#من_متشابهات_القرآن:
(بريئون) و(برءاء)
د. مفرح سعفان
قد يتوهم المرء أن هاتين الصيغتين في جمع كلمة ( بريء) بمعنى واحد، ولكن السياق القرآني قد فرق بينهما تفرقة دلالية رائعة.
فقد استعمل القرآن الكريم صيغة الجمع السالم (بريئون) عندما كانت البراءة صفة مؤقتة وغير دائمة في الموصوف، إذ وردت على لسان رسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يصف براءة كفار مكة من الإسلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنتُم بَرِیۤـُٔونَ مِمَّاۤ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس ٤١].
ونحن نعلم أن أهل مكة - بعد ذلك - قد دخلوا جميعا في دين الله أفواجا يوم فتح مكة.
واستعمل القرآن الكريم صيغة جمع التكسير ( برءاء) عندما كانت صفة البراءة دائمة وملازمة للموصوف بها ملازمة أبدية، ولا يمكن أن تنفك عنه، إذ وردت على لسان إبراهيم - عليه السلام - والذين آمنوا معه تصف براءتهم من الكفر، وهي بلا أدنى شك براءة أبدية لاتنفك عنهم أبدا، حيث قال تعالى عنهم: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَ ٰۤ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤].
مما يدفعنا إلى القول بأن جمع التكسير أقوى وأبلغ من الجمع السالم في الدلالة على مدى ملازمة الصفة للموصوف.
ومما يؤكد لنا ذلك أننا نلحظ هذا الفرق الدلالي الجمالي بين هاتين الصيغتين في أمثلة متعددة أخرى.
- فقد استعمل السياق القرآني صيغة جمع المؤنث السالم (راسيات) في جمع (راسية) في قوله تعالى: ﴿وَقُدُورࣲ رَّاسِیَـٰتٍۚ﴾ [سبأ ١٣] لأن صفة الرسو هنا في هذه القدور مؤقتة وغير أبدية.
- ولكن لما كانت صفة الرسو في الجبال صفة راسخة ودائمة وملازمة لها ملازمة أبدية فقد استعمل القرآن في جمعها صيغة جمع التكسير (رواسي)، كما في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰسِیَ وَأَنۡهَـٰرࣰاۖ ﴾ [الرعد ٣].
وقوله: ﴿وَجَعَلۡنَا فِیهَا رَوَ ٰسِیَ شَـٰمِخَـٰتࣲ﴾ [المرسلات ٢٧].
فلم تجمع الجبال قط على صيغة الجمع السالم (راسيات) في القرآن الكريم لهذا السبب الدلالي.
وقال تعالى في وصف أهل الكهف: ﴿وَتَحۡسَبُهُمۡ أَیۡقَاظࣰا وَهُمۡ رُقُودࣱۚ﴾ [الكهف ١٨] ولم يقل: (يقظين) مثل (فرحين).
والله أعلم.
وصدق الحق إذ يقول:
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء ٨٢].
المصدر
(بريئون) و(برءاء)
د. مفرح سعفان
قد يتوهم المرء أن هاتين الصيغتين في جمع كلمة ( بريء) بمعنى واحد، ولكن السياق القرآني قد فرق بينهما تفرقة دلالية رائعة.
فقد استعمل القرآن الكريم صيغة الجمع السالم (بريئون) عندما كانت البراءة صفة مؤقتة وغير دائمة في الموصوف، إذ وردت على لسان رسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يصف براءة كفار مكة من الإسلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنتُم بَرِیۤـُٔونَ مِمَّاۤ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِیۤءࣱ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس ٤١].
ونحن نعلم أن أهل مكة - بعد ذلك - قد دخلوا جميعا في دين الله أفواجا يوم فتح مكة.
واستعمل القرآن الكريم صيغة جمع التكسير ( برءاء) عندما كانت صفة البراءة دائمة وملازمة للموصوف بها ملازمة أبدية، ولا يمكن أن تنفك عنه، إذ وردت على لسان إبراهيم - عليه السلام - والذين آمنوا معه تصف براءتهم من الكفر، وهي بلا أدنى شك براءة أبدية لاتنفك عنهم أبدا، حيث قال تعالى عنهم: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُۥۤ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَ ٰۤ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤].
مما يدفعنا إلى القول بأن جمع التكسير أقوى وأبلغ من الجمع السالم في الدلالة على مدى ملازمة الصفة للموصوف.
ومما يؤكد لنا ذلك أننا نلحظ هذا الفرق الدلالي الجمالي بين هاتين الصيغتين في أمثلة متعددة أخرى.
- فقد استعمل السياق القرآني صيغة جمع المؤنث السالم (راسيات) في جمع (راسية) في قوله تعالى: ﴿وَقُدُورࣲ رَّاسِیَـٰتٍۚ﴾ [سبأ ١٣] لأن صفة الرسو هنا في هذه القدور مؤقتة وغير أبدية.
- ولكن لما كانت صفة الرسو في الجبال صفة راسخة ودائمة وملازمة لها ملازمة أبدية فقد استعمل القرآن في جمعها صيغة جمع التكسير (رواسي)، كما في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَ ٰسِیَ وَأَنۡهَـٰرࣰاۖ ﴾ [الرعد ٣].
وقوله: ﴿وَجَعَلۡنَا فِیهَا رَوَ ٰسِیَ شَـٰمِخَـٰتࣲ﴾ [المرسلات ٢٧].
فلم تجمع الجبال قط على صيغة الجمع السالم (راسيات) في القرآن الكريم لهذا السبب الدلالي.
وقال تعالى في وصف أهل الكهف: ﴿وَتَحۡسَبُهُمۡ أَیۡقَاظࣰا وَهُمۡ رُقُودࣱۚ﴾ [الكهف ١٨] ولم يقل: (يقظين) مثل (فرحين).
والله أعلم.
وصدق الحق إذ يقول:
﴿أَفَلَا یَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَیۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِیهِ ٱخۡتِلَـٰفࣰا كَثِیرࣰا﴾ [النساء ٨٢].
المصدر
