من جماليات الحذف في القرآن الكريم
أ.د. مفرح سعفان
تتعدد أشكال الحذف وأسبابه في القرآن الكريم.
- فمنه ما حذف لدلالة الحال عليه
ومن هذا قوله سبحانه في مستهل سورة النور :
" سورة أنزلناها وفرضناها ".
فكلمة (سورة) هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه ، فالتقدير:
( هذه سورة ).
وقد حذف المبتدأ لدلالة الحال عليه ، أي الموقف الذي يساق فيه الكلام.
- ومنه ماحذف لدلالة ماقبله عليه ، وهو الشائع ، ومنه قوله سبحانه في وصف الجنة:
" أكلها دائم وظلها " .
أي : وظلها دائم كذلك .
وقوله سبحانه :
" ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ".
فهنا أغنى التركيب الوصفي ( نفس واحدة) عن ذكر جملتين فعليتين ؛ لدلالة السياق عليهما ؛ لأن المعنى:
( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة ) ، والمصدران في
(خلق نفس) و(بعث نفس)
هنا مضافان إلى المفعول ، وحذف الفاعل معهما - وهو لفظ الجلالة - لدلالة الحال عليه ؛ لأن التقدير :
(ما خلقكم ولا بعثكم إلا كما أخلق نفسا واحدة وكما أبعث نفسا واحدة).
وهكذا أغنى التركيب الوصفي( نفس واحدة ) عن ذكر جملتين فعليتين، في إيجاز بليغ منقطع النظير ، ولعل في هذا الإيجاز البديع الخارق للمألوف تأكيدا موازيا لقدرته الخارقة - سبحانه وتعالى - على عمليتي الخلق والبعث؛ لأن القادر عليهما قادر على التعبير عنهما بما يناسب قدرته المطلقة.
- ومنه ما حذف لدلالة ما بعده عليه ، وهو قليل ولكنه الأقوى والأجمل ، نظرا لما يؤدي إليه من إثارة للعقل وإعمال للفكر بسبب البحث عن هذا العنصر المحذوف.\
ومن أجمل أمثلته عندي قوله سبحانه:
"فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير".
فالفعل ( تبين) هنا لا نجد له فاعلا مذكورا ، ولكننا نفهمه ونعثر عليه عندما نكمل قراءة الآية الكريمة ، فنستنبط أن الفاعل هنا هو المصدر المؤول المحذوف لدلالة ما بعده عليه؛ لأن التقدير - والله أعلم-:
(فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).
وتم حذف الفاعل هنا منعا للتكرار الممل.
ومع أن جمهور النحاة- رحمهم الله - رأوا أنه لا يجوز حذف الفاعل ؛ لأنه كالجزء من الفعل ، وأن الفاعل هنا هو ضمير مستتر يعود على مصدر الفعل المذكور ، فإنني لا أتفق مع من ذهبوا هذا المذهب ؛ لأنه - فضلا عن ما فيه من تكلف وتعسف - يتناقض تماما مع القاعدة النحوية التي أجمع عليها النحاة قاطبة والتي تنص على أن ما حذف للدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به.
وهكذا نجد أن ظاهرة الحذف في القرآن فضلا عما فيها من أبعاد بلاغية ومؤثرات جمالية تشحن
القلب بالطاقات الإيمانية والنورانية فإن فيها أيضا ما يشحن العقل من طاقات فكرية تساعد على تنمية القدرات العقلية والمهارات الذهنية من تأمل وتدبر وانتباه وتذكر واستنتاج لاستنباط العنصر المحذوف في الجملة.
هذا وبالله التوفيق .
المصدر
أ.د. مفرح سعفان
تتعدد أشكال الحذف وأسبابه في القرآن الكريم.
- فمنه ما حذف لدلالة الحال عليه
ومن هذا قوله سبحانه في مستهل سورة النور :
" سورة أنزلناها وفرضناها ".
فكلمة (سورة) هنا خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه ، فالتقدير:
( هذه سورة ).
وقد حذف المبتدأ لدلالة الحال عليه ، أي الموقف الذي يساق فيه الكلام.
- ومنه ماحذف لدلالة ماقبله عليه ، وهو الشائع ، ومنه قوله سبحانه في وصف الجنة:
" أكلها دائم وظلها " .
أي : وظلها دائم كذلك .
وقوله سبحانه :
" ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ".
فهنا أغنى التركيب الوصفي ( نفس واحدة) عن ذكر جملتين فعليتين ؛ لدلالة السياق عليهما ؛ لأن المعنى:
( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة ) ، والمصدران في
(خلق نفس) و(بعث نفس)
هنا مضافان إلى المفعول ، وحذف الفاعل معهما - وهو لفظ الجلالة - لدلالة الحال عليه ؛ لأن التقدير :
(ما خلقكم ولا بعثكم إلا كما أخلق نفسا واحدة وكما أبعث نفسا واحدة).
وهكذا أغنى التركيب الوصفي( نفس واحدة ) عن ذكر جملتين فعليتين، في إيجاز بليغ منقطع النظير ، ولعل في هذا الإيجاز البديع الخارق للمألوف تأكيدا موازيا لقدرته الخارقة - سبحانه وتعالى - على عمليتي الخلق والبعث؛ لأن القادر عليهما قادر على التعبير عنهما بما يناسب قدرته المطلقة.
- ومنه ما حذف لدلالة ما بعده عليه ، وهو قليل ولكنه الأقوى والأجمل ، نظرا لما يؤدي إليه من إثارة للعقل وإعمال للفكر بسبب البحث عن هذا العنصر المحذوف.\
ومن أجمل أمثلته عندي قوله سبحانه:
"فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير".
فالفعل ( تبين) هنا لا نجد له فاعلا مذكورا ، ولكننا نفهمه ونعثر عليه عندما نكمل قراءة الآية الكريمة ، فنستنبط أن الفاعل هنا هو المصدر المؤول المحذوف لدلالة ما بعده عليه؛ لأن التقدير - والله أعلم-:
(فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).
وتم حذف الفاعل هنا منعا للتكرار الممل.
ومع أن جمهور النحاة- رحمهم الله - رأوا أنه لا يجوز حذف الفاعل ؛ لأنه كالجزء من الفعل ، وأن الفاعل هنا هو ضمير مستتر يعود على مصدر الفعل المذكور ، فإنني لا أتفق مع من ذهبوا هذا المذهب ؛ لأنه - فضلا عن ما فيه من تكلف وتعسف - يتناقض تماما مع القاعدة النحوية التي أجمع عليها النحاة قاطبة والتي تنص على أن ما حذف للدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به.
وهكذا نجد أن ظاهرة الحذف في القرآن فضلا عما فيها من أبعاد بلاغية ومؤثرات جمالية تشحن
القلب بالطاقات الإيمانية والنورانية فإن فيها أيضا ما يشحن العقل من طاقات فكرية تساعد على تنمية القدرات العقلية والمهارات الذهنية من تأمل وتدبر وانتباه وتذكر واستنتاج لاستنباط العنصر المحذوف في الجملة.
هذا وبالله التوفيق .
المصدر
