موقف الإسلام من الشعر
زكريا الفاخري
فلا يخفى على كل ذي نظرٍ ما للشعر من منزلة في حياة الأمم ولا سيما أمة العرب قديمًا، فقد احتلَّ الشعرُ عند العرب المنزلةَ الرفيعة، كيف لا؟ وهو الأرشيف الذي يحفظ لكل قبيلة مآثرها وأمجادها وأخبارها، وهو السيفُ المسلط على خصومهم هجاءً وردًّا ودفعًا؛ إذ كان هو الواجهة الإعلامية والقوة الناعمة التي تُدكُّ بها حصون الخصوم دونما مجانيق، ويُرفع بها الوضيعُ مدحًا وفخرًا، ويُسفَّل بها الشريف ذمًّا وقدحًا، فالشعر لديهم كان كما قال أبو فراس:
الشِّعرُ دِيوانُ العَرَبْ
أبدًا وعنوانُ النسبْ
لم أعْدُ فِيهِ مَفَاخِري
ومديحَ آبائي النُّجُبْ
ومُقطَّعاتٍ رُبَّما
حَلَّيْتُ مِنْهُنَّ الكُتُبْ
لا في المديحِ ولا الهِجَا
ءِ وَلا المُجُونِ وَلا اللَّعِبْ[1]
لذا فَقَلَّ أحدٌ من العربِ ممن "له مسكة أدبٍ، وله أدنى حظٍّ من طبع؛ إلا وقد قال شيئًا من الشعر"[2]، وكان الشريف والوضيع من قبائل العرب تهابُ هجاء الشعراء، وترجو مديحهم، فكم وضعَ منهم وكم رفع! ففي المديح كان الرجل من قبيلة أنف الناقة إذا قيل له: مِمَّن الرجل؟ قال: من بني قريع؛ حياءً من ذلك الاسم فما هو إلا أن قال الحطيئة:
سِيْري أُمَامَ فإنَّ الأكثرينَ حصًى
والأكرمينَ إذا مَا يُنْسبُون أَبَا
قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهمُ
ومَنْ يُسَاوي بَأنْفِ النَّاقةِ الذَّنَبا[3]
وصار الرجل منهم بعد هذا البيتِ إذا قيل له: ممَّن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة مُفاخرًا بذلك مجاهرًا بها صوته[4].
وأما في الهجاء فقد كان الرجل من بني نُمير إذا قيل له: ممَّن الرجل؟ قال: نميريّ كما ترى، فما هو إلا أن قال جرير:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُميرٍ
فلا كَعْبًا بلغتَ ولا كِلابا[5]
وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نُميرًا إلى أبيه؛ هربًا من ذكر نُمير، وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة[6]، حتى صار الرجل من بني نُمير إذا قيل له: ممَّن الرجل؟ قال: من بني عامر، وصاروا سبَّة ومضربًا للأمثال فيمن أزرى بهم الشعر، حتى إذا أراد شاعرٌ ما أن يهجو قومًا آخرين يقول:
وَسَوفَ يزيدُكم ضعَةً هِجَائي
كما وَضعَ الهجاءُ بني نُمير[7]
وقال آخرُ:
تَوَعَّدُنِي لتقتُلني نُميرٌ
متى قتلتْ نميرٌ مَنْ هَجَاها[8]
قال الجاحظ: وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هجيت به ما لقيت نمير من بيت جرير.
ويزعمون أن امرأة مرَّت بمجلس من مجالس بني نُمير، فتأملها ناس منهم فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم! قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ... ﴾ [النور: 30]، وقال الشاعر:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُميرٍ
فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابَا[9]
ولعل من أشهر قصص العرب في ذلك شعرُ الأعشى ميمون بن قيس الذي كان سببًا في زواج بنات المُحلَّق، فقد جاء أن الأعشى قدم مكة وتسامع الناس به، وكانت للمُحلَّق امرأة عاقلة- وقيل: بل أم- فقالت له: إن الأعشى قدم، وهو رجل مُفوَّه، ما مدح أحدًا إلا رفعه، ولا هجا أحدًا إلا وضعه وأنت رجلٌ فقيرٌ خاملُ الذكر، ذو بنات، فلو سبقتَ الناس إليه فدعوته إلى الضيافة ونحرتَ له واحتلتَ لك فيما تشتري به شرابًا يتعاطاه؛ لرجوتُ لك حسن العاقبة، فسبق إليه المُحلَّق، فأنزله وأكرمه، فلما أكل الأعشى وأصحابه، قدَّم إليه الشراب واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعِيالِهِ فعرفَ البؤسَ في كلامه، وذكرَ البنات، فقال الأعشى: كُفيتَ أمرهن، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته:
أرقتُ ومَا هذا السُّهادُ المُؤرِّقُ
ومَا بيَ مِن سُقْمٍ ومَا بي مَعْشَقُ
ورأى المُحلَّق اجتماعَ الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريدُ الأعشى بقوله، إلى أن سمع:
نفى الذَّمَّ عن آل المُحلَّق جَفْنةٌ
كجابيةِ الشيخِ العراقيِّ تفهقُ
ترى القومَ فيها شَارعين وبيْنَهم
مَع القومِ وِلْدان من النسلِ دَرْدَقُ
ترى الجودَ يجري ظاهرًا فوقَ وجهِه
كما زانَ متن الهندوانيِّ رَوْنَقُ
فما أتمَّ القصيدة إلا والناس ينسلونَ إلى المُحلَّق يهنئونه، والأشرافُ من كل قبيلةٍ يتسابقون إليه جريًا يخطبون بناته؛ لمكان شعر الأعشى، فلم تُمْسِ من بناتهِ واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف[10].
ونظرًا لما للشعر والشعراء من منزلةٍ وتأثير وضعتِ الشرعة المحمَّدية ضوابطَ وحدودًا لقائلي الشعر وروَّادهِ، فجاءت نصوص القرآن الكريم وصحيح أحاديث النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- متحدثةً عن ظاهرة الشعر والشعراء، والمتأمل في تلك النصوص يلحظ أن كل نصٍّ منها جاء في سياقٍ معينٍ ومقامٍ محدد يُبيِّن خلاله الشارع الحكيم موقفه من الشعر في ذاك المقام والموقف الذي جاء فيه ذكر الشعر، وسأحاول خلال هذا المبحث الفرعي أن ألملم أشهرَ ما جاء عن الشعر وأصحه في النصوص لكي تتضح معالم الصورة الكاملة في موقف الشرع المطهَّر من الشعر؛ إذ إن الاعتماد على نص واحد وإهمال البقية يُعطي فَهْمًا غير مكتملٍ لموقف الإسلام من الشعر والشعراء؛ لذا سأجمع تلك النصوص مُلحِقًا بكل نصٍّ منها خلاصته في سطر كمقدماتٍ تجمع في نهاية النصوص على شكلِ نقاط للوصول للنتيجة الأقرب للدقة.
أولًا: ذكر الشعر والشعراء في القرآن الكريم:
1-إن أولَ ما يخطُرُ ببالِ الناظرِ في كتاب الله عز وجل حول هذه الجزئيةِ هو تسميةُ سورةٍ كاملةٍ باسم (الشعراء) ما يدل على أهمية قضية الشعر والشعراء في الشريعة حتى أُنزِلت فيهم سورة تُتلى إلى يوم القيامة، قال محمد بن الطاهر بن عَاشُورٍ رحمه الله: "واشتهرت عند السَّلف بسورة الشُّعراء؛ لأنَّها تفرَّدت من بين سور القرآن بذكر كلمة (الشُّعراء) وكذلك جاءت تسميتها في كتب السنة"[11].
ولنا أن نلخِّص مقدمةً أولى لهذه النقطة بقولنا:
أهمية الشعر والشعراء وتأثيرهُ جعلَ الشريعةَ تفردُ لهم سورةً كاملةً باسمهم.
2- قال الله تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 221 - 227].
جاءتْ هذه الآية في سياقِ الرد على شبهات المشركينَ حول الوحي، فبدأ القرآن في دحض حججهم الواحدة تِلْوَ الأخرى فقال: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 - 195]، ثم سرد بقيةَ شبَهِهم وردَّ عليهم حتى جاءَ لزعمهم بأن القرآنَ الكريمِ من كلام الكُهَّان الذي تنزلت به الشياطين على قلبِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال سبحانه وتعالى -مُفْحِمًا لهم-: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: 210 - 212].
ثم ساقَتِ الآياتُ بعد ذلك توجيهاتها لنبينا الكريم بما اشتملت عليه رسالة القرآن من توحيد الله وإفراده ووجوب تبليغه رسالة ربِّه للناس، وأن ينذرهم جميعًا ابتداءً من عشيرته الأقربين كإشارة إلى أنه لن يغني عنهم شيئًا إن لم يوحِّدوا الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك السرد ردٌّ آخرُ غير مباشرٍ، فلو كان من كلام الكُهَّان وتزيين الشياطين لأوجد لقرابتهِ عذرًا في عدم اتباع الرسالة، ولكن لما لم يجدْ لهم عذرًا دلَّ على أنه وحي من لدن عليم خبير، وبعد ذلك عادتِ الآياتُ من جديد وكرَّتْ على شبهتهم حول القرآن وأنه من زخارف الشياطين -حسَب زعمهم- فأوضحت على من تتنزل الشياطين حقيقة، وفي هذا التوضيحِ البديع إقامةٌ للحُجَّة عليهم بتمامها وكمالِها، فقال سبحانه: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 221 - 227]، فذكرَ في الآيةِ الكريمة أصنافَ مَن تتنزَّلُ عليهم الشياطينُ، وذكرَ من بينِ هذه الأصنافِ (الشعراء) -وهم الشاهد من هذا الاستطراد الذي أردتُ به بيانَ سياق النص وسباقه ولحاقه– وذكر نوعينِ من الشعراء:
أ- شعراء يتبعهم الغاوون ويقولون ما لا يفعلون.
ب- شعراء مؤمنين يذكرون الله كثيرًا ويردون عادية الظلم على الظالمين.
فليس كلُّ الشعراء مذمومين كما هو مشتهر عند بعض العامة؛ قال ابن رشيق: "فأمَّا احتجاجُ مَنْ لا يفهمُ وجهَ الكلامِ بقولهِ تعالى: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ [الشعراء: 224] فهو غلط وسوء تأوُّل؛ لأنَّ المقصود بهذا النص شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله بالهجاء ومسّه بالأذى، فأمَّا من سواهم من المؤمنين فغير داخلٍ في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله عز وجل ونبَّه عليهم فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ [الشعراء: 227] يريدُ شعراء النبي -صلى الله عليه وسلم- ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه؛ كحسَّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة"[12].
زكريا الفاخري
فلا يخفى على كل ذي نظرٍ ما للشعر من منزلة في حياة الأمم ولا سيما أمة العرب قديمًا، فقد احتلَّ الشعرُ عند العرب المنزلةَ الرفيعة، كيف لا؟ وهو الأرشيف الذي يحفظ لكل قبيلة مآثرها وأمجادها وأخبارها، وهو السيفُ المسلط على خصومهم هجاءً وردًّا ودفعًا؛ إذ كان هو الواجهة الإعلامية والقوة الناعمة التي تُدكُّ بها حصون الخصوم دونما مجانيق، ويُرفع بها الوضيعُ مدحًا وفخرًا، ويُسفَّل بها الشريف ذمًّا وقدحًا، فالشعر لديهم كان كما قال أبو فراس:
الشِّعرُ دِيوانُ العَرَبْ
أبدًا وعنوانُ النسبْ
لم أعْدُ فِيهِ مَفَاخِري
ومديحَ آبائي النُّجُبْ
ومُقطَّعاتٍ رُبَّما
حَلَّيْتُ مِنْهُنَّ الكُتُبْ
لا في المديحِ ولا الهِجَا
ءِ وَلا المُجُونِ وَلا اللَّعِبْ[1]
لذا فَقَلَّ أحدٌ من العربِ ممن "له مسكة أدبٍ، وله أدنى حظٍّ من طبع؛ إلا وقد قال شيئًا من الشعر"[2]، وكان الشريف والوضيع من قبائل العرب تهابُ هجاء الشعراء، وترجو مديحهم، فكم وضعَ منهم وكم رفع! ففي المديح كان الرجل من قبيلة أنف الناقة إذا قيل له: مِمَّن الرجل؟ قال: من بني قريع؛ حياءً من ذلك الاسم فما هو إلا أن قال الحطيئة:
سِيْري أُمَامَ فإنَّ الأكثرينَ حصًى
والأكرمينَ إذا مَا يُنْسبُون أَبَا
قومٌ همُ الأنفُ والأذنابُ غيرُهمُ
ومَنْ يُسَاوي بَأنْفِ النَّاقةِ الذَّنَبا[3]
وصار الرجل منهم بعد هذا البيتِ إذا قيل له: ممَّن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة مُفاخرًا بذلك مجاهرًا بها صوته[4].
وأما في الهجاء فقد كان الرجل من بني نُمير إذا قيل له: ممَّن الرجل؟ قال: نميريّ كما ترى، فما هو إلا أن قال جرير:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُميرٍ
فلا كَعْبًا بلغتَ ولا كِلابا[5]
وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بني نمير ينتسبون بالبصرة إلى عامر بن صعصعة، ويتجاوزون أباهم نُميرًا إلى أبيه؛ هربًا من ذكر نُمير، وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة[6]، حتى صار الرجل من بني نُمير إذا قيل له: ممَّن الرجل؟ قال: من بني عامر، وصاروا سبَّة ومضربًا للأمثال فيمن أزرى بهم الشعر، حتى إذا أراد شاعرٌ ما أن يهجو قومًا آخرين يقول:
وَسَوفَ يزيدُكم ضعَةً هِجَائي
كما وَضعَ الهجاءُ بني نُمير[7]
وقال آخرُ:
تَوَعَّدُنِي لتقتُلني نُميرٌ
متى قتلتْ نميرٌ مَنْ هَجَاها[8]
قال الجاحظ: وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هجيت به ما لقيت نمير من بيت جرير.
ويزعمون أن امرأة مرَّت بمجلس من مجالس بني نُمير، فتأملها ناس منهم فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم! قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ... ﴾ [النور: 30]، وقال الشاعر:
فغُضَّ الطَّرْفَ إنكَ من نُميرٍ
فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابَا[9]
ولعل من أشهر قصص العرب في ذلك شعرُ الأعشى ميمون بن قيس الذي كان سببًا في زواج بنات المُحلَّق، فقد جاء أن الأعشى قدم مكة وتسامع الناس به، وكانت للمُحلَّق امرأة عاقلة- وقيل: بل أم- فقالت له: إن الأعشى قدم، وهو رجل مُفوَّه، ما مدح أحدًا إلا رفعه، ولا هجا أحدًا إلا وضعه وأنت رجلٌ فقيرٌ خاملُ الذكر، ذو بنات، فلو سبقتَ الناس إليه فدعوته إلى الضيافة ونحرتَ له واحتلتَ لك فيما تشتري به شرابًا يتعاطاه؛ لرجوتُ لك حسن العاقبة، فسبق إليه المُحلَّق، فأنزله وأكرمه، فلما أكل الأعشى وأصحابه، قدَّم إليه الشراب واشتوى له من كبد الناقة، وأطعمه من أطايبها، فلما جرى فيه الشراب وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعِيالِهِ فعرفَ البؤسَ في كلامه، وذكرَ البنات، فقال الأعشى: كُفيتَ أمرهن، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته:
أرقتُ ومَا هذا السُّهادُ المُؤرِّقُ
ومَا بيَ مِن سُقْمٍ ومَا بي مَعْشَقُ
ورأى المُحلَّق اجتماعَ الناس، فوقف يستمع، وهو لا يدري أين يريدُ الأعشى بقوله، إلى أن سمع:
نفى الذَّمَّ عن آل المُحلَّق جَفْنةٌ
كجابيةِ الشيخِ العراقيِّ تفهقُ
ترى القومَ فيها شَارعين وبيْنَهم
مَع القومِ وِلْدان من النسلِ دَرْدَقُ
ترى الجودَ يجري ظاهرًا فوقَ وجهِه
كما زانَ متن الهندوانيِّ رَوْنَقُ
فما أتمَّ القصيدة إلا والناس ينسلونَ إلى المُحلَّق يهنئونه، والأشرافُ من كل قبيلةٍ يتسابقون إليه جريًا يخطبون بناته؛ لمكان شعر الأعشى، فلم تُمْسِ من بناتهِ واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف[10].
ونظرًا لما للشعر والشعراء من منزلةٍ وتأثير وضعتِ الشرعة المحمَّدية ضوابطَ وحدودًا لقائلي الشعر وروَّادهِ، فجاءت نصوص القرآن الكريم وصحيح أحاديث النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- متحدثةً عن ظاهرة الشعر والشعراء، والمتأمل في تلك النصوص يلحظ أن كل نصٍّ منها جاء في سياقٍ معينٍ ومقامٍ محدد يُبيِّن خلاله الشارع الحكيم موقفه من الشعر في ذاك المقام والموقف الذي جاء فيه ذكر الشعر، وسأحاول خلال هذا المبحث الفرعي أن ألملم أشهرَ ما جاء عن الشعر وأصحه في النصوص لكي تتضح معالم الصورة الكاملة في موقف الشرع المطهَّر من الشعر؛ إذ إن الاعتماد على نص واحد وإهمال البقية يُعطي فَهْمًا غير مكتملٍ لموقف الإسلام من الشعر والشعراء؛ لذا سأجمع تلك النصوص مُلحِقًا بكل نصٍّ منها خلاصته في سطر كمقدماتٍ تجمع في نهاية النصوص على شكلِ نقاط للوصول للنتيجة الأقرب للدقة.
أولًا: ذكر الشعر والشعراء في القرآن الكريم:
1-إن أولَ ما يخطُرُ ببالِ الناظرِ في كتاب الله عز وجل حول هذه الجزئيةِ هو تسميةُ سورةٍ كاملةٍ باسم (الشعراء) ما يدل على أهمية قضية الشعر والشعراء في الشريعة حتى أُنزِلت فيهم سورة تُتلى إلى يوم القيامة، قال محمد بن الطاهر بن عَاشُورٍ رحمه الله: "واشتهرت عند السَّلف بسورة الشُّعراء؛ لأنَّها تفرَّدت من بين سور القرآن بذكر كلمة (الشُّعراء) وكذلك جاءت تسميتها في كتب السنة"[11].
ولنا أن نلخِّص مقدمةً أولى لهذه النقطة بقولنا:
أهمية الشعر والشعراء وتأثيرهُ جعلَ الشريعةَ تفردُ لهم سورةً كاملةً باسمهم.
2- قال الله تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 221 - 227].
جاءتْ هذه الآية في سياقِ الرد على شبهات المشركينَ حول الوحي، فبدأ القرآن في دحض حججهم الواحدة تِلْوَ الأخرى فقال: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 - 195]، ثم سرد بقيةَ شبَهِهم وردَّ عليهم حتى جاءَ لزعمهم بأن القرآنَ الكريمِ من كلام الكُهَّان الذي تنزلت به الشياطين على قلبِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال سبحانه وتعالى -مُفْحِمًا لهم-: ﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾ [الشعراء: 210 - 212].
ثم ساقَتِ الآياتُ بعد ذلك توجيهاتها لنبينا الكريم بما اشتملت عليه رسالة القرآن من توحيد الله وإفراده ووجوب تبليغه رسالة ربِّه للناس، وأن ينذرهم جميعًا ابتداءً من عشيرته الأقربين كإشارة إلى أنه لن يغني عنهم شيئًا إن لم يوحِّدوا الله سبحانه وتعالى، وفي ذلك السرد ردٌّ آخرُ غير مباشرٍ، فلو كان من كلام الكُهَّان وتزيين الشياطين لأوجد لقرابتهِ عذرًا في عدم اتباع الرسالة، ولكن لما لم يجدْ لهم عذرًا دلَّ على أنه وحي من لدن عليم خبير، وبعد ذلك عادتِ الآياتُ من جديد وكرَّتْ على شبهتهم حول القرآن وأنه من زخارف الشياطين -حسَب زعمهم- فأوضحت على من تتنزل الشياطين حقيقة، وفي هذا التوضيحِ البديع إقامةٌ للحُجَّة عليهم بتمامها وكمالِها، فقال سبحانه: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 221 - 227]، فذكرَ في الآيةِ الكريمة أصنافَ مَن تتنزَّلُ عليهم الشياطينُ، وذكرَ من بينِ هذه الأصنافِ (الشعراء) -وهم الشاهد من هذا الاستطراد الذي أردتُ به بيانَ سياق النص وسباقه ولحاقه– وذكر نوعينِ من الشعراء:
أ- شعراء يتبعهم الغاوون ويقولون ما لا يفعلون.
ب- شعراء مؤمنين يذكرون الله كثيرًا ويردون عادية الظلم على الظالمين.
فليس كلُّ الشعراء مذمومين كما هو مشتهر عند بعض العامة؛ قال ابن رشيق: "فأمَّا احتجاجُ مَنْ لا يفهمُ وجهَ الكلامِ بقولهِ تعالى: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾ [الشعراء: 224] فهو غلط وسوء تأوُّل؛ لأنَّ المقصود بهذا النص شعراء المشركين الذين تناولوا رسول الله بالهجاء ومسّه بالأذى، فأمَّا من سواهم من المؤمنين فغير داخلٍ في شيء من ذلك، ألا تسمع كيف استثناهم الله عز وجل ونبَّه عليهم فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾ [الشعراء: 227] يريدُ شعراء النبي -صلى الله عليه وسلم- ينتصرون له، ويجيبون المشركين عنه؛ كحسَّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة"[12].

تعليق