خمسون عامًا على اختيار اللغة العربية في الأمم المتحدة
تحديات لغة الضاد في العصر الحديث
عيد عبدالحليم
تمر هذه الأيام ذكرى اختيار اللغة العربية كأحد اللغات الرئيسية في الأمم المتحدة، ففي يوم 18 ديسمبر 1973، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات على اختيار اللغة العربية لتكون من اللغات الرئيسية في الأمم المتحدة إلى جانب اللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية. ومن يومها صار هذا اليوم هو اليوم العالمي للغة العربية.
من هنا بات الاحتفال بهذه المناسبة ضروريا، مع التأكيد على أهمية الدور الذي تقوم به (المجامع اللغوية العربية) في الارتقاء بلغة الضاد.
لعبت المجامع اللغوية العربية –منذ نشأتها- دورا مهما في عملية التعريب، من خلال إسهامات متعددة لعدد من رواد المجال البحثي اللغوي في عالمنا العربي، فقد نشطت حركة التعريب، منذ القرن الثامن عشر، “وكان هذا القرن يمثل مرحلة انتقالية مورس خلالها وضع المصطلحات العلمية الحديثة –تعريبا وترجمة، فقد بدأ العرب وفي مصر خاصة بالعناية بالعلوم التطبيقية ووضع مصطلحاتها بداية حسنة سليمة قامت على ترجمة المؤلفات والمنجزات العلمية إلى اللغة العربية كما درسوها في مدارسهم العليا بلغاتهم العربية أول الأمر، ثم توقفوا عن ذلك قبيل انتهاء القرن التاسع عشر فأصيبت اللغة العربية بنكسة ماتزال تعاني منها في معظم العلوم التطبيقيية في الجامعات والمعاهد العليا العربية.
وقد وجدنا أن لغة التعليم منذ بدايات القرن العشرين كانت العامل الأساسي في عرقلة التعريب وتبطيئها . فقد واجه العرب في القرن العشرين مشكلة توليد مصطلحات علمية وتقنية عربية لسيل المفاهيم الجديدة المتدفق على المستوى العالمي . وكانت المشكلة تتزايد بسبب عدم استخدام العربية في التعليم والتعلم لأكثر من أربعة قرون ، فضلاً عن التراجع العلمي الذي كانت تعانيه الأمة العربية وانعدام البحث العلمي وتوقف حركة الاختراع والابتكار والاكتشاف وحتى المصطلحات العلمية العربية التي كانت مستعملة بغزارة إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية كانت قد اندثرت وأصبحت في عداد المفردات العربية المهملة.
في النصف الأول من القرن العشرين كتب الدكتور محمد الخضر حسين متمنيا في كتابه “القياس في اللغة العربية”:
“كثيرا ما أتمنى أبناء اللغة العربية وعارفو فضل لغتها وحسن بيانها أن تنهض مصر بإنشاء مجمع لغوي، يقيم ما تقوض من بناء هذه اللغة، ويعيد ما ذهب من بهجتها، ويسد حاجات العلم والمدنية بما تسيغه أذواق أدبائها، ولا يخرج عن حدود فصحاتها”
وقد تحققت هذه الأمنية بعد ذلك فكان المجمع العلمي العربي بدمشق، هو أول مجمع علمي عربي فقد تم تأسيسه عام 1919م، “ويعد أقدم المعاجم العربية الرسمية تكوينا”، ثم أنشأت مصر-بعد ذلك بسنوات قليلة- وتحديدا عام 1932م، مجمع اللغة العربية بالقاهرة،” ويفهم من المحاولات الأولى لإنشاء المجمع، مدى حرص مصر على إحياء اللغة العربية، وجعلها لغة علم وحضارة، تساير التقدم العلمي والحضاري المعاصر، ومدى حرصها على أن تقود العالم العربي في ميادين العلم والحضارة والثقافة والسياسة حيث تعد نفسها أنها الأحق بزعامة الوطن العربي؛ لكونها ذات حضارة عريقة معروفة؛ لذلك كان ملكها فؤاد الأول- على ما مر يطمع في زعامة البلدان العربية والإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية؛ غير أن مطامع ملك العراق الفيصل حالت دون ذلك”.
ولم يكن إخفاق ملك مصر هذا مانعا من مواصلة المحاولات والمبادرات التي أسفرت عن نجاح، بإنشاء مجمع لغوي ذاع صيته في الشرق والغرب، وسمي في بدايته “مجمع اللغة العربية الملكي”، وظل لفترة طويلة خاضعا للقصر الملكي حتى إعلان الجمهورية مع ثورة 23 يوليو 1952. وتبعه بعد ذلك إنشاء المجمع العلمي العراقي عام 1947م، وقد ظهرت فكرة إنشاء هذا المعجم في أول العهد الفيصلي، من خلال جهود متعددة، حاولت من خلالها وزارة المعارف إنشاء مجمع يحمل اسم “لجنة الترجمة والتعريب” عام 1921، وظلت هناك محاولات حتى تم إنشاء مجمع اللغة العربية وفق أسس ونظم المجامع اللغوية العالمية. وقد قامت هذه المجامع الثلاثة بأداء مهامها في العناية الفائقة باللغة العربية والعمل على تطويرها، وتتابعت جهودها في وضع المصطلحات التي تقابل المستحدثات العصرية التي يشهدها العالم، كي تظل العربية مواكبة لركب الحضارة الإنسانية، كما قدمت هذه المجامع دراساتها وأبحاثها في تطوير اللغة العربية وإيجاد الوسائل التي تساعد على تنميتها وتيسير تعلُّمها.
وإزاء هذه المطالب فكر عدد من العلماء العرب في ضرورة إقامة تعاون بين المجامع الثلاثة لتنسيق جهودها في العمل على ترقية اللغة والمحافظة على سلامتها، مع مسايرتها للحياة.
وقد أشار إلى ذلك الدكتور إبراهيم مدكور رئيس الاتحاد الأسبق في كلمته الافتتاحية لنشرة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في خمس عشرة سنة حين قال: ترجع فكرة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية إلى العقد الرابع من القرن الماضي.
فقد دعت إليها الإدارة العامة للثقافة بالجامعة العربية في لقاء نُظِّم بدمشق، ولكنها لم توضع موضع التنفيذ إلا في أوائل العقد الثامن. وبدأ الاتحاد عام واحد وسبعين وتسع مئة وألف حياته في نشاط كان القائمون عليه يودون أن ينمو ويمتد على مر الزمن. ولكن لظروف خارجة عن إرادة المجمعيين، اعترضت سير الاتحاد في أداء مهمته، فلم يعقد في الخمس عشرة سنة الأولى إلا خمسة لقاءات تتابعت بعدها الاجتماعات بواقع اجتماع كل عام تقريبًا.
وبالفعل تم تكوين اتحاد مجامع اللغة العربية والذي تكون عند إنشائه عام 1971 برئاسة الدكتور طه حسين، في تلك الفترة من كل من مجمع اللغة العربية السوري، والمجمع العلمي العراقي، ومجمع اللغة العربية المصري، وكان أول من انضم إلى هذه المجموعة بسنوات مجمع اللغة العربية الأردني بعد تأسيسه عام1976.
وقد جاء تشكيل المجمع العربي لأول مرة من كل من الدكتور طه حسين، رئيس مجمع القاهرة رئيساً للاتحاد، والدكتور إبراهيم مدكور أميناً عاماً للاتحاد، والدكتور أحمد عبدالستار الجواري ممثلا للمجمع العراقي، والدكتور عدنان الخطيب ممثلا للمجمع السوري أمينين عامين مساعدين للاتحاد.
وقد سبق ذلك الاتحاد مجموعة من الخطوات المهمة بدأت عام 1956، فجاءت الخطوة الأولى أثناء انعقاد “مؤتمر المجامع اللغوية العلمية العربية” في دمشق خلال عام 1956 بإشراف الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، وأسفرت بحوث هذا المؤتمر ومناقشاته عن عدة توصيات مهمة تهدف إلى تحقيق النهضة اللغوية الشاملة والمرجوة، وأُدرجت هذه التوصيات.
وكان من أهم تلك التوصيات، تأسيس”اتحاد للمجامع اللغوية العلمية العربية” بحيث ينظم الاتصال بين المجامع المختلفة في الدول العربية وينسق أعمالها، ويكون “اتحاد المجامع”، المرجع الذي يوحد “المصطلحات”، التي تضعها المجامع والمؤسسات العلمية والعلماء.
ومن توصيات هذا المؤتمر أيضا، البحث عن وسائل لترقية اللغة العربية، بالإضافة إلى توصية بتشجيع التأليف والترجمة، وأخرى بضرورة “وضع المصطلحات العلمية”، وأخرى خاصة بـ”تحقيق المخطوطات”.
وفى عام 1971 تم تأسيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، إذ اقترح فيها تشكيل لجنة تتألف من عضوية كل مجمع لغوي في القاهرة وبغداد ودمشق، لوضع نظام هذا الاتحاد، واجتمعت اللجنة بالدكتور طه حسين، وتم وضع النظام الأساسي والداخلي للاتحاد، وانتخب الدكتور طه حسين رئيس مجمع القاهرة رئيساً للاتحاد، والدكتور إبراهيم مدكور أميناً عاماً للاتحاد، والدكتور أحمد عبدالستار الجواري عن مجمع بغداد، والدكتور عدنان الخطيب عن مجمع دمشق أمينين عامين مساعدين.
وقد جاء تكوين “مجامع للغة العربية لضرورة اجتماعية وحضارية مهمة، لاستعادة الهوية العربية التي فقدتها المنطقة لأكثر من خمسة قرون في ظل الاحتلال العثماني ومن بعده الاحتلالين الإنجليزي والفرنسي.
“إن تكوين هذه المؤسسات، وليد التفكير في ضرورة حل مشكلة اللغة العربية، التي كانت تعاني من الضعف والتهميش في العهد العثماني، لأن الدولة العثمانية أبعدتها عن أن تكون هي اللغة الرسمية في العالم الإ”سلامي، عندما كانت تسيطر عليها، ففرضت اللغة التركية بدلا منها، وجعلتها اللغة الرسمية المستعملة في الإدارة”.
وقد أنشئت في الوطن العربي مجموعة من الكيانات لهيئات لغوية غير رسمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ففي مصر تكون في القاهرة سنة 1892م، أول مجمع لغوي غير رسمي منسوب إلى السيد توفيق البكري 1870- م، إذ كان رئيسا له1933، ويهدف هذا المجمع إلى تنقية اللغة العربية من الشوائب التي علقت بها، غير أنه لم يستمر طويلا، إذ إن جلساته لم تتعد سبع جلسات، وضع خلالها بضعة عشر مصطلحا بدل المصطلحات الأجنبية”.
بعد ذلك ظهرت في مصر أيضا “جمعية ترقية اللغة العربية”، وكان تضم من بين أعضائها مفكرين وأدباء من مصر وسوريا، أمثال الإمام محمد عبده، وكانت تحت رعاية الأمير أحمد فؤاد الأول (1869- 1936)، والذي سيصبح بعد ذلك ملكا على مصر والسودان.
ثم كون عدد من خريجي “دار العلوم” هيئة أسموها “نادي دار العلوم” لكنها توقفت أيضا بعد وضعهم لعدد من المصطلحات.
ومن تلك الجهود أيضا تأسيس مجموعة من رجال اللغة والفكر والدين بقيادة شيخ الأزهر وقتها الشيخ سليم البشري(1867- 1917) لمجمع لغوي،” كان يتكون من ثمانية وعشرين عضوا، كان الهدف منه هو وضع معجم عربي يواكب حاجات العصر الحديث، ثم تعطل، حيث عصفت به رياح الثورة المصرية سنة 1919م، لأن الحكومة المصرية لم تقدم له السند الرسمي حتى يستمر عمل..
ومن تلك الجهود الأولى في لبنان نجد “المجمع العلمي اللبناني” وقد كان أحد المجامع اللغوية العربية التي أنشئت مبكرا، وهو ثاني المجامع بعد مجمع اللغة العربية بدمشق، فقد تأسس سنة 1928 في بيروت لكنه “لم يطل أمره حتى ألغي بعد عامين لعدم مؤازرة الحكومة له. انتخب عبد الله البستاني أول رئيس له وعقد أولى جلساته بمنزله في شهر مارس 1928، وقسّم أعضاؤه إلى أربع لجان: الادارية، واللغوية، والتاريخ والجغرافيا، والمخطوطات. ومن أعضائه المؤسسين البارزين: أمين تقي الدين، ومنير عسيران، وأغناطيوس أفرام الثاني رحماني، وعبد الرحمن سلام، ووديع عقل، وإلياس فياض، وأحمد عمر المحمصاني، وعيسى إسكندر المعلوف، وحسين مغنية، وإبراهيم المنذر.
قرّر مجلس النواب اللبناني خلال سنة 1927 إنشاء مجمع علمي عربي لغوي عصري، فأنشيء بمرسوم جمهوري صدر عن الرئيس شارل دباس في 21 فبراير 1928. وألغى بقرار صدر 13 ديسمبر 1930. يقال إنه اجتمع مرة أو مرتين”.
ولو عدنا للماضي قليلا سوف نجد أن هناك إرهاصات لتكوين مجمع علمي لغوي في لبنان يعود لنهايات النصف الأول من القرن التاسع عشر من خلال “الجمعية العلمية السورية” التي كانت أول مجمع لغوي عربي أنشئ في لبنان تحت الحكم العثماني، وقد أسسه المراسلون الأمريكان سنة 1847 في بيروت، وكان من أبرز أعضائه: ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، ونوفل نوفل، وميخائيل مشاقة. وقد بلغ عدد أعضائه خمسين عضوًا، وتولى رئاستها إلي سميث، ونشرت أعمالها وخطبها في مجموعة طبعت سنة 1852. وظل نشاط هذه الجمعية حتى سنة 1853 تجتمع مرة في الشهر على الأقل، ثم جددت سنة 1868 وترأسها محمد أمين أرسلان، وزاد عدد أعضائها إلى مئة وخمسين عضوًا، وأغلبهم من سوريا ومصر والآستانة ولم يطل عهدها. ثم أنشئت «جمعية شمس البر” في بيروت سنة 1869 فرعًا لجمعية الشبان المسيحيين، وهي أدبية خطابية، ثم أنشأ المراسلون “المجمع العلمي الشرقي” سنة 1882، وترأسه كرنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات، ونشرت أعمالها لسنتها الأولى، ثم استمرت الجمعيات العلمية والأدبية تقام في أنحاء البلاد، ولكنها ما تلبث حتى تلغي. وأبرز هذه الجمعيات: “جمعية زهرة الآداب” تأسست في بيروت سنة 1873، و«الجمعية العلمية في المدرسة الكلية» أسست في المدرسة الكلية الأمريكية سنة 1881، و«جمعية باكورة سوريا» في بيروت للنساء سنة 1881، و”الجمعية التاريخية” التي انشئت سنة 1875، والعديد من الجمعيات الخيرية التعليمية. أسس عيسى إسكندر المعلوف «جمعية النهضة العلمية» في زحله سنة 1903. وطبع نظامها وأعمالها لسبع سنوات التي أمتدت إلى ما بعد 1922. وفي سنة 1927 أسس «المجمع العلمي اللبناني» في بيروت.
وكان المشرق العربي يشكل وحدة متكاملة تقريباً في الجهود اللغوية لوضع المصطلح العلمي الحديث. إذ وجدنا تعاونا بين الأشخاص والمؤسسات وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واستقلال هذه الأقطار تماماً عن الدولة العثمانية فكانت مجلة (المقتطف) من جهة ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق من جهة ثانية ميداناً يتبارى فيه العلماء واللغويون في اظهار نشاطاتهم المصطلحية
وكان لمدارس الإرساليات الدينية دور مهم في عمليات الترجمة والتعريب في بيروت، يقول الدكتور محمد الزركان:
“تعزي طلائع النهضة الحديثة في الشام إلى مدارس الإرساليات الدينية التي أنشئت في بيروت ولبنان في القرن التاسع عشر، وإلى المدارس التي أنشأتها الجامعة الخيرية الإسلامية في دمشق وفي أنحاء الولاية أيام الوالي الشهير مدحت باشا، ثم إلى المدارس الأهلية التي فتحت أبوابها في أواخر ذلك القرن”.
وفي سوريا كانت المحاولة الأولى لخدمة العربية والارتقاء بمستواها، من خلال إنشاء الشعبة الأولى للترجمة والتأليف، التي جاء تأسيسها عام 1918، ثم تحولت هذه الشعبة إلى “ديوان المعارف” سنة 1919 ، “وكان موكولاً إليها النظر في أمور المعارف والتأليف وتأسيس دار آثار والعناية بالمكاتب ولاسيما دار الكتب الظاهرية، ثم انقلب هذا الديوان بأعضائه الثمانية ورئيسه إلى مجمع علمي في 8حزيران سنة 1919، وأخذ على نفسه النظر في إصلاح اللغة ووضع ألفاظ للمستحدثات العصرية وتنقيح الكتب وإحياء المهم مما خلفه الأسلاف منها والتنشيط على التأليف والتعريب.
“وكان هذا المجمع في بداية تكوينه يتمثل في لجنة الشعبة الأولى للترجمة والتأليف، مهمتها حل المشاكل اللغوية التي ظهرت عقب تكوين الحكومة الجديدة، وهذه المشاكل تكمن في كيفية جعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة بدلا من اللغة التركية، بما في ذلك استبدال المصطلحات التركية السائدة بمصطلحات عربية، وهو الهدف الذي من أجله أسست اللجنة، نشر الثقافة العربية بين المواطنين بدلا من الثقافة التركية”.
تحديات لغة الضاد في العصر الحديث
عيد عبدالحليم
تمر هذه الأيام ذكرى اختيار اللغة العربية كأحد اللغات الرئيسية في الأمم المتحدة، ففي يوم 18 ديسمبر 1973، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات على اختيار اللغة العربية لتكون من اللغات الرئيسية في الأمم المتحدة إلى جانب اللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية والصينية. ومن يومها صار هذا اليوم هو اليوم العالمي للغة العربية.
من هنا بات الاحتفال بهذه المناسبة ضروريا، مع التأكيد على أهمية الدور الذي تقوم به (المجامع اللغوية العربية) في الارتقاء بلغة الضاد.
لعبت المجامع اللغوية العربية –منذ نشأتها- دورا مهما في عملية التعريب، من خلال إسهامات متعددة لعدد من رواد المجال البحثي اللغوي في عالمنا العربي، فقد نشطت حركة التعريب، منذ القرن الثامن عشر، “وكان هذا القرن يمثل مرحلة انتقالية مورس خلالها وضع المصطلحات العلمية الحديثة –تعريبا وترجمة، فقد بدأ العرب وفي مصر خاصة بالعناية بالعلوم التطبيقية ووضع مصطلحاتها بداية حسنة سليمة قامت على ترجمة المؤلفات والمنجزات العلمية إلى اللغة العربية كما درسوها في مدارسهم العليا بلغاتهم العربية أول الأمر، ثم توقفوا عن ذلك قبيل انتهاء القرن التاسع عشر فأصيبت اللغة العربية بنكسة ماتزال تعاني منها في معظم العلوم التطبيقيية في الجامعات والمعاهد العليا العربية.
وقد وجدنا أن لغة التعليم منذ بدايات القرن العشرين كانت العامل الأساسي في عرقلة التعريب وتبطيئها . فقد واجه العرب في القرن العشرين مشكلة توليد مصطلحات علمية وتقنية عربية لسيل المفاهيم الجديدة المتدفق على المستوى العالمي . وكانت المشكلة تتزايد بسبب عدم استخدام العربية في التعليم والتعلم لأكثر من أربعة قرون ، فضلاً عن التراجع العلمي الذي كانت تعانيه الأمة العربية وانعدام البحث العلمي وتوقف حركة الاختراع والابتكار والاكتشاف وحتى المصطلحات العلمية العربية التي كانت مستعملة بغزارة إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية كانت قد اندثرت وأصبحت في عداد المفردات العربية المهملة.
في النصف الأول من القرن العشرين كتب الدكتور محمد الخضر حسين متمنيا في كتابه “القياس في اللغة العربية”:
“كثيرا ما أتمنى أبناء اللغة العربية وعارفو فضل لغتها وحسن بيانها أن تنهض مصر بإنشاء مجمع لغوي، يقيم ما تقوض من بناء هذه اللغة، ويعيد ما ذهب من بهجتها، ويسد حاجات العلم والمدنية بما تسيغه أذواق أدبائها، ولا يخرج عن حدود فصحاتها”
وقد تحققت هذه الأمنية بعد ذلك فكان المجمع العلمي العربي بدمشق، هو أول مجمع علمي عربي فقد تم تأسيسه عام 1919م، “ويعد أقدم المعاجم العربية الرسمية تكوينا”، ثم أنشأت مصر-بعد ذلك بسنوات قليلة- وتحديدا عام 1932م، مجمع اللغة العربية بالقاهرة،” ويفهم من المحاولات الأولى لإنشاء المجمع، مدى حرص مصر على إحياء اللغة العربية، وجعلها لغة علم وحضارة، تساير التقدم العلمي والحضاري المعاصر، ومدى حرصها على أن تقود العالم العربي في ميادين العلم والحضارة والثقافة والسياسة حيث تعد نفسها أنها الأحق بزعامة الوطن العربي؛ لكونها ذات حضارة عريقة معروفة؛ لذلك كان ملكها فؤاد الأول- على ما مر يطمع في زعامة البلدان العربية والإسلامية بعد انهيار الدولة العثمانية؛ غير أن مطامع ملك العراق الفيصل حالت دون ذلك”.
ولم يكن إخفاق ملك مصر هذا مانعا من مواصلة المحاولات والمبادرات التي أسفرت عن نجاح، بإنشاء مجمع لغوي ذاع صيته في الشرق والغرب، وسمي في بدايته “مجمع اللغة العربية الملكي”، وظل لفترة طويلة خاضعا للقصر الملكي حتى إعلان الجمهورية مع ثورة 23 يوليو 1952. وتبعه بعد ذلك إنشاء المجمع العلمي العراقي عام 1947م، وقد ظهرت فكرة إنشاء هذا المعجم في أول العهد الفيصلي، من خلال جهود متعددة، حاولت من خلالها وزارة المعارف إنشاء مجمع يحمل اسم “لجنة الترجمة والتعريب” عام 1921، وظلت هناك محاولات حتى تم إنشاء مجمع اللغة العربية وفق أسس ونظم المجامع اللغوية العالمية. وقد قامت هذه المجامع الثلاثة بأداء مهامها في العناية الفائقة باللغة العربية والعمل على تطويرها، وتتابعت جهودها في وضع المصطلحات التي تقابل المستحدثات العصرية التي يشهدها العالم، كي تظل العربية مواكبة لركب الحضارة الإنسانية، كما قدمت هذه المجامع دراساتها وأبحاثها في تطوير اللغة العربية وإيجاد الوسائل التي تساعد على تنميتها وتيسير تعلُّمها.
وإزاء هذه المطالب فكر عدد من العلماء العرب في ضرورة إقامة تعاون بين المجامع الثلاثة لتنسيق جهودها في العمل على ترقية اللغة والمحافظة على سلامتها، مع مسايرتها للحياة.
وقد أشار إلى ذلك الدكتور إبراهيم مدكور رئيس الاتحاد الأسبق في كلمته الافتتاحية لنشرة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في خمس عشرة سنة حين قال: ترجع فكرة اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية إلى العقد الرابع من القرن الماضي.
فقد دعت إليها الإدارة العامة للثقافة بالجامعة العربية في لقاء نُظِّم بدمشق، ولكنها لم توضع موضع التنفيذ إلا في أوائل العقد الثامن. وبدأ الاتحاد عام واحد وسبعين وتسع مئة وألف حياته في نشاط كان القائمون عليه يودون أن ينمو ويمتد على مر الزمن. ولكن لظروف خارجة عن إرادة المجمعيين، اعترضت سير الاتحاد في أداء مهمته، فلم يعقد في الخمس عشرة سنة الأولى إلا خمسة لقاءات تتابعت بعدها الاجتماعات بواقع اجتماع كل عام تقريبًا.
وبالفعل تم تكوين اتحاد مجامع اللغة العربية والذي تكون عند إنشائه عام 1971 برئاسة الدكتور طه حسين، في تلك الفترة من كل من مجمع اللغة العربية السوري، والمجمع العلمي العراقي، ومجمع اللغة العربية المصري، وكان أول من انضم إلى هذه المجموعة بسنوات مجمع اللغة العربية الأردني بعد تأسيسه عام1976.
وقد جاء تشكيل المجمع العربي لأول مرة من كل من الدكتور طه حسين، رئيس مجمع القاهرة رئيساً للاتحاد، والدكتور إبراهيم مدكور أميناً عاماً للاتحاد، والدكتور أحمد عبدالستار الجواري ممثلا للمجمع العراقي، والدكتور عدنان الخطيب ممثلا للمجمع السوري أمينين عامين مساعدين للاتحاد.
وقد سبق ذلك الاتحاد مجموعة من الخطوات المهمة بدأت عام 1956، فجاءت الخطوة الأولى أثناء انعقاد “مؤتمر المجامع اللغوية العلمية العربية” في دمشق خلال عام 1956 بإشراف الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، وأسفرت بحوث هذا المؤتمر ومناقشاته عن عدة توصيات مهمة تهدف إلى تحقيق النهضة اللغوية الشاملة والمرجوة، وأُدرجت هذه التوصيات.
وكان من أهم تلك التوصيات، تأسيس”اتحاد للمجامع اللغوية العلمية العربية” بحيث ينظم الاتصال بين المجامع المختلفة في الدول العربية وينسق أعمالها، ويكون “اتحاد المجامع”، المرجع الذي يوحد “المصطلحات”، التي تضعها المجامع والمؤسسات العلمية والعلماء.
ومن توصيات هذا المؤتمر أيضا، البحث عن وسائل لترقية اللغة العربية، بالإضافة إلى توصية بتشجيع التأليف والترجمة، وأخرى بضرورة “وضع المصطلحات العلمية”، وأخرى خاصة بـ”تحقيق المخطوطات”.
وفى عام 1971 تم تأسيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، إذ اقترح فيها تشكيل لجنة تتألف من عضوية كل مجمع لغوي في القاهرة وبغداد ودمشق، لوضع نظام هذا الاتحاد، واجتمعت اللجنة بالدكتور طه حسين، وتم وضع النظام الأساسي والداخلي للاتحاد، وانتخب الدكتور طه حسين رئيس مجمع القاهرة رئيساً للاتحاد، والدكتور إبراهيم مدكور أميناً عاماً للاتحاد، والدكتور أحمد عبدالستار الجواري عن مجمع بغداد، والدكتور عدنان الخطيب عن مجمع دمشق أمينين عامين مساعدين.
وقد جاء تكوين “مجامع للغة العربية لضرورة اجتماعية وحضارية مهمة، لاستعادة الهوية العربية التي فقدتها المنطقة لأكثر من خمسة قرون في ظل الاحتلال العثماني ومن بعده الاحتلالين الإنجليزي والفرنسي.
“إن تكوين هذه المؤسسات، وليد التفكير في ضرورة حل مشكلة اللغة العربية، التي كانت تعاني من الضعف والتهميش في العهد العثماني، لأن الدولة العثمانية أبعدتها عن أن تكون هي اللغة الرسمية في العالم الإ”سلامي، عندما كانت تسيطر عليها، ففرضت اللغة التركية بدلا منها، وجعلتها اللغة الرسمية المستعملة في الإدارة”.
وقد أنشئت في الوطن العربي مجموعة من الكيانات لهيئات لغوية غير رسمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ففي مصر تكون في القاهرة سنة 1892م، أول مجمع لغوي غير رسمي منسوب إلى السيد توفيق البكري 1870- م، إذ كان رئيسا له1933، ويهدف هذا المجمع إلى تنقية اللغة العربية من الشوائب التي علقت بها، غير أنه لم يستمر طويلا، إذ إن جلساته لم تتعد سبع جلسات، وضع خلالها بضعة عشر مصطلحا بدل المصطلحات الأجنبية”.
بعد ذلك ظهرت في مصر أيضا “جمعية ترقية اللغة العربية”، وكان تضم من بين أعضائها مفكرين وأدباء من مصر وسوريا، أمثال الإمام محمد عبده، وكانت تحت رعاية الأمير أحمد فؤاد الأول (1869- 1936)، والذي سيصبح بعد ذلك ملكا على مصر والسودان.
ثم كون عدد من خريجي “دار العلوم” هيئة أسموها “نادي دار العلوم” لكنها توقفت أيضا بعد وضعهم لعدد من المصطلحات.
ومن تلك الجهود أيضا تأسيس مجموعة من رجال اللغة والفكر والدين بقيادة شيخ الأزهر وقتها الشيخ سليم البشري(1867- 1917) لمجمع لغوي،” كان يتكون من ثمانية وعشرين عضوا، كان الهدف منه هو وضع معجم عربي يواكب حاجات العصر الحديث، ثم تعطل، حيث عصفت به رياح الثورة المصرية سنة 1919م، لأن الحكومة المصرية لم تقدم له السند الرسمي حتى يستمر عمل..
ومن تلك الجهود الأولى في لبنان نجد “المجمع العلمي اللبناني” وقد كان أحد المجامع اللغوية العربية التي أنشئت مبكرا، وهو ثاني المجامع بعد مجمع اللغة العربية بدمشق، فقد تأسس سنة 1928 في بيروت لكنه “لم يطل أمره حتى ألغي بعد عامين لعدم مؤازرة الحكومة له. انتخب عبد الله البستاني أول رئيس له وعقد أولى جلساته بمنزله في شهر مارس 1928، وقسّم أعضاؤه إلى أربع لجان: الادارية، واللغوية، والتاريخ والجغرافيا، والمخطوطات. ومن أعضائه المؤسسين البارزين: أمين تقي الدين، ومنير عسيران، وأغناطيوس أفرام الثاني رحماني، وعبد الرحمن سلام، ووديع عقل، وإلياس فياض، وأحمد عمر المحمصاني، وعيسى إسكندر المعلوف، وحسين مغنية، وإبراهيم المنذر.
قرّر مجلس النواب اللبناني خلال سنة 1927 إنشاء مجمع علمي عربي لغوي عصري، فأنشيء بمرسوم جمهوري صدر عن الرئيس شارل دباس في 21 فبراير 1928. وألغى بقرار صدر 13 ديسمبر 1930. يقال إنه اجتمع مرة أو مرتين”.
ولو عدنا للماضي قليلا سوف نجد أن هناك إرهاصات لتكوين مجمع علمي لغوي في لبنان يعود لنهايات النصف الأول من القرن التاسع عشر من خلال “الجمعية العلمية السورية” التي كانت أول مجمع لغوي عربي أنشئ في لبنان تحت الحكم العثماني، وقد أسسه المراسلون الأمريكان سنة 1847 في بيروت، وكان من أبرز أعضائه: ناصيف اليازجي، وبطرس البستاني، ونوفل نوفل، وميخائيل مشاقة. وقد بلغ عدد أعضائه خمسين عضوًا، وتولى رئاستها إلي سميث، ونشرت أعمالها وخطبها في مجموعة طبعت سنة 1852. وظل نشاط هذه الجمعية حتى سنة 1853 تجتمع مرة في الشهر على الأقل، ثم جددت سنة 1868 وترأسها محمد أمين أرسلان، وزاد عدد أعضائها إلى مئة وخمسين عضوًا، وأغلبهم من سوريا ومصر والآستانة ولم يطل عهدها. ثم أنشئت «جمعية شمس البر” في بيروت سنة 1869 فرعًا لجمعية الشبان المسيحيين، وهي أدبية خطابية، ثم أنشأ المراسلون “المجمع العلمي الشرقي” سنة 1882، وترأسه كرنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات، ونشرت أعمالها لسنتها الأولى، ثم استمرت الجمعيات العلمية والأدبية تقام في أنحاء البلاد، ولكنها ما تلبث حتى تلغي. وأبرز هذه الجمعيات: “جمعية زهرة الآداب” تأسست في بيروت سنة 1873، و«الجمعية العلمية في المدرسة الكلية» أسست في المدرسة الكلية الأمريكية سنة 1881، و«جمعية باكورة سوريا» في بيروت للنساء سنة 1881، و”الجمعية التاريخية” التي انشئت سنة 1875، والعديد من الجمعيات الخيرية التعليمية. أسس عيسى إسكندر المعلوف «جمعية النهضة العلمية» في زحله سنة 1903. وطبع نظامها وأعمالها لسبع سنوات التي أمتدت إلى ما بعد 1922. وفي سنة 1927 أسس «المجمع العلمي اللبناني» في بيروت.
وكان المشرق العربي يشكل وحدة متكاملة تقريباً في الجهود اللغوية لوضع المصطلح العلمي الحديث. إذ وجدنا تعاونا بين الأشخاص والمؤسسات وخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى واستقلال هذه الأقطار تماماً عن الدولة العثمانية فكانت مجلة (المقتطف) من جهة ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق من جهة ثانية ميداناً يتبارى فيه العلماء واللغويون في اظهار نشاطاتهم المصطلحية
وكان لمدارس الإرساليات الدينية دور مهم في عمليات الترجمة والتعريب في بيروت، يقول الدكتور محمد الزركان:
“تعزي طلائع النهضة الحديثة في الشام إلى مدارس الإرساليات الدينية التي أنشئت في بيروت ولبنان في القرن التاسع عشر، وإلى المدارس التي أنشأتها الجامعة الخيرية الإسلامية في دمشق وفي أنحاء الولاية أيام الوالي الشهير مدحت باشا، ثم إلى المدارس الأهلية التي فتحت أبوابها في أواخر ذلك القرن”.
وفي سوريا كانت المحاولة الأولى لخدمة العربية والارتقاء بمستواها، من خلال إنشاء الشعبة الأولى للترجمة والتأليف، التي جاء تأسيسها عام 1918، ثم تحولت هذه الشعبة إلى “ديوان المعارف” سنة 1919 ، “وكان موكولاً إليها النظر في أمور المعارف والتأليف وتأسيس دار آثار والعناية بالمكاتب ولاسيما دار الكتب الظاهرية، ثم انقلب هذا الديوان بأعضائه الثمانية ورئيسه إلى مجمع علمي في 8حزيران سنة 1919، وأخذ على نفسه النظر في إصلاح اللغة ووضع ألفاظ للمستحدثات العصرية وتنقيح الكتب وإحياء المهم مما خلفه الأسلاف منها والتنشيط على التأليف والتعريب.
“وكان هذا المجمع في بداية تكوينه يتمثل في لجنة الشعبة الأولى للترجمة والتأليف، مهمتها حل المشاكل اللغوية التي ظهرت عقب تكوين الحكومة الجديدة، وهذه المشاكل تكمن في كيفية جعل اللغة العربية لغة رسمية للدولة بدلا من اللغة التركية، بما في ذلك استبدال المصطلحات التركية السائدة بمصطلحات عربية، وهو الهدف الذي من أجله أسست اللجنة، نشر الثقافة العربية بين المواطنين بدلا من الثقافة التركية”.

تعليق