#شيء_من_اللغة: (لمّا) و(لمّا أنْ) هل من فَرْق؟

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    #شيء_من_اللغة: (لمّا) و(لمّا أنْ) هل من فَرْق؟

    #شيء_من_اللغة:

    (لمّا) و(لمّا أنْ) هل من فَرْق؟







    د. هادي حسن حمّودي





    سؤال من الأستاذ محمد بو زيد الغامدي الأزدي من الجزائر خلاصته:

    ما اللمسة البيانية في ذكر (أن) مع (لمّا) في آيات وعدم ذكرها معها في آيات أخرى؟
    الجواب:
    نبدأ بآيتين متشابهتين جدا باستثناء ورود (أنْ) في إحداهما وعدم ورودها في الأخرى:
    * (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)(سورة هود 77).
    * (وَلَمَّا / أَنْ / جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)(سورة العنكبوت 33).

    أجمع القدماء على القول بأنّ إثبات لفظة (أنْ) بعد (لمّا) وحذفها بمعنى واحد، وأن العرب تدخلها في (لمّا) و(حتّى) أحيانا وتسقطها أحيانا.

    ووصفوها بأنها (صلة) ولا موضع لها في تلك الآيات ومنها الآيتان المذكورتان.

    وذهب مفسرون إلى أنّ (أنْ) في الآية (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) (يوسف 96) مزيدة للتأكيد.

    ولم يذكر أيّ منهم برهانا ودليلا على ما ذهب إليه، وإنما هي أقوال قيلت ومضى قائلوها وتابعهم المتابعون.

    ونلاحظ في تلك الأقوال أمورا، منها:

    • ليس في القرآن كلمة زائدة، فكل كلمة من كلماته موظفة بدقة لأداء جملة أغراض.
    • قولهم: إنّ (أنْ) تفيد التأكيد، يلغي تقريرهم بأنها زائدة. ذلك أنها إذا جاءت للتأكيد فلها وظيفة في الجملة فلا يمكن عدّها زائدة.

    وإذا لم تذكر في نصّ من نصوص (لمّا) فلا يعني أنها محذوفة ولا أنها مقدّرة. فشأنها شأن ما قلناه في بيت جرير: (تمرون الديار). فاللفظ إن ذكر في القرآن فله وظائف متعددة، منها الوظيفة البيانية. فلا زيادة ولا نقصان خاصّة في لغة التنزيل العزيز.

    وقد قيل إنّ (أنْ) زيدت لتأكيد الكرامة التي حدثت ليعقوب (فَارْتَدَّ بَصِيرًا) لأنها خارقة للعادة. لذلك لم يؤتَ بـ (أن) في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد.

    غير أنّ هذا القول ليس دقيقا، فهو مردود بآيات أخرى منها ما جاء في قصة خلق آدم وسجود الملائكة له: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(سورة البقرة 33). فلم ترد (أن) مع (لمّا) على الرغم من أنّ خلق آدم ببصره وسمعه وسائر حاساته وبث الروح فيه وتعليمه ما لم تعلمه الملائكة أمر خارق للعادة جدا، أكثر من حالة يعقوب!

    وللوصول إلى رأي سديد مستوحى من تركيب الآيات: التي بـ(أنْ) والتي من غير (أنْ) ننظر في: (أنْ) و(لَمّا) أيضا ففيهما جلاء المعنى والدلالة.

    • (أنْ): همزة ونون، اجتهد القدماء في تصنيفها حسب ما تراءى لهم، ولذا وقع بعضهم في خلل فهم النص. ومن أمثلة ذلك قولهم في الآية (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ)(سورة المؤمنون 27) إنّ (أنْ) (تفسيرية لا محل لها من الإعراب، والمراد: أي اصنع الفُلك). القرآن يقول (أنْ) وهم يقولون (أي).

    ولا دليل على تغيير (أنْ) إلى (أي) التي لا محل لها من الإعراب. لأن (أنْ) مع الفعل مؤولة بالمصدر (وأوحينا إليه صناعة الفُلك). وما ضير دخولها على فعل الأمر مع التخلص من استبدال (أي) بها؟
    فهي (أن) في كل المواضع المشابهة كما في سياق لولا فقد تُذكر كما في: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)(سورة الأعراف 43). وقد لا تُذكر كما في: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (سورة الفرقان 7).

    • (لمّا): ذكر النحويون لها عددا من المعاني، ما بين حرف جزم: (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ)(سورة ص 8)، وظرف زمان بمعنى (حين) (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (سورة هود 66). (تنبيه: الميم من (يَوْمِئِذٍ) مكسورة للإضافة، في موضعين فقط في كل القرآن، والآخر في الآية 11 من سورة المعارج).

    ** خاتمة: إن كانت (لمّا) جازمة فلا تأتي (أن) معها لأنها لا تلائم (الشّدّة) الملحوظة في الجزم الوارد في الآية. وإن لم تكن جازمة فقد تأتي (أنْ) معها بانفساح سعة الكلام تقليلا لمعنى الشدّة الذي يتضمنه الجزم في (لمّا) وأمثالها فإن لم ترد (أن) في هذا السياق فإن الدلالة تأخذ من شدّة الجزم نصيبا أكبر. ففي آية سورة العنكبوت انفراجة غير ملحوظة في آية سورة هود. وتتمثل تلك الانفراجة بالبشرى التي حملتها الآية (وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ).

    هذه هي الوظيفة اللغوية (واللمسة البيانية) لـ(أنْ) متمظهرة في أسلوب (لمّا) وأشباهها.

    أما وظيفتها النحوية فهي حرف مصدري. شأنها شأن (كي) و(ما) وغيرهما.

    (للتوسع: مناهج البحوث اللغوية/ دار الوطن/ الرباط. والهيكلية النصيّة، نيبور).






    المصدر
يعمل...