العربية لغة الشعر والفنون «3»

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    العربية لغة الشعر والفنون «3»

    العربية لغة الشعر والفنون «3»







    أحمد عبدالمعطي حجازي





    فى مقالة الأربعاء الماضي حدثتكم عن الشعر والموسيقى ضمن احتفالنا مع منظمة اليونسكو «باليوم العالمى للغة العربية لغة الشعر والفنون» واليوم أحدثكم عن الشعر والصورة، لأن الشعر لغة، واللغة أصوات، أى أنغام وإيقاعات، لكنها أيضا أفكار وصور تعد أصلا آخر إلى جانب الإيقاعات والأوزان، ففى اللحظة التى نخلص فيها لذواتنا ونتحد بالطبيعة والكون، وهى اللحظة الشعرية ـ فى هذه اللحظة الحميمة التى نرى فيها الواقع صورا متخيلة مثيرة بمفردات تربط بينها العلاقات التى تربط بين عناصر الصورة ينكشف لنا المعنى بألوانه وألحانه ونتجاوز الواقع لندخل فى دنيا الشعر باللغة التى تستطيع أن تحملنا إليها، وهى لغة المجاز التى تؤدى فيها الاستعارة دورها الخلاق فى رسم الصورة الشعرية بأبعادها وألوانها وروائحها.

    >>>

    والاستعارة هى محور الشعر عند أرسطو، وهى العبارة المركبة من طرفين يستمد أحدهما معناه أو يستعيره من الطرف الآخر، فهى صورة من صور التشبيه تستخدم فى الشعر والنثر لتزيد المعنى إيضاحا، لكنها تختلف عن التشبيه فى أنها تضع المشبه به فى مكان المشبه، وتكتفى بذلك فى توضيح المعنى وتجسيده.

    حين يقول عبدالله بن المقفع عن رجل لامروءة له وإن كان واسع الثراء إنه «كالكلب يهون على الناس وإن عسّ وطوّف» يشبه فيذكر طرفى التشبيه وأداته. أما المتنبى فيعبر عن المعنى ذاته فى القصيدة التى هجا بها ضبة بن يزيد فيقول:ـ

    ما أنصف القوم ضُبة

    وأمه الطرطرَّبه

    ...

    وما يشق على الكلب

    أن يكون ابن كلبه!

    ونحن نرى أن التشبيه هنا استعمل فى النثر الذى يراد فيه أن يكون كلاما معقولا، أما الاستعارة فكانت لغة الشعر الذى لايكتفى بالمعنى الذى يدل عليه اللفظ كما هو فى المعجم، وفى لغة الاتصال، وإنما يضيف إليه ويستعير له مايزيده إيضاحا وقدرة على التأثير من الألفاظ الأخرى، وهكذا نقرأ النثر فنستحسن ونقتنع، لكننا نقرأ الشعر لنستمتع ونتصور وننفعل.

    النثر إذن يطلب فيه الحق، أما فى الشعر فنحن نطلب الجمال وهما لايتعارضان، فالجمال لايتحقق بالباطل وإنما هو حق كشف عن جماله المكنون، كما أن الحق لايكون مع القبح، وإلا فقد قدرته على الإقناع الذى يسعى له ويتجمل به، ولما كان الجمال هو الغاية التى يطلبها الشعر فى الواقع وفيما وراء الواقع كان المجاز هو لغته، وكانت الاستعارة خاصة هى وسيلته، لأننا نجتاز بها حدود الواقع الملموس إلى واقع آخر نعيشه بجميع حواسنا ونغنيه وننفعل بصوره وألحانه وألوانه.

    >>>

    لكن لغة الشعر لاتتحقق بالاستعارة وحدها، وإنما تتحقق بكل ما فى اللغة من طاقات صوتية ومعنوية تتحقق بالسياق وبالتأثير المتبادل بين كل العناصر التى يستخدمها الشاعر فى قصيدته حين يقول عمر الخيام أو بالأحرى أحمد رامى فى ترجمته للرباعيات:

    وكم توالى الليل بعدالنهار

    وطال بالأنجم هذا المدار

    فامش الهوينى إن هذا الثرى

    من أعين ساحرة الاحورار

    تتفاعل الصور والأصوات فنرى العالم كله فى هذين البيتين:

    الأرض، والسماء، والليل، والنهار، والحياة، والموت، والكأس، والوتر، ونحن نمشى، لكن علينا ألا نستعجل، لأن الأيام تمر، والنجوم تدور، والثرى الذى تنام فيه العيون السواحر قادم إلينا فى الطريق ومنتظر، وإذا كانت الصورة خطوطا وسمات وملامح فهى أيضا ألوان، والألوان ليست مجرد أسماء وإنما هى أيضا معان وأفكار وخواطر.

    ونحن نعرف معنى البياض، والسواد، والخضرة، والحمرة، ونحن نتحدث أحيانا عن أفكار سوداء، وعن ضحكة صفراء، وعن حياة وردية، والكندى يحدثنا عن مزاجات الألوان فيقول: «إذا قرنت الحمرة بالصفرة تحركت القوة العِزِّية، وإذا قرن الوردى بالأصفر والأسود تحركت القوة السرورية واللذة معا»، واللون يخاطب أبصارنا وأفئدتنا معا، حين نقرأ أبيات عنترة:

    فيها اثنتان وأربعون حلوبة

    سودا كخافية الغراب الأسحم

    ولقد شربت من المدامة بعدما

    ركد الهواجر بالمشوف المعلم

    بزجاجة صفراء ذات أسرَّة

    قرنت بأزهر فى الشمال مفدَّم

    وكما أن بعض الموسيقيين نظموا الشعر كما لحنوه، فبعض الفنانين التشكيليين رسموا الشعر ونظموه، ومن هؤلاء جبران خليل جبران الذى درس النحت فى باريس، ومنهم الرسام الروسى كاندنسكى الذى كتب أشعارا تجريدية يحاكى فيها صوره التجريدية، ومنهم الرسام الفرنسى جوجان الذى كان يقرأ الشعر ويستلهمه فى بعض لوحاته، كما فعل مع بعض قصائد الشاعر الأمريكى إدجار آلان بو. ولاننسى كتاب الشاعر الألمانى جوته «مقالة فى الألوان» وفيه يتحدث عن الألوان فى حياة الإنسان وعن علاقة النور بالظل. أما صلاح جاهين فقد جمع على نحو بديع بين الشعر الذى كان يكتبه باللهجة المصرية الراقية وبين فن الكاريكاتير.

    ولا أجد فى ختام هذا الحديث عبارة توضح ما قلت وتكشف عن جوهره أفضل مما قاله أستاذ الفلسفة الدكتور سعيد توفيق عن «اللغة والتفكير الشعرى عند هيدجر» قال: حيث إن ماهية الشعر تتحقق فى الفنون جميعها، وحيث إن اللغة فى ماهيتها هى ممارسة للتفكير الشعرى، فإن الشعر الذى يتخذ اللغة وسيطا (فن القصيد) يتمتع بضرب من الأولية على سائر الفنون الأخرى.

    ومن هنا يقول هيدجر «إن فن القصيد يحدث فى اللغة، لأن اللغة تحفظ الطبيعة الأصلية للشعر».




    المصدر
يعمل...