهية، وفي ذلك توسعةٌ على الأمّة، وتَعيين مواضع الوقف الجائز والواجب والممنوع يُشترَط به العلمُ بالعربية وبالتفسير والفقه وعلوم القُرآن
    ثالثاً: فأمّا الوقفُ الذي يَرفعُ اللبسَ ويتعيَّنُ الالتزامُ به ففي نحو قوله تعالى: «وَلَا يحْزنْكَ قَوْلُهُمْ. إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (يونس:65) فالوقفُ عند "قَولهم" مُتعينٌ حتى لا يُظنَّ أن ما بَعدَه مَقولُ القول منصوب به.
    رابعاً: وأمّا الوقفُ الذي إذا ارتُكبَ حَصلَ به اللَّبسُ ففي نحو قوله تعالى: «إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ» يونس:24. فالوقفُ عندَ الفعلِ "اختلَطَ" مُوقعٌ في اللبس؛ لأنه يَفصلُ الفعلَ اختلط عن الفاعل بعدَه "نبات الأرض"، وكأن الاختلاط نُسبَ إلى الماء وليسَ إلى النبات، وهذا خطأ صريحٌ لا يَنبغي ارتكابُه عند قراءة كتاب الله، بدَعْوى الاتباع...
    وكذلكَ في قوله تعالى: «ويَقولونَ حِجْراً مَحجوراً» عند مَن وقفَ على حجراً، ففصل بين المنعوت والنعت، وهو خطأ صريح.
    ومن الوَقفِ الخاطئ الوَقفُ على "كَفَروا" في قوله تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ» (الأنفال:50)؛ لأنّ الوقفَ على الذين كَفَروا سيعزلُ ويَفصلُ الفعل "يَتَوَفّى" والفاعل "الملائكة"
    والدّليلُ على أن الفعل "يَتَوَفّى" مُسنَدٌ إلى الملائكة، أنّه ذُكِر في سورة محمد: «فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ».
    ومن الوَقفِ المُلبسِ الوقفُ على شبه الجملَة "عَمَّ" التي تُفيدُ الاستفهامَ، لأنّ الوقف عليها يوهم أنّ الجار والمجرور من الحروف المُقطعة التي يوقَفُ عندَها.
    خامساً: قَد يُتَساهلُ في الوقف على "مِن أجل ذلك" في سورة المائدة، وتعليق الجار والمجرور بمحذوف، وإن كانَ التعليقُ بما بعدَه أرجحُ وهو "كَتَبْنا" : من أجل ذلك كَتبْنا.
    قَد يُتساهَلُ في الوقف على "منه" والابتداء بعد بـــ"آيات" في آل عمران، وإن كان الأرجح الوصل من غير توقف، أو التوقف عند "آيات" والابتداء بالجار والمجرور "منه" لإفادة التفصيل: منه آياتٌ مُحْكَماتٌ هنّ أمّ الكتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.
    ومما يُؤسَفُ له تشدُّدُ مَن يَتشددُ في الْتماس أوجُه التأوُّلِ والتسْويغِ لمَن وَقَف أولَ مرّة، وآثَرَ البَرَكَة في القراءَة فقط ولم يُبالِ بتدبُّر المَعاني. والقصة معلومَة...
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الذي يلتمسُ ذلكَ يَجعلُه من باب "التميُّز في القراءَة والوقف" والاختلاف عن وقوف المصاحف الأخرى، وينسبُه إلى أبي عبد الله محمد بن جُمعةَ الهبطي (ت.930هـ)،وقد وَرِثَ عنه القرّاءُ تقييداً سُمّي بالوَقفيّة وعنوانُه: "تَقييد وَقف القُرآن الكريم"، وكان المغاربةُ قبل التقييد يقفون على وُقوف نافع المدني برواية ورش المصري بطريق الأزرق، وهي القراءَة التي اختاَرت التمام في الوقف.
    يُرجَعُ إلى الكتُب والرسائل التالية:
    - إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله. لأبي بكر الأنباري.
    - المكتفى في الوقف والابتداء لأبي عَمرو الداني الأندلسي،
    - المقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء لأبي زكريا الأنصاري الشافعي،
    - مباحث في الوقف والابتداء في كتاب: البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي
    - تقييد وقف القُرآن الكريم لأبي عبد الله محمد بن جُمُعَةَ الهبطي
يعمل...