#شيء_من_اللغة: النوايا والطوايا
د. هادي حسن حمودي
في الشهرين التاسع والعاشر من كل عام واجبات تؤخر التواصل مع أسئلة الأصدقاء الأعزاء. فمعذرة للتأخير. والحمد لله انتهى الكثير منها وسأبدأ بالإجابات.
أول إجابة من حق الأستاذ كريم عبد الله الذي كتب أنه قرأ تخطئة كلمة (نوايا) جمع نيّة. وقرأ قرار مجمع لغوي أجازها. وسأل عن الحقيقة.
جوابي:
أشكر لك ثقتك.
قرار المجمع المذكور صحيح، ولكن كان عليه أن يبيّن الفرق الدلالي بين (نيات) و(نوايا) فبينهما فرق دلالي لا يصحّ تجاهله في استعمال أي من اللفظتين.
كما إن تسويغ المجمع لقراره ذكّرني بقول ابن فارس:
مرّت بنا هيفاء مقدودة / تركية تنمى لتركيّ
ترنو بطرف فاتن فاتر/ كأنه حجّة نحويّ
مشكلة بعض مؤسساتنا المعنية باللغة أنها تقدم دليلا غير مقنع ثم تلصق به حقيقة لغوية، فإذا سقط الدليل ضاعت الحقيقة على عموم الناس باستثناء من انتبه لخطأ المنهج.
فالمجمع أجاز (نوايا) حملا على (طوايا) التي هي جمع (طوية) زاعما أنها ترتبط بكلمة (نيّة) في الدلالة. فليسمحوا لنا بتقديم هذه الملاحظات:
أولا: شتان بين أصل النية وتطوراتها وأصل الطوية وتطوراتها. تقول: نوى فلان السفر، ونوى أخوه صياما، ولا تقول: طوى فلان السفر وطوى أخوه صياما. وتقول: طوى فلان ثيابه طيّا وطويا وطوية، ولا تقول: نوى فلان ثيابه، نية ونويا ونويّة. والطوية لا تعني النيّة. تقول: رأيت في طوايا الكتاب كذا وكذا، فهل يصح أن تقول رأيت في نوايا الكتاب؟ وكثيرا ما نقرأ: لقد طوى قلبه على سره الخطير، ولم يُبده لأحد. فهل هذه نيّة؟
وثانيا: ذكر معجم لسان العرب كلمة (نوايا) جمع نيّة. وكان بإمكان المجمعيين الاكتفاء بهذا من غير حاجة لقياس لا حقيقة له في اللغة.
وثالثا: لم يناقشوا حجة من قال بالتخطئة فإذا لم تُسقط الخطأ كيف تثبت الصواب؟
فلننظر بحجة التخطئة:
قالوا: إن (نوايا) جمع (نواة) وأنها جاءت في (إنما الأعمال بالنيات). فيُمنع قول (نوايا) في جمع (نيّة).
ولكننا لم نجد وجها لهذه التخطئة. فالنواة والنيّات من جذر لغوي واحد. لا تتعجب. فالنية التي ينتويها المرء مستقرة في عزمه وتصميمه كما تستقر النواة في التمرة. انتقال من المادي إلى المعنوي.
ومنه: نوى الشيء وانتواه: قصده واعتقده. والنيّة والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قُرب أو بُعد (مجمل اللغة 4/359-360). ومن حكم بالخطأ على الجمع نوايا لأنها جمع نواة، فعليه مآخذ نذكر منها مأخذين:
* إذا كان (نوايا) خطأ لأنه جَمْعُ (نواة) فإن كلمة (نوى) ستكون خطأ لأنها، أيضا، جمع (نواة) مثل: نوى التمر.
* فاته قول العرب: نويتُ نيّة ونواةً، أي عزمتُ. قال الشاعر:
صرمتْ أُميمةُ خُلّتي وصِلاتي .. ونَوَتْ ولمّا تنتوِي كنواتي
فالنواة تدل على نوى التمر، وها هي تدلّ على النيّة. فلمّا صحّ جمعها على نوايا، في دلالتها على نوى التمر، فلماذا يمنعون نوايا في جمع (نيّة) وها هي أمامهم؟
على أننا يجب أن نذكر أن ثمة فرقا بين نيات ونوايا بالرغم من كونهما جمعا لـ (نيّة). وكان على المجمع المذكور أو غيره أن يشير إليه. جمع النيّة له دلالة خاصة بكل جمع:
أ- النيات: ما تظهر بالعمل. تنوي أن تسافر وأن تزور صاحبا لك وأن تحسن إليه، وتنفذ نيتك، كما تنوي للصلاة مثلا. فبعض المصلين ينويها لله، وبعض آخر يؤديها نفاقا. وهكذا تكون (إنما الأعمال بالنيات).
ب- النوايا ما لا يظهر في العمل. تنوي أن تسافر وأن تزور صاحبا لك وأن تحسن إليه، ثم لا تفعل ذلك، فتبقى نوايا، إلى أن تخرج إلى التطبيق فتتحول إلى (إنما الأعمال بالنيات) وأيضا: (على نياتكم ترزقون) أي إخراج نية الخير إلى العمل فتتحول من نوايا إلى نيات.
هذا باختصار... وشكرا لمن سأل ولمن سيتواصل برأي أو حوار.
المصدر
د. هادي حسن حمودي
في الشهرين التاسع والعاشر من كل عام واجبات تؤخر التواصل مع أسئلة الأصدقاء الأعزاء. فمعذرة للتأخير. والحمد لله انتهى الكثير منها وسأبدأ بالإجابات.
أول إجابة من حق الأستاذ كريم عبد الله الذي كتب أنه قرأ تخطئة كلمة (نوايا) جمع نيّة. وقرأ قرار مجمع لغوي أجازها. وسأل عن الحقيقة.
جوابي:
أشكر لك ثقتك.
قرار المجمع المذكور صحيح، ولكن كان عليه أن يبيّن الفرق الدلالي بين (نيات) و(نوايا) فبينهما فرق دلالي لا يصحّ تجاهله في استعمال أي من اللفظتين.
كما إن تسويغ المجمع لقراره ذكّرني بقول ابن فارس:
مرّت بنا هيفاء مقدودة / تركية تنمى لتركيّ
ترنو بطرف فاتن فاتر/ كأنه حجّة نحويّ
مشكلة بعض مؤسساتنا المعنية باللغة أنها تقدم دليلا غير مقنع ثم تلصق به حقيقة لغوية، فإذا سقط الدليل ضاعت الحقيقة على عموم الناس باستثناء من انتبه لخطأ المنهج.
فالمجمع أجاز (نوايا) حملا على (طوايا) التي هي جمع (طوية) زاعما أنها ترتبط بكلمة (نيّة) في الدلالة. فليسمحوا لنا بتقديم هذه الملاحظات:
أولا: شتان بين أصل النية وتطوراتها وأصل الطوية وتطوراتها. تقول: نوى فلان السفر، ونوى أخوه صياما، ولا تقول: طوى فلان السفر وطوى أخوه صياما. وتقول: طوى فلان ثيابه طيّا وطويا وطوية، ولا تقول: نوى فلان ثيابه، نية ونويا ونويّة. والطوية لا تعني النيّة. تقول: رأيت في طوايا الكتاب كذا وكذا، فهل يصح أن تقول رأيت في نوايا الكتاب؟ وكثيرا ما نقرأ: لقد طوى قلبه على سره الخطير، ولم يُبده لأحد. فهل هذه نيّة؟
وثانيا: ذكر معجم لسان العرب كلمة (نوايا) جمع نيّة. وكان بإمكان المجمعيين الاكتفاء بهذا من غير حاجة لقياس لا حقيقة له في اللغة.
وثالثا: لم يناقشوا حجة من قال بالتخطئة فإذا لم تُسقط الخطأ كيف تثبت الصواب؟
فلننظر بحجة التخطئة:
قالوا: إن (نوايا) جمع (نواة) وأنها جاءت في (إنما الأعمال بالنيات). فيُمنع قول (نوايا) في جمع (نيّة).
ولكننا لم نجد وجها لهذه التخطئة. فالنواة والنيّات من جذر لغوي واحد. لا تتعجب. فالنية التي ينتويها المرء مستقرة في عزمه وتصميمه كما تستقر النواة في التمرة. انتقال من المادي إلى المعنوي.
ومنه: نوى الشيء وانتواه: قصده واعتقده. والنيّة والنوى: الوجه الذي ينويه المسافر من قُرب أو بُعد (مجمل اللغة 4/359-360). ومن حكم بالخطأ على الجمع نوايا لأنها جمع نواة، فعليه مآخذ نذكر منها مأخذين:
* إذا كان (نوايا) خطأ لأنه جَمْعُ (نواة) فإن كلمة (نوى) ستكون خطأ لأنها، أيضا، جمع (نواة) مثل: نوى التمر.
* فاته قول العرب: نويتُ نيّة ونواةً، أي عزمتُ. قال الشاعر:
صرمتْ أُميمةُ خُلّتي وصِلاتي .. ونَوَتْ ولمّا تنتوِي كنواتي
فالنواة تدل على نوى التمر، وها هي تدلّ على النيّة. فلمّا صحّ جمعها على نوايا، في دلالتها على نوى التمر، فلماذا يمنعون نوايا في جمع (نيّة) وها هي أمامهم؟
على أننا يجب أن نذكر أن ثمة فرقا بين نيات ونوايا بالرغم من كونهما جمعا لـ (نيّة). وكان على المجمع المذكور أو غيره أن يشير إليه. جمع النيّة له دلالة خاصة بكل جمع:
أ- النيات: ما تظهر بالعمل. تنوي أن تسافر وأن تزور صاحبا لك وأن تحسن إليه، وتنفذ نيتك، كما تنوي للصلاة مثلا. فبعض المصلين ينويها لله، وبعض آخر يؤديها نفاقا. وهكذا تكون (إنما الأعمال بالنيات).
ب- النوايا ما لا يظهر في العمل. تنوي أن تسافر وأن تزور صاحبا لك وأن تحسن إليه، ثم لا تفعل ذلك، فتبقى نوايا، إلى أن تخرج إلى التطبيق فتتحول إلى (إنما الأعمال بالنيات) وأيضا: (على نياتكم ترزقون) أي إخراج نية الخير إلى العمل فتتحول من نوايا إلى نيات.
هذا باختصار... وشكرا لمن سأل ولمن سيتواصل برأي أو حوار.
المصدر
