حديث المنازل والديار

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو نشيط
    • Apr 2013
    • 311

    #1

    حديث المنازل والديار

    حديث المنازل والديار

    بلاد العرب كبيرة وجميلة. وربما كتب لبعضنا أن يزور بعضها، أو أكثرها، أو كلها. وربما علقت بالذاكرة في أثناء الزيارات الكثيرة مواقف جميلة وطريفة، لا بأس من روايتها بهدف تعريف بعضنا بعضا بالوطن وقيمه الأصيلة، وذلك لتحبيب الوطن إلى أهله وتحبيب أهله إليه، أو لمجرد الإمتاع والمؤانسة.

    شأنشر هنا بعضا مما تختزنه ذاكرتي من مواقف طريفة كانت في أثناء الحل والترحال.

    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 12-24-2013, 09:19 PM.
    أ. د. عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org
  • عبدالرحمن السليمان
    عضو نشيط
    • Apr 2013
    • 311

    #2
    فقراء ..
    المغرب - 1994

    كنت أستريح من عناء سفر طويل في مدينة السعيدية الشاطئية الواقعة في شمال شرقي المغرب، بإزاء الحدود الجزائرية. وذات صباح نهضت مبكراً وأخذتُ "أَتَقَهْونُ" [1] في حديقة المنزل الذي كنت اكتريته فيها، المطلة على الشارع، فإذا بي أسمع أصواتاً غاية في الحسن، تنشد أناشيد دينية محببة إلى القلوب .. وما إن اقترب الصوت حتى بدا أصحابه، وكانوا خمسة رجال معتمّين بعمائم زهرية اللون مطرزة .. وكان بيد أحدهم راية عجيبة الهيئة والألوان. فلحظوني واقتربوا مني وعرّفوني بنفسهم على أنهم "فقراء إلى الله" من أتباع إحدى الطرق الصوفية، وأن عندهم بعيد أيام حضرة عظيمة بمناسبة التئام شمل "الفقراء" العائدين من ديار الهجرة إلى أرض الوطن في إجازة الصيف، ودعوني لحضور تلك الحضرة التي ستنعقد في محيط مدينة بركان قرب السعيدية ..

    فذهبت إلى الحضرة، وكان هنالك أكثر من ثلاثمائة "فقير"، اجتمعوا في صالة دار كبيرة جدا، مزخرفة بالزِّلِّيج المغربي [2]، بعضهم من "فقراء" المنطقة، وبعضهم من "فقراء" إسبانيا وفرنسا وألمانيا وهولندة وبلجيكا .. اجتمعوا حول شيخ الطريقة "مولاي سعيد"، الذي أتى متأخراً بعض الشيء راكباً "سفينة نوح" .. و"سفينة نوح" هذه هي سيارة مرسيدس 500، من نوع "الشبح"، كان "الفقراء" المهاجرون إلى أوروبا قد أهدوها إلى الشيخ الصيف الماضي ..

    بدأ الحديث بالتعارف، فقدم كل واحد نفسه، فعرفت بنفسي على أني "فقير سوري" يسوح في بلاد المغرب .. فاعتنت الجماعة بي أيما اعتناء، وقرَّبني الشيخ منه، وسألني أسئلة كثيرة عن أحوال "الفقراء" في بلاد الشام، فأجبته بما أعرف من أحوالهم، وخلصت إلى أنه شخص متطور جداً، بل داهية!

    وبينما نحن في الحديث، دعيت الجماعة إلى الطعام: حوالي مائة دجاجة مشوية مزينة بالزيتون والزبيب، فهجم الفقراء عليها هجوماً، فأحالوها في لحظات إلى عظيمات رُفِعَت ليُقدم مكانها حوالي عشرين خروفاً حَولياً مشوياً. [3] فعاود "الفقراء" الكرة؛ وما هي إلا لحظات حتى أحالوا الخرفان فيها إلى هياكل عظمية! وربما جفَّ مورد الكلأ في موضع "فقير" ما، فظعن إلى موضع آخر بعدما دعاه إليه أحدهم بقوله: "اِجْبِدْ مِ هْنا"! [4]

    وبعد "الزَّرْدَة" الدسمة [5]، بدأت الحضرة! فاصطف الفقراء وبدأ الشَّطْح. [6] وربما "أخذ الحالُ" بعضهم بمجرد رؤيتهم الشيخ يميل .. وربما استغرق الأمر بالنسبة إلى بعضهم الآخر ساعة أو أكثر قبل أن بلوغ درجات التَّشَوُّف فالفناء .. ودامت الحضرة حوالي ساعتين، برع فيها "فقير" يرتدي لباساً أسود وعمامة سوداء، فأتى بالعجب أثناء "وَجْدِه" .. ثم أعلن الشيخ نهاية الحضرة، وما إن جلسنا حتى أنزلت خرفان مشوية أخرى .. فقلت لذي اللباس الأسود والعمامة السوداء، وقد جلست إلى جانبه لغاية في نفسي، "أيش هذا الفقر يا أخا الفقر"؟! فأعلمني أن فقراءَ كانوا تأخروا في المجيء، وصلوا لتوهم، وأنه لا بد من إطعامهم ..

    ثم تحدثت مع ذي اللباس الأسود، وكان شكله الغريب قد أثار فضولي، فعلمت أنه من نواحي الناضور، وأنه من أشهر "الفقراء" في المنطقة، الذين وهبهم الله "أَيدٍ شافية" من كل الأمراض المعروفة والمجهولة، الكائنة والتي لم تكن .. وذكر لي نماذج من شفائه العجيب، وختم بقوله: "إذا شئت أن أنقل لك الكعبة الشريفة إلى هنا، فعلت"!

    غادرت الجماعة عائداً إلى السعيدية وأنا أتعجب من صنيع هؤلاء "الفقراء". وعادت بي الذاكرة كثيراً إلى الوراء، إلى رمضان المعظم سنة 1975، وهي السنة التي كنت فيها ابن ثلاث عشرة سنة. تعرفت وقتها على الصوفية في مدينة حماة وسط سورية، ورافقتهم إلى مدينة حلب شمالي سورية، حيث قضيت بمعيتهم الشهر الفضيل في أحد مساجدها درساً واعتكافاً. لم يكن أهل حلب وقتها يختلفون في عادت الكرم عن أهل المغرب، فكانوا يملؤون ساحات المسجد بالطيبات من الأطعمة والمشروبات قبيل الإفطار ـ على عادة أهل الشام في رمضان المعظم. ولكن "أهل الله"، الذين خرجت معهم، ما كانوا يطعمون إلا وجبتهم الوحيدة التي يعرفونها، والتي كنا نحضّرها كل يوم: باذنجان وطماطم وبصل وزيت! كانوا زاهدين في الدنيا وما عليها، وكانوا يدخرون الطيبات لدار البقاء، في اجتهاد لهم على مذاهب أهل الزهد .. وكنا، نحن المريدون، نشتهي ما نرى من طيبات حضرتها نساءُ حلب المشهورات بفن الطبخ ـ ونفسُ الصائم تشتهي كما يقال ـ ولكنا كنا نستحيي ونمسك ونحن نرى الشيوخ يمسكون عن اللحم وغيره من لذيذ الطعام ..

    ولكني لا أظن أن جميع متصوفة المغرب مثل "فقراء مولاي سعيد"، وأن جميع متصوفة الشام مثل "أحباب الله" الذين وصفتهم، بل أعتقد أن أكثرهم على مذهب "الفقراء" الذين رأيتهم في المغرب، أكلاً ورقصاً، وإلا لما كان أبو العلاء المعري قال فيهم:

    أرى جِيلَ التَّصَوُّف شَرَّ جيل ----- فَقُـل لهـم وأَهْوِن بِالحُلـول
    أَقالَ الله حيـنَ عَشِقْتُمـوه ----- كُلُوا أَكلَ البَهائِم وَارْقُصُوا لي!

    وكان أبو العلاء من معرة النعمان. ومعرة النعمان بلدة تقع بين حماة وحلب ..

    ــــــــ

    شرح الكلمات المغربية:

    [1] تَقَهْونَ: تناولَ القهوة.
    [2] الزِّلِّيج: البِلاط.
    [3] الحَوْلي: الخروف الذي دار عليه الحَوْل، أي الذي تجاوز عمره العام. ويسميه أهل تونس: عَلُّوش! (وعَلُّوش في بلاد الشام: اسم الدلع لكل شخص اسمه "عَلي")!
    [4] اِجْبِدْ: فعل أمر من "جَبَذَ"، ويعني في الدارجة المغربية: "أخذَ، سَحَبَ، جذبَ إليه، أعملَ يدَه في الشيء"، وهو فعل فصيح لا يزال يستعمل في اللهجة المغربية دون سواها من اللهجات العربية فيما أظن.
    [5] الزَّرْدَة: كناية عن الوليمة العامة التي تدعى الجماعة إليها.
    [6] شَطَحَ: رَقَصَ.
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 12-23-2013, 03:23 AM.
    أ. د. عبدالرحمن السليمان
    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    www.atinternational.org

    تعليق

    • الدااني
      عضو جديد
      • Dec 2013
      • 34

      #3
      حديث المنازل والديار
      سارعت للدخول وفرحت بالموضوع , تصورت شيء سيخرجني من ظلمة وسواد هذه الأيام العصيبة التي نحياها
      وإذا بالقصة تزيدني بؤسا واحباطا , أظهرتم جانب آخر من المظاهر الهزيمة الموجعة في الأمة والله المستعان
      الفكرة جميلة ولكن هلا استفتحتم بشيء يثلج الصدر , عندنا أشياء تسعد وتبعث فينا التفائل
      جزاكم الله خيرا وسامحونا القلب مكلوم

      تعليق

      • أ.د عبد الرحمن بو درع
        نائب رئيس المجمع
        • Mar 2012
        • 806

        #4
        لكل بلد مساوئه و مذمّاتُه وليس المغرب فقَط، ونسأل الله أن يوفّقَنا لنرتفعَ بالأمّة
        من سفاسف أمورِها إلى المَعالي حتّى يرضى عنها ربُّها عزّ و جلّ

        تعليق

        • عبدالرحمن السليمان
          عضو نشيط
          • Apr 2013
          • 311

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة الدااني
          حديث المنازل والديار
          سارعت للدخول وفرحت بالموضوع , تصورت شيء سيخرجني من ظلمة وسواد هذه الأيام العصيبة التي نحياها
          وإذا بالقصة تزيدني بؤسا واحباطا , أظهرتم جانب آخر من المظاهر الهزيمة الموجعة في الأمة والله المستعان
          الفكرة جميلة ولكن هلا استفتحتم بشيء يثلج الصدر , عندنا أشياء تسعد وتبعث فينا التفائل
          جزاكم الله خيرا وسامحونا القلب مكلوم


          أهلا بك أخي الكريم،

          كنت ظننت أن حديث الفقراء - وهو قديم - ماتع ومسر .. وليس لدي اليوم حديث يسر ويثلج الصدر، ولله الحمد أولا وأخيرا، فـ (القلب من الجُور مَنْجُور) كما يقول المثل!

          خفف الله عنا وعنكم.

          تحياتي الطيبة.
          التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 02-08-2014, 10:29 PM.
          أ. د. عبدالرحمن السليمان
          الجمعية الدولية لمترجمي العربية
          www.atinternational.org

          تعليق

          • عبدالرحمن السليمان
            عضو نشيط
            • Apr 2013
            • 311

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع
            لكل بلد مساوئه و مذمّاتُه وليس المغرب فقَط،
            ما هذا أردت أخي العزيز الأستاذ عبدالرحمن بودرع، أي أني لا أرى في صنيع هؤلاء الفقراء شيئا يذم (ما عدا صاحب اللباس الأسود وظاهرته موجودة في كل بلاد المسلمين)، بل هم أناس متدينون تدينا فطريا حالت الأمية عند أكثرهم بينهم وبين التفقه في الدين.

            ولا فرق بين من وصفت وبين أكثرية صوفية مصر والشام في الأكل والشطح والزندقة في الاعتقاد، بل وجدتهم كشقي الأبلمة ولا فرق. ولا أدري ما هو سر العلاقة بين التصوف والأكل وما هو سبب ولع أكثر الصوفية بالطعام وهذا مجاف لاعتقاد مشايخهم الكبار في الزهد ..

            تحياتي الطيبة من طنجة!
            أ. د. عبدالرحمن السليمان
            الجمعية الدولية لمترجمي العربية
            www.atinternational.org

            تعليق

            • الدااني
              عضو جديد
              • Dec 2013
              • 34

              #7
              طيب الله مسعاكم

              تعليق

              • أ.د عبد الرحمن بو درع
                نائب رئيس المجمع
                • Mar 2012
                • 806

                #8
                أهلا وسهلا ومرحبا دكتور عبد الرحمن السليمان /
                و مرحبا بك في بلدك الثاني المغرب، ونرجو أن تزورَنا في تطوان، فنسعد بلقائك

                تعليق

                • عبدالرحمن السليمان
                  عضو نشيط
                  • Apr 2013
                  • 311

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة أ.د عبد الرحمن بو درع
                  أهلا وسهلا ومرحبا دكتور عبد الرحمن السليمان /
                  و مرحبا بك في بلدك الثاني المغرب، ونرجو أن تزورَنا في تطوان، فنسعد بلقائك

                  حياك الله أجمل تحية أخي العزيز الدكتور عبد الرحمن بو درع، وشكر لك طيب كلامك.

                  نعم المغرب بلدي الثاني، ولي في ربوع طنجة دويرة آنس إليها كلما اشتدت علي وطأة الاغتراب الذي دخل عقده الرابع. ولقد حال ضغط العمل في هذه الزيارة وكثرة الالتزامات مع الزملاء وطلاب سلك الدكتوراه دون التمكن من زيارة تطوان والتشرف بلقياكم فيها. وعسى أن يكتب الله لنا لقاءكم في شهر نيسان/أبريل المقبل، حيث سأقضي قرابة أسبوعين في مدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة إن شاء الله.

                  آتسكم الله.
                  أ. د. عبدالرحمن السليمان
                  الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                  www.atinternational.org

                  تعليق

                  • عبدالرحمن السليمان
                    عضو نشيط
                    • Apr 2013
                    • 311

                    #10
                    حارس بيت الله الحرام

                    في عمرة كتبها الله لي سنة 2011، اصطحبت معي آلة التصوير الخاصة بي إلى الحرم الشريف لأصور الكعبة الشريفة، فمنعني حارس الباب من إدخالها معي ..

                    فقلت له: "الناس يلتقطون صورا للكعبة الشريفة على مدار الثانية، وهو ما جعلني أصطحب آلة التصوير معي".

                    فقال لي: "نعم، ولكنهم يصورون بالجوالات الصغيرة، وليس بالكاميرات الكبيرة شروى هذه"!

                    فقلت له: "إن النتيجة، يا أخا العرب، واحدة. لقد تعددت الآلات والصورة واحدة"!

                    فما أبه لي ولا لفذلكتي. فحاولت معه كثيرا فما غيّر ولا بدّل. ثم حاولت الدخول من باب آخر فالفيت الحارس الآخر أشدَّ عليّ من الأول! ثم سوّلت لي نفسي الأمّارة أن أهرّب آلة التصوير إلى الحرم تهريبا، فتذكرت أن الغش في البلد الآمن لا يجوز .. فلعنت إبليس الرجيم، ثم أعدت آلة التصوير إلى الفندق، وأرحت نفسي من تبعات الشبهة، وعدت وأنا أتعجب في مبدئية الحارسين، ومن التزامهما الدقيق بتنفيذ الأوامر، وتطبيق القانون، وعدم مساومتهما في ذلك .. فجعلت أتساءل: لم يكون ذلك فقط في الحرم، ولا يكون في سائر المدن والبلاد، وفي سائر المجالات؟!
                    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 04-11-2014, 09:28 PM.
                    أ. د. عبدالرحمن السليمان
                    الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                    www.atinternational.org

                    تعليق

                    • عبدالرحمن السليمان
                      عضو نشيط
                      • Apr 2013
                      • 311

                      #11

                      مَرْمَرْ زَمانِي .. يا زَمانِي مَرْمَرْ!

                      بينما كنت أسوح سنة 2000 مع صاحبي في جبال أميرداغ (1) في تركيا، مررنا بسوق شعبية فيها من خضروات الأرض ما لم يطعمه صديقي منذ عقد ونصف، وما لم أطعمه أنا منذ عقدين تقريبا .. فسارعنا وملأنا سلة كبيرة من القِثّاء والجارِينِك (2) والعُوجَة (3)، وغسلنا ذلك كله بالماء، وأخذنا نأكل هذه الخضروات والثمار اللذيذة ونحن نمشي في الشارع ونقضمها بنهم ومتعة غير آبهين بنظرات المارة الغريبة إلينا، ولا بسهسكة بعضهم وهم يرمقوننا بنظرات ماكرة .. فلفتُّ نظر صاحبي إلى ذلك، فلم يَعِرْ تلك النظرات أي اهتمام لانشغاله بالقثاء والجارِينِك والعُوجَة أكلا وقضما، وتمثل لي بمثل بلدي متخلف لا يقل مكرا عن نظرات المارة إلينا: "البَلَد اللِّي ما لَكْ فيها، شَمِّر و[رقابة ذاتية] فيها"!

                      وبينما نحن نلف وندور في أنحاء السوق، شاهدنا كُوسا وباذنجانا ليس في الدنيا أصلحُ منه لتحضير أكلة المحشي، وهي أكلتنا المفضلة، وعهدنا بها بعيد جدا .. فقررنا صنع المحشي بأنفسنا لأننا كنا نَسُوح في أرض الترك بلا نسوان .. فضلا عن أن حريمنا لم يسمعن بأكلة المحاشي ولا الجارِينِك ولا العُوجة لاختلاف الأمصار والأصقاع والتقاليد المطبخية والزراعية .. فبحثنا عن سكين لحفر الكوسا والباذنجان، ووجدناها وعدنا إلى الدار التي نزلنا فيها، وهي دار لصديق تركي يقيم في بلجيكا، كان وضعها تحت تصرفنا لننزل فيها في أثناء سياحتنا في أميرداغ، ـــ أنزله الله منزلا في الجنة خيرا منها.

                      وبما أن الكوسا الصغير والباذنجان الصغير المستعمل في أكلة المحشي غير متوفر في بلجيكا، ذلك أن باذنجان بلجيكا كله من صنف "بيض العجل" الكبير الذي وزن الحبة منه حوالي نصف كيلو، وأن طول الكوساية (4) البلجيكية من عشرين سنتم فما فوق، فلا يصلح شيء من هذا الباذنجان وهذا الكوسا للمحشي، ــ فلقد تعاملنا مع الموضوع بجدية عالية، فكأننا وجدنا كنزا! فبدأنا بجرد متطلبات أكلة المحشي، من الكوسا والباذنجان، مرورا بالأرز واللحم المفروم، وانتهاء بالطماطم والعُصْفُر، وقيّدنا ذلك كله في ورقة، ووضعنا خطة مفصلة لتحضير المحشي .. ثم بدأنا بحفر الباذنجان والكوسا؛ فتذكرنا في أثناء الحفر العِظام والعَصاعِيص (5) التي توضع في أسفل القدر كي لا يحترق الباذنجان والكوسا .. فانطلقت إلى الجزار واشتريت بدلا منها كتف خروف صغير مع رقبته وعدت .. وبعد ثلاث ساعات نضج المحشي فوضعناه في قصعة كبيرة زيناها بالفليفلة الخضراء الحارة التي لا بد منها في مثل هذه النوازل، فكانت النتيجة أكثر من خمسين محشية مع كتف ورقبة فوقها مطهيان بمرق المحشي المعتبر .. أثار هذا المنظر البديع فينا حالة اصطهاج (6) إشراقية، فانعقدت النية على إحالة القصعة إلى طَلَلٍ بالٍ خالٍ إلا من العِظام وذلك لبعد عهدنا بالمحشي والعَصاعِيص وما أشبه العَصاعِيص ..

                      "بسم الله"، قلناها ونحن نمد أيدينا ونتناول أول محشية .. وبعد أول لقمة بدأنا نلوي ألسنتنا يمنة ويسرة، والواحد منا يحملق في وجه صاحبه ..

                      هل تشعر بـ .."،
                      "المرارة"؟
                      "أي نعم"،
                      "جرّب هذه الباذنجانة"،
                      "يا لطيف على هذه المرارة"!
                      "لنذق اللحم"،
                      "شيء لا يُطاق" ..
                      "وا حسرتاه على الطبخة"!

                      لقد كان بين الكوسا كوساية مُرَّة شديدة المرارة، أفرزت مرارة لم أعهد مثلها في حياتي، فجعلت الطبخة مرة غاية في المرارة، فاستحال أكلُ أي شيء من الطبخة لشدة المرارة فيها، فقلنا: لنفتح المحشية ونخرج الأرز واللحم من داخلها ونحن نأمل ألا يكون المرق الملوث بالمرارة قد وصل إلى داخلها، لكنه وصل وجعل الأرز مُرا فمَرْمَرَ قلبنا معه وعليه .. فتمثلت لصاحبي بالمثل: "الذي ما له حظ، لا يتعب ولا يشقى"! وكان الجوع قد بلغ منا مبلغا فعدنا إلى القثاء والجارينك والعُوجَة واستأنفنا القضم والقرط ونحن نندب حظنا التعيس ونُفَلْسِفُ ما جرى لنا .. إلا أن بعض الخالات ــ وقد حدثتها بالنازلة ــ قالت لي فيما بعد: "يا غَشِيم (7) .. بعض الكوسا والقرع مر لذلك يُذاق برأس اللسان قبل حفره كي لا تُـمَرْمِرَ الطبخة". فاعترفت لها بأن لحس الكوسا والقرع بطرف اللسان بحثا عن المر منها، أمر غاب عن بالي وقت طبخ المحشي في أميرداغ!

                      واليوم، بعد حوالي عشر سنوات من نازلة المحشي التركي، اشتريت قثاء مغربيا من سوق "كاسا باراطا" (8) في طنجة، بعضه أخضر غامق، بل شديد الخضرة، وبعضه الآخر يشبه العَجُّور (9)، وطلبت من أم العيال أن تصنع لي سلطة بلدية، وأن تكثر لي من القثاء فيها على أن تفرم القثاء قطعا بحجم رأس العصفور كي يحافظ على رونقه ومذاقه فلا يذوب في السلطة أو يستحيل مخللا فيفسد طعمه .. وطعمت لقمة منه، فإذا هو أمرُّ من كوسا أميرداغ التركي، وأدهى على اللسان، وأفتك بالفم، وأشد بلاء على المزاج .. فَتَنَكْرَزْتُ (10) بهذه المرارة التي أتذوقها دائما في أسفاري .. وأفضت بي النَّكْرَزَةُ إلى التأمل فاليقين بأن المرارة ليست في الخضروات التي نتذوقها في أثناء الزيارات المتكررة إلى البلاد العربية، بل في الزمان الذي نعيشه، وفي أُهَيْلِهِ .. ففي كل مرة أكتشف أن الزمان هو الذي مَرْمَرَ ويُـمَرْمِرُنا معه، وليس الكوسا أو العَجُّور أو القرنبيط .. وأهيله هم الذين تعطلت حواسهم فباتوا لا يشعرون إلا بالمرارة .. وليت المرارة اقتصرت على الكوسا والقثاء، فما أغنانا عن الكوسا والقثاء، ولكن حتى العسل الذي تلحسه في دنيا العرب .. أصبح طعمُه مُرّا والعياذ بالله ..

                      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                      شرح اللغة والمفردات العامية حسب ما يفهم منها في بلاد الشام:

                      (1) أميرداغ: اسم بلدة تركية هاجر معظم سكانها إلى بلجيكا وألمانيا وهولندة. ويعني الاسم بالتركية: "جبل الأمير".
                      (2) الجاريِنِك: هو الخوخ الحامض قبل أن يصبح حلوا. تركي مُسَوْرَن! وفيه لغات كثيرة منها: الجانِيرِك، الجارِنْك وربما غيرها.
                      (3) العُوجَة: اللوز الأخضر. وتسمى أيضا: "العَقّابِيَّة".
                      (4) الكوُساية: واحدة الكوسا.
                      (5) العَصاعِيص: جمع عَصْعُوص: هي آخر عظيمات في العمود الفقري، طولها حوالي عشرة سنتم.
                      (6) الاصطهاج: حالة بسط وانشراح ووجد وسعادة روحانية مثل حالة "الحال" عند الصوفي أو حالة "النيرفانا" عند الهندوس ــ "بلا تشابيه"!
                      (7) الغَشِيم: قليل الحيلة!
                      (8) سوق "كاسا باراطا" سوق شعبية مشهورة في مدينة في طنجة المغربية، يباع فيها كل شيء تقريبا.
                      (9) العَجُّور: هو في سورية القثاء المشوه الشكل، يصلح الطري منه للأكل، ويقدم القاسي منه طعاما للدواب. قد يطلق اسم العجور أيضا على القثاء مع فارق أن القثاء أصفر اللون بينما العجور أخضره. وثمة أنواع من العجور تبدو مثل البطيخ الصغير غير الناضج.
                      (10) تَنَكْرَزَ: عَصَّبَ وتشاءم!
                      أ. د. عبدالرحمن السليمان
                      الجمعية الدولية لمترجمي العربية
                      www.atinternational.org

                      تعليق

                      يعمل...