من بدائع القرآن الكريم:
ظاهرة مضي المستقبل
د. مفرح سعفان
من اللافت للنظر أن معظم الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن يوم القيامة وأحداثه وأهواله ومشاهده لا تستعمل فيها إلا صيغة الفعل الماضي، مع أنها أحداث لن تقع إلا في المستقبل. مثلما نلاحظ في الآيات الكريمة الآتية:
- ﴿أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [النحل ١]
( أي أتى يوم القيامة فلا تستعجلوه)
- ﴿وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِیضُوا۟ عَلَیۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ﴾ [الأعراف ٥٠]
- ﴿وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]
- ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡكَـٰفِرِینَ عَرۡضًا﴾ [الكهف ١٠٠]
- ﴿وَسِیقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ ﴾ [الزمر ٧١]
- ﴿وَسِیقَ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ﴾ [الزمر ٧٣]
- ﴿۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَیِّ ٱلۡقَیُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمࣰا﴾ [طه ١١١]
وغير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
وقد علل النحويون العرب القدماء - رحمهم الله - لهذه الظاهرة بأنها لتأكيد وقوع الفعل وأنه واقع لا محالة مثلما أن الماضي قد وقع لامحالة، وهو تعليل وجيه.
ولكن شيوع هذه الظاهرة في القرآن الكريم (وهي التعبير عن المستقبل بصيغة الفعل الماضي أو ما يمكن أن نسميها ظاهرة مضي المستقبل) يؤكد لنا بُعدًا دلاليا أعمق ، يتمثل في أن هذا الكتاب الكريم منزل من عند الله الخالق ، وليس مفترى من قبل أي مخلوق.
ذلك أن شيوع هذه الظاهرة في القرآن الكريم يؤكد لنا تميز التعبير عن الزمن في القرآن عنه عند الإنسان. فالزمن عند الإنسان مقيد بحركة هذا الفلك الذي يعيش الإنسان فيه، فبدوران الأرض حول نفسها يتعاقب الليل والنهار، وتنشأ الأيام والليالي، فينشأ أمس واليوم وغدا، فيعرف الإنسان الماضي والحاضر والمستقبل، فيعبر عنها بكان ويكون وسيكون أو سوف يكون.
ولكن الله سبحانه وتعالى لأنه خالق الخلق ومالك الملك، وهو من بيده ملكوت السموات والأرض، وهو الذي يحرك هذا الفلك الكبير وهذا الملكوت العظيم ويقلبه كيف يشاء، وهو الذي خلق الزمان الذي يعيش فيه الإنسان، ولذلك فهو سبحانه وتعالى لا يخضع إطلاقا لتلك القيود الزمنية الثلاثة التي يخضع لها الإنسان ، بل إن الزمن عنده سبحانه مطلق غير مقيد . ولذلك فإن كل ماهو محقق وقوعه في المستقبل عند الإنسان يعد عند الله قد وقع في الماضي. ولذلك قال سبحانه عن يوم القيامة:
﴿إِنَّهُمۡ یَرَوۡنَهُۥ بَعِیدࣰا وَنَرَىٰهُ قَرِیبࣰا﴾ [المعارج ٦،٧]﴾
وقال أيضا عنه :
﴿أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾ [النحل ١]
مع أنه لما يأت بعد في نظر الإنسان.
ولذلك فإن شيوع ظاهرة (مضي المستقبل) في القرآن الكريم هي دليل قاطع على أنه منزل من عند الله خالق الإنسان وخالق الزمان، وليس كتابا مفترى من قبل أي إنسان.
والله أعلم.
المصدر
ظاهرة مضي المستقبل
د. مفرح سعفان
من اللافت للنظر أن معظم الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن يوم القيامة وأحداثه وأهواله ومشاهده لا تستعمل فيها إلا صيغة الفعل الماضي، مع أنها أحداث لن تقع إلا في المستقبل. مثلما نلاحظ في الآيات الكريمة الآتية:
- ﴿أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [النحل ١]
( أي أتى يوم القيامة فلا تستعجلوه)
- ﴿وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِیضُوا۟ عَلَیۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ﴾ [الأعراف ٥٠]
- ﴿وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]
- ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡكَـٰفِرِینَ عَرۡضًا﴾ [الكهف ١٠٠]
- ﴿وَسِیقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ ﴾ [الزمر ٧١]
- ﴿وَسِیقَ ٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ﴾ [الزمر ٧٣]
- ﴿۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَیِّ ٱلۡقَیُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمࣰا﴾ [طه ١١١]
وغير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
وقد علل النحويون العرب القدماء - رحمهم الله - لهذه الظاهرة بأنها لتأكيد وقوع الفعل وأنه واقع لا محالة مثلما أن الماضي قد وقع لامحالة، وهو تعليل وجيه.
ولكن شيوع هذه الظاهرة في القرآن الكريم (وهي التعبير عن المستقبل بصيغة الفعل الماضي أو ما يمكن أن نسميها ظاهرة مضي المستقبل) يؤكد لنا بُعدًا دلاليا أعمق ، يتمثل في أن هذا الكتاب الكريم منزل من عند الله الخالق ، وليس مفترى من قبل أي مخلوق.
ذلك أن شيوع هذه الظاهرة في القرآن الكريم يؤكد لنا تميز التعبير عن الزمن في القرآن عنه عند الإنسان. فالزمن عند الإنسان مقيد بحركة هذا الفلك الذي يعيش الإنسان فيه، فبدوران الأرض حول نفسها يتعاقب الليل والنهار، وتنشأ الأيام والليالي، فينشأ أمس واليوم وغدا، فيعرف الإنسان الماضي والحاضر والمستقبل، فيعبر عنها بكان ويكون وسيكون أو سوف يكون.
ولكن الله سبحانه وتعالى لأنه خالق الخلق ومالك الملك، وهو من بيده ملكوت السموات والأرض، وهو الذي يحرك هذا الفلك الكبير وهذا الملكوت العظيم ويقلبه كيف يشاء، وهو الذي خلق الزمان الذي يعيش فيه الإنسان، ولذلك فهو سبحانه وتعالى لا يخضع إطلاقا لتلك القيود الزمنية الثلاثة التي يخضع لها الإنسان ، بل إن الزمن عنده سبحانه مطلق غير مقيد . ولذلك فإن كل ماهو محقق وقوعه في المستقبل عند الإنسان يعد عند الله قد وقع في الماضي. ولذلك قال سبحانه عن يوم القيامة:
﴿إِنَّهُمۡ یَرَوۡنَهُۥ بَعِیدࣰا وَنَرَىٰهُ قَرِیبࣰا﴾ [المعارج ٦،٧]﴾
وقال أيضا عنه :
﴿أَتَىٰۤ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ﴾ [النحل ١]
مع أنه لما يأت بعد في نظر الإنسان.
ولذلك فإن شيوع ظاهرة (مضي المستقبل) في القرآن الكريم هي دليل قاطع على أنه منزل من عند الله خالق الإنسان وخالق الزمان، وليس كتابا مفترى من قبل أي إنسان.
والله أعلم.
المصدر
