#شيء_من_اللغة: الرجاء أمنية مَرْجُوّة لكنْ مُرْجأة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    #شيء_من_اللغة: الرجاء أمنية مَرْجُوّة لكنْ مُرْجأة

    #شيء_من_اللغة:

    الرجاء أمنية مَرْجُوّة لكنْ مُرْجأة







    د. هادي حسن حمّودي





    إلى متى تستمر سياط الجهل اللغوي بجلد الألسنة الفصيحة، والاستعمالات اللغوية الصحيحة؟

    تبادر إلى ذهني هذا التساؤل بعد أن كتب لي صديق عزيز أنه تابع مقابلة متلفزة قال فيها ضيفها:

    (إن قولك: أتمنى لك السعادة معناها: الله لا يسعدك) وأضاف القائل: (إن التمني في المستحيل والرجاء في الممكن) مستشهدا بآية (وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) وآية: (ليس بأمانيّكم). وبعدها عرّج على:: لعل وليت وعسى.

    وطلب صاحبي رأيا.

    جوابي:

    1- ما كان لي أن أتعرض لهذه المزاعم لولا أن القائل ألصقها بلغة القرآن الكريم.

    2- ولمّا كنت قد نشرت حلقة عن كل من (الأمنية) و(الأمل) و(الرجاء) تتبعت في كل منها نشأة اللفظ ودلالته وتطوراته، سأكتفي بأن أقول:

    3- ذكر المتحدث مثالا حديثا يقوله الناس: أتمنى لك السعادة، وقال: إن المعنى: الله لا يسعدك. فأهديه هذا المثال: لقد تمنيت لك النجاح، فالحمد لله تحققت تلك الأمنية. أين هو المستحيل؟

    4- وأنقله إلى نصوص من التراث:
    أين هو المستحيل في قول شاعر من بني الحارث مما ورد في شرح المرزوقي للحماسة (نسب في اللوحة المرفقة لابن ميادة ولم يذكر في ديوانه):
    منىً إن تكن حقاً تكن أحسن المنى / وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا
    ألم يجعل الشاعر المُنَى في الممكن لا في المستحيل؟
    وأين المستحيل في قول الشاعر علي بن مقرب:
    إنما تدرك غايات المنى / بمسير أو طعان وجلاد
    حيث حكم بإمكان إدراك المنى والأماني والأمنيات ببذل الجهد والسعي؟
    وهذا أبو العلاء المعري يقرر أن الأماني تحققت وانتهت، ولكن الحزن لا يَفنى:
    عللاني فإن بيض الأماني / فنيت والظلام ليس بفاني
    ومحمد الأبيوردي يقول:
    ومن نكد الأيام أن يبلغ المنى / أخو اللؤم فيها والكريم يخيب
    فمن قومه لئام حققوا أمانيهم، وخاب كرامهم.

    5- فالتمني يكون في المستحيل ويكون في الممكن.

    6- وكذلك ((الرجاء)) يكون في المستحيل كما يكون في الممكن: قال شاعر الحماسة عمرو الباهلي:

    شط المزار بجدوى وانتهى الأمل / فلا خيال ولا عهد ولا طلل
    إلا رجاء فما ندري أندركه / أم يستمر فيأتي دونه الأجل

    7- فالمُنَى جمع المُنيَة، لا توضع في قفص المستحل. وإن هي إلا ما يتمناه المرء. حسب قول الخليل. فالأُمنية أُفعولة وربّما طرحت الألف، فقيل مُنْيَة، وجمعها مُنى.

    8- أما ما قيل من أن المنى تعني القراءة والشاهد الشعري المروي، فقد أختُلق هذا المعنى لتفسيرٍ مُفْتَعَلٍ يسوّغ أسطورة (الغرانيق العلا) التي رفضها كثير من السابقين، وفندناها بأدلة قطعية في (موسوعة معاني القرآن الكريم حسب تسلسل النزول).

    9- أما الرجاء فهو نقيض اليأس. رجا يرجو رجاء. والرجْوُ المبالاة. ما أرجو: ما أبالي. وفسروا به الآية (مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) أي: لا تخافون ولا تبالون. لكننا نرى معناها: ما لكم لا تتواضعون أمام عظمة الله؟ ففي الرجاء تواضع غير منكور.

    10- ومن ناحية أخرى، يجب الانتباه إلى العلاقة بين الرجاء والإرجاء أي التأجيل وكلاهما من الجذر (رج + و/أ).

    11- ولا يتميز الرجاء عن الأمنية إلا بأن فيه تواضعا من الراجي إلى المرجو منه.

    12- وبضمّ هذه الحلقة إلى الحلقات السابقة عن المنى والأمل والرجاء نصل إلى حقيقة أن الرجاء: أمنية مرجوّة لكنْ مُرجأة، أي: مؤجلة.

    13- أما آية (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) فمن الواضح أنها تقصد أن الجنة لا تُنال بالتمنيات ذلك أن كل امرئ ينال جزاء عمله لا جزاء تمنياته. فهذا النوع من التمنيات لن يتحقق حتى لو صيغ بأسلوب الرجاء أو الأمل أو الدعاء أو بأي صيغة أخرى.

    14- أمّا عسى ولعل وليت وما شابهها فلينظر اختلاف النحويين والمفسرين بشأنها.
    (للتوسع انظر: التنمية اللغوية، في التداوليات والخطاب، مقاربات تطبيقية) نيبزر 2020م.).






    المصدر
يعمل...