كَلِمُ التَّعْبِيرَاتِ الشَّرِيفَةِ (1/3)
كنا فيما سبق نقيس بعدد الكَلِم طولَ الجملةِ والفقرةِ والنصِّ -ولا يمتنع أن نقيس به طول الكتاب- حتى إذا ما قام قائم تأمُّل النوع والامتداد تجاوزناه إلى غيره. وكما احتجَجْنا لأهمية الجملة بأنها ربما كانت هي وحدها النصَّ أو الفقرةَ، نحتج لأهمية الكلمة؛ وقديما قيل: "رُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً"! ومن ألطف ما تناقله الظُّرفاء وأتباعُهم من أمثالي، خبر الظريف المَنْهوم الذي شغلَ صاحبَه عن الطعام بسؤاله عن أبيه: كيف مات، سؤالا أتاح له جوابُه أن ينفرد دونه بالطعام، حتى إذا ما تَنبّه أخيرًا صاحبُه كَفَّ عن جوابه ليسأله انتقاما: وأنت كيف مات أبوك؟ فقال له: فجأة، وأكمل طعامه! و"فجأة" هذه اسمٌ ينبغي أن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف وفيه فاعله الضمير المستتر (مَاتَ فَجْأَةً) -وموت الفَجْأة (البَغتة) معروف، بَوَّبَ له البخاريُّ في "كتاب الجنائز"، من صحيحه الجامع- أبى الظريفُ المنهوم إلا أن يكتفي به من جُمْلته وأحداث قصة موت أبيه كلها!
لا ريب في مجاز "كلمة" من قول العرب الآنف ذكره، ولا في أن الكلمة التي قِسْنا بها من قبلُ طولَ الجملة والفقرة والنص إنما هي الكلمة الكتابية (المحفوفة في الخطِّ بالبياض، المعدودة واحدةً بعدَّاد الحاسوب). ولكن لا ريب كذلك في أن هذه الكلمة الكتابية -ومثلُها تلك الكلمةُ المجازية- ربما كانت على الحقيقة هي الكلمة النحوية "اللفظ الموضوع لمعنى مفرد"؛ فوجب لها من العناية مثل ما سبق للتعبير والجملة؛ ولاسيما أنها لولا مراعاة ما يَتحمَّلها من التعبير والجملة ما عُرّفت هذا التعريف!
لقد درج النحويون على تقسيم الكلمة على ثلاثة أقسام: الاسم -وهو "الكلمة الدالة على معنى في نفسها غير مقترن بزمن"- والفعل -وهو "الكلمة الدالة على حدث مقترن بزمن"- والحرف - وهو "الكلمة الدالة على معنى في غيرها"- وآثر الدكتور تمام حسان تقسيمها على سبعة أقسام: الاسم -وهو عنده "ما دل على معين أو جنس أو بدئ بالميم دالا على زمان أو مكان أو آلة أو كان من المبهمات كأن يدل على عدد أو وزن أو كيل أو جهة أو وقت أو يكنى به عن شيء مما تقدم"- والوصف -وهو عنده "وصف الفاعل والمفعول والتفضيل والمبالغة والصفة المشبهة"- والفعل -وهو عنده "ماض ومضارع وأمر"- والضمير -وهو عنده "شخصي وموصول وإشارة"- والظرف -وهو عنده "ما بني لزمان أو مكان ولم يكن مشتقا ولا معربا"- والخالفة -وهي عنده "ما صيغ للدلالة على إفصاح إنشائي غير دال على حدث أو زمن كصيغ المدح والذم والتعجب وما يعرف بأسماء الأفعال والأصوات"- والأداة -وهي عنده "ما دل على الربط بين أجزاء الجملة إلى جانب دلالات فردية لكل أداة على معنًى حقه أن يؤدى بالحرف وذلك كدلالة [من] على ابتداء الغاية و[إلى] على انتهائها و[إلا] على الإخراج والواو على العطف ومطلق الجمع والفاء مثلا على ربط الجواب بالشرط و[بل] على الإضراب و[أم] على عطف البديل أو ثاني الخيارين، ...إلخ"- ثم استحسن إضافة أحد تلامذته قسم المصدر -وهو عنده "المصدر الصريح والميمي وما دل على مرة أو هيئة وما يعرف باسم المصدر الصناعي"- فصارت الأقسام ثمانية [تمام حسان: 52-53]!
وقد وجد الدكتور تمام حسان هذه الأقسام تتنازع الكلمة نفسها أحيانا، فقال: "إذا ارتضينا هذا التقسيم تَطَلَّعنا إلى معرفة صور مختارة من نقل اللفظ من قسم إلى قسم، لنرى كيف يتعدد المعنى الوظيفي للمبنى من خلال النقل" [تمام حسان: 53]؛ فأغراني مع تقدير هذا التقسيم التفصيلي المثمَّن، بألا أفرِّط في ذلك التقسيم الإجمالي المثلَّث -وما زلتُ كلما تأملتُ كَلِمَ النص، واستحضرتُ شغف النحويين القدماء بتشبيه الكلام بالبناء وبيت الشِّعر ببيت الشَّعر- رأيتُ الأسماء رؤيةَ العُمُد (جمع عَمود)، والأفعال رؤيةَ الجُدُر (جمع جِدار)، والحروف رؤيةَ اللُّحُم (جمع لِحام)!- ومن ثم أحلل فيما يأتي النصوص المختارة كلها، على ترتيبها في عملي هذا، تحليلا نحويا لا كتابيا، كلمةً كلمةً؛ فأميز فيها أسماءها (القديمة) وأفعالها وحروفها، وأميز في أسمائها (القديمة) أسماءها (التمّاميّة) وأوصافها وضمائرها وظروفها ومصادرها، وأميز في أفعالها ماضياتها ومضارعاتها وأمورها، وأميز في حروفها اسميَّها (عوامل الأسماء) وفعليَّها (عوامل الأفعال) وجمليَّها (عوامل الجمل) ومشتركَها (عوامل الأسماء والأفعال والجمل)- أحرص بتعميق الموازنة بين النصوص المختارة، على استنباط ما يتيسر لي من خصائصها الأسلوبية.
كَلِمُ النَّمُوذَجِ الْمُثَلَّثِ الْأَوَّلِ (أَصْوَاتِ الْجَزَاءِ)
في نص سورة "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى" القرآني، 47 اسما عامًّا -وكلُّ ما بينَ قَوسينِ لا يستقلُّ في الرَّسْم بنفسه- منها 10 أسماء: الذَّكَر، الْأُنْثَى، مَال، نَار، مَال، أَحَد، نِعْمَة، وَجْه، اللَّيْل، النَّهَار، و11 وصفا: رَبّ، شَتَّى، الْحُسْنَى، الْيُسْرَى، الْحُسْنَى، الْعُسْرَى، الْآخِرَة، الْأُولَى، الْأَشْقَى، الْأَتْقَى، الْأَعْلَى، و19 ضميرا: (كُم)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (نَا)، (نَا)، (ت)، (كُم)، (هَا)، (هَا)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، مَن، مَن، مَا، الَّذِي، الَّذِي، و4 أظرف: إِذَا، إِذَا، إِذَا، عِنْد، و3 مصادر: سَعْي، الْهُدَى، ابْتِغَاء- و23 فعلا، منها 11 ماضيا: تَجَلَّى، خَلَق، أَعْطَى، اتَّقَى، صَدَّق، بَخِل، اسْتَغْنَى، كَذَّب، أَنْذَر، كَذَّب، تَوَلَّى، و12 مضارعا: يَغْشَى، نُيَسِّر، نُيَسِّر، يُغْنِي، تَرَدَّى، تَلَظَّى، يَصْلَى، يُجَنَّب، يُؤْتِي، يَتَزَكَّى، تُجْزَى، يَرْضَى، ولا أمر- و47 حرفا، منها 12 اسميًّا: (ب)، (ب)، (ل)، (ل)، (ل)، (ل)، عَن، عَلَى، مِن، إِلَّا، إِلَّا، (و)، و6 فعليّات: (س)، (س)، (س)، سَوْف، لَا، مَا، و12 جُمْليًّا: (ل)، (ل)، (ل)، (ل)، إِنّ، إِنّ، إِنَّ، (ف)، (ف)، أَمَّا، أَمَّا، مَا، و17 مشتركا: (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (ف).
ثم في نص حديث "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ" القدسيّ، 155 اسما عامًّا، منها 29 اسما: نَفْس، كُلّ، كُلّ، كُلّ، اللَّيْل، النَّهَار، الذُّنُوب، إِنْس، جِنّ، قَلْب، رَجُل، شَيْئا، إِنْس، جِنّ، قَلْب، رَجُل، مُلْك، مُلْك، شَيْئا، إِنْس، جِنّ، صَعِيد، كُلّ، إِنْسَان، الْبَحْر، أَعْمَال، غَيْر، نَفْس، الله، و28 وصفا: عِبَاد، مُحَرَّما، عِبَاد، ضَالّ، عِبَاد، جَائِع، عِبَاد، عَار، عِبَاد، عِبَاد، جَمِيعا، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، أَتْقَى، وَاحِد، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، أَفْجَر، وَاحِد، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، وَاحِد، الْمِخْيَط، عِبَاد، خَيْر، و3 أظرف: بَيْن، عِنْد، إِذَا، و4 مصادر: الظُّلْم، ضَرّ، نَفْع، مَسْأَلَة- و36 فعلا، منها 16 ماضيا: حَرَّم، جَعَل، هَدَى، أَطْعَم، كَسَا، زَاد، نَقَص، قَام، سَأَل، أَعْطَى، نَقَص، أُدْخِل، وَجَد، وَجَد، كَان، كَان، و16 مضارعا: تَظَالَمُـ(وا)، أَهْدي، أُطْعِم، أَكْسو، تُخْطِئُـ(و)ن، أَغْفِر، أَغْفِر، تَبْلُغُـ(وا)، تَضُرُّ(وا)، تَبْلُغُـ(وا)، تَنْفَعُـ(وا)، يَنْقُص، أُحْصِي، أُوَفِّي، يَحْمَد، يَلُوم، و4 أمور: اسْتَهْد(وا)، اسْتَطْعِمُـ(وا)، اسْتَكْسُـ(وا)، اسْتَغْفِرُ(وا)]- و81 حرفا، منها 28 اسميًّا: (ك)، مِن، فِي، مِن، عَلَى، فِي، عَلَى، مِن، (ل)، (ب)، عَلَى، (ل)، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، و16 فعليًّا: لا، مَا، مَا، لَا، مَا، لَن، لَن، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ل)، (نّ)، و12 جُمْليًّا: إِنّ، إِنّ، إِنّ، لَو، لَو، لَو، أَنّ، أَنّ، أَنّ، (ف)، (ف)، إِنَّمَا، و25 مشتركا: ثُمّ، (ف)، (و)، (ف)، (ف)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (و)، (ف)، (و)، (و)، (ف)، (ف)، (ف)، (ف)، (و)، (ف).
ثم في نص حديث "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ" النبوي، 47 اسما عامًّا، منها 21 اسما: سَبْعَة، الله، ظِلّ، الله، رَجُل، قَلْب، ظِلّ، ظِلّ، إِمَام، رَجُلاَن، الله، رَجُل، امْرَأَة، الله، رَجُل، صَدَقَة، شِمَال، يَمِين، رَجُل، الله، عَيْنَا، و7 أوصاف: عَدْل، شَابّ، مَنْصِب، مُعَلَّق، المَسَاجِد، ذَات، خَالِيا، و16 ضميرا: هُم، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (ـا)، (ـا)، (هـ)، (ـا)، (هـ)، (هـ)، (ي)، (هَا)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، مَا، وظرف واحد: يَوْم، ومصدران اثنان: عِبَادَة، جَمَال- و15 فعلا، منها 11 ماضيا: تَعَالَى، نَشَأ، تَحَابّ، اجْتَمَع، تَفَرَّق، دَعَا، قَال، تَصَدَّق، أَخْفَى، ذَكَر، فَاض، و4 مضارعات: يُظِلّ، أَخَاف، تَعْلَم، تُنْفِق، ولا أمر، و25 حرفا، منها 9 اسميّات: فِي، فِي، فِي، فِي، عَلَى، عَلَى،(ب)، حَتَّى، إِلَّا، وثلاثة فعليات: لَا، (ت)، (ت)، وجُمْليّان اثنان: لا، إنّ، و11 مشتركا: (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (و)، (ف)، (و)، (ف).
لم يتجاوز الأسماء في هذه النصوص الثلاثة شيءٌ من الأفعال ولا الحروف، ولكن في خلال ذلك كانت نسبة الحروف -ولاسيما الجُمْليّة- ثم الأفعال -ولاسيما المضارعة- أكثر في النص القرآني (40.17% ثم 19.65%)، منها في النصين القدسي (29.77% ثم 13.23%)، والنبوي (28.73% ثم 17.24%)- وكانت نسبة الأسماء -ولاسيما الضمائر- أكثر في النص القدسي (56.98%)، منها في النصين القرآني (40.17%)، والنبوي (54.02%)، أثرًا من آثار استقلال النص القرآني بتنسيق الأحداث، واستقلال النص القدسي بتنسيق الجهات، فأما النص النبوي فمعني بتنسيق الأعيان!
كنا فيما سبق نقيس بعدد الكَلِم طولَ الجملةِ والفقرةِ والنصِّ -ولا يمتنع أن نقيس به طول الكتاب- حتى إذا ما قام قائم تأمُّل النوع والامتداد تجاوزناه إلى غيره. وكما احتجَجْنا لأهمية الجملة بأنها ربما كانت هي وحدها النصَّ أو الفقرةَ، نحتج لأهمية الكلمة؛ وقديما قيل: "رُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً"! ومن ألطف ما تناقله الظُّرفاء وأتباعُهم من أمثالي، خبر الظريف المَنْهوم الذي شغلَ صاحبَه عن الطعام بسؤاله عن أبيه: كيف مات، سؤالا أتاح له جوابُه أن ينفرد دونه بالطعام، حتى إذا ما تَنبّه أخيرًا صاحبُه كَفَّ عن جوابه ليسأله انتقاما: وأنت كيف مات أبوك؟ فقال له: فجأة، وأكمل طعامه! و"فجأة" هذه اسمٌ ينبغي أن يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف وفيه فاعله الضمير المستتر (مَاتَ فَجْأَةً) -وموت الفَجْأة (البَغتة) معروف، بَوَّبَ له البخاريُّ في "كتاب الجنائز"، من صحيحه الجامع- أبى الظريفُ المنهوم إلا أن يكتفي به من جُمْلته وأحداث قصة موت أبيه كلها!
لا ريب في مجاز "كلمة" من قول العرب الآنف ذكره، ولا في أن الكلمة التي قِسْنا بها من قبلُ طولَ الجملة والفقرة والنص إنما هي الكلمة الكتابية (المحفوفة في الخطِّ بالبياض، المعدودة واحدةً بعدَّاد الحاسوب). ولكن لا ريب كذلك في أن هذه الكلمة الكتابية -ومثلُها تلك الكلمةُ المجازية- ربما كانت على الحقيقة هي الكلمة النحوية "اللفظ الموضوع لمعنى مفرد"؛ فوجب لها من العناية مثل ما سبق للتعبير والجملة؛ ولاسيما أنها لولا مراعاة ما يَتحمَّلها من التعبير والجملة ما عُرّفت هذا التعريف!
لقد درج النحويون على تقسيم الكلمة على ثلاثة أقسام: الاسم -وهو "الكلمة الدالة على معنى في نفسها غير مقترن بزمن"- والفعل -وهو "الكلمة الدالة على حدث مقترن بزمن"- والحرف - وهو "الكلمة الدالة على معنى في غيرها"- وآثر الدكتور تمام حسان تقسيمها على سبعة أقسام: الاسم -وهو عنده "ما دل على معين أو جنس أو بدئ بالميم دالا على زمان أو مكان أو آلة أو كان من المبهمات كأن يدل على عدد أو وزن أو كيل أو جهة أو وقت أو يكنى به عن شيء مما تقدم"- والوصف -وهو عنده "وصف الفاعل والمفعول والتفضيل والمبالغة والصفة المشبهة"- والفعل -وهو عنده "ماض ومضارع وأمر"- والضمير -وهو عنده "شخصي وموصول وإشارة"- والظرف -وهو عنده "ما بني لزمان أو مكان ولم يكن مشتقا ولا معربا"- والخالفة -وهي عنده "ما صيغ للدلالة على إفصاح إنشائي غير دال على حدث أو زمن كصيغ المدح والذم والتعجب وما يعرف بأسماء الأفعال والأصوات"- والأداة -وهي عنده "ما دل على الربط بين أجزاء الجملة إلى جانب دلالات فردية لكل أداة على معنًى حقه أن يؤدى بالحرف وذلك كدلالة [من] على ابتداء الغاية و[إلى] على انتهائها و[إلا] على الإخراج والواو على العطف ومطلق الجمع والفاء مثلا على ربط الجواب بالشرط و[بل] على الإضراب و[أم] على عطف البديل أو ثاني الخيارين، ...إلخ"- ثم استحسن إضافة أحد تلامذته قسم المصدر -وهو عنده "المصدر الصريح والميمي وما دل على مرة أو هيئة وما يعرف باسم المصدر الصناعي"- فصارت الأقسام ثمانية [تمام حسان: 52-53]!
وقد وجد الدكتور تمام حسان هذه الأقسام تتنازع الكلمة نفسها أحيانا، فقال: "إذا ارتضينا هذا التقسيم تَطَلَّعنا إلى معرفة صور مختارة من نقل اللفظ من قسم إلى قسم، لنرى كيف يتعدد المعنى الوظيفي للمبنى من خلال النقل" [تمام حسان: 53]؛ فأغراني مع تقدير هذا التقسيم التفصيلي المثمَّن، بألا أفرِّط في ذلك التقسيم الإجمالي المثلَّث -وما زلتُ كلما تأملتُ كَلِمَ النص، واستحضرتُ شغف النحويين القدماء بتشبيه الكلام بالبناء وبيت الشِّعر ببيت الشَّعر- رأيتُ الأسماء رؤيةَ العُمُد (جمع عَمود)، والأفعال رؤيةَ الجُدُر (جمع جِدار)، والحروف رؤيةَ اللُّحُم (جمع لِحام)!- ومن ثم أحلل فيما يأتي النصوص المختارة كلها، على ترتيبها في عملي هذا، تحليلا نحويا لا كتابيا، كلمةً كلمةً؛ فأميز فيها أسماءها (القديمة) وأفعالها وحروفها، وأميز في أسمائها (القديمة) أسماءها (التمّاميّة) وأوصافها وضمائرها وظروفها ومصادرها، وأميز في أفعالها ماضياتها ومضارعاتها وأمورها، وأميز في حروفها اسميَّها (عوامل الأسماء) وفعليَّها (عوامل الأفعال) وجمليَّها (عوامل الجمل) ومشتركَها (عوامل الأسماء والأفعال والجمل)- أحرص بتعميق الموازنة بين النصوص المختارة، على استنباط ما يتيسر لي من خصائصها الأسلوبية.
كَلِمُ النَّمُوذَجِ الْمُثَلَّثِ الْأَوَّلِ (أَصْوَاتِ الْجَزَاءِ)
في نص سورة "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى" القرآني، 47 اسما عامًّا -وكلُّ ما بينَ قَوسينِ لا يستقلُّ في الرَّسْم بنفسه- منها 10 أسماء: الذَّكَر، الْأُنْثَى، مَال، نَار، مَال، أَحَد، نِعْمَة، وَجْه، اللَّيْل، النَّهَار، و11 وصفا: رَبّ، شَتَّى، الْحُسْنَى، الْيُسْرَى، الْحُسْنَى، الْعُسْرَى، الْآخِرَة، الْأُولَى، الْأَشْقَى، الْأَتْقَى، الْأَعْلَى، و19 ضميرا: (كُم)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (نَا)، (نَا)، (ت)، (كُم)، (هَا)، (هَا)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، مَن، مَن، مَا، الَّذِي، الَّذِي، و4 أظرف: إِذَا، إِذَا، إِذَا، عِنْد، و3 مصادر: سَعْي، الْهُدَى، ابْتِغَاء- و23 فعلا، منها 11 ماضيا: تَجَلَّى، خَلَق، أَعْطَى، اتَّقَى، صَدَّق، بَخِل، اسْتَغْنَى، كَذَّب، أَنْذَر، كَذَّب، تَوَلَّى، و12 مضارعا: يَغْشَى، نُيَسِّر، نُيَسِّر، يُغْنِي، تَرَدَّى، تَلَظَّى، يَصْلَى، يُجَنَّب، يُؤْتِي، يَتَزَكَّى، تُجْزَى، يَرْضَى، ولا أمر- و47 حرفا، منها 12 اسميًّا: (ب)، (ب)، (ل)، (ل)، (ل)، (ل)، عَن، عَلَى، مِن، إِلَّا، إِلَّا، (و)، و6 فعليّات: (س)، (س)، (س)، سَوْف، لَا، مَا، و12 جُمْليًّا: (ل)، (ل)، (ل)، (ل)، إِنّ، إِنّ، إِنَّ، (ف)، (ف)، أَمَّا، أَمَّا، مَا، و17 مشتركا: (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (ف).
ثم في نص حديث "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ" القدسيّ، 155 اسما عامًّا، منها 29 اسما: نَفْس، كُلّ، كُلّ، كُلّ، اللَّيْل، النَّهَار، الذُّنُوب، إِنْس، جِنّ، قَلْب، رَجُل، شَيْئا، إِنْس، جِنّ، قَلْب، رَجُل، مُلْك، مُلْك، شَيْئا، إِنْس، جِنّ، صَعِيد، كُلّ، إِنْسَان، الْبَحْر، أَعْمَال، غَيْر، نَفْس، الله، و28 وصفا: عِبَاد، مُحَرَّما، عِبَاد، ضَالّ، عِبَاد، جَائِع، عِبَاد، عَار، عِبَاد، عِبَاد، جَمِيعا، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، أَتْقَى، وَاحِد، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، أَفْجَر، وَاحِد، عِبَاد، أَوَّل، آخِر، وَاحِد، الْمِخْيَط، عِبَاد، خَيْر، و3 أظرف: بَيْن، عِنْد، إِذَا، و4 مصادر: الظُّلْم، ضَرّ، نَفْع، مَسْأَلَة- و36 فعلا، منها 16 ماضيا: حَرَّم، جَعَل، هَدَى، أَطْعَم، كَسَا، زَاد، نَقَص، قَام، سَأَل، أَعْطَى، نَقَص، أُدْخِل، وَجَد، وَجَد، كَان، كَان، و16 مضارعا: تَظَالَمُـ(وا)، أَهْدي، أُطْعِم، أَكْسو، تُخْطِئُـ(و)ن، أَغْفِر، أَغْفِر، تَبْلُغُـ(وا)، تَضُرُّ(وا)، تَبْلُغُـ(وا)، تَنْفَعُـ(وا)، يَنْقُص، أُحْصِي، أُوَفِّي، يَحْمَد، يَلُوم، و4 أمور: اسْتَهْد(وا)، اسْتَطْعِمُـ(وا)، اسْتَكْسُـ(وا)، اسْتَغْفِرُ(وا)]- و81 حرفا، منها 28 اسميًّا: (ك)، مِن، فِي، مِن، عَلَى، فِي، عَلَى، مِن، (ل)، (ب)، عَلَى، (ل)، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، يَا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، إِلَّا، و16 فعليًّا: لا، مَا، مَا، لَا، مَا، لَن، لَن، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ن)، (ل)، (نّ)، و12 جُمْليًّا: إِنّ، إِنّ، إِنّ، لَو، لَو، لَو، أَنّ، أَنّ، أَنّ، (ف)، (ف)، إِنَّمَا، و25 مشتركا: ثُمّ، (ف)، (و)، (ف)، (ف)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (و)، (ف)، (و)، (و)، (ف)، (ف)، (ف)، (ف)، (و)، (ف).
ثم في نص حديث "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ" النبوي، 47 اسما عامًّا، منها 21 اسما: سَبْعَة، الله، ظِلّ، الله، رَجُل، قَلْب، ظِلّ، ظِلّ، إِمَام، رَجُلاَن، الله، رَجُل، امْرَأَة، الله، رَجُل، صَدَقَة، شِمَال، يَمِين، رَجُل، الله، عَيْنَا، و7 أوصاف: عَدْل، شَابّ، مَنْصِب، مُعَلَّق، المَسَاجِد، ذَات، خَالِيا، و16 ضميرا: هُم، (هـ)، (هـ)، (هـ)، (ـا)، (ـا)، (هـ)، (ـا)، (هـ)، (هـ)، (ي)، (هَا)، (هـ)، (هـ)، (هـ)، مَا، وظرف واحد: يَوْم، ومصدران اثنان: عِبَادَة، جَمَال- و15 فعلا، منها 11 ماضيا: تَعَالَى، نَشَأ، تَحَابّ، اجْتَمَع، تَفَرَّق، دَعَا، قَال، تَصَدَّق، أَخْفَى، ذَكَر، فَاض، و4 مضارعات: يُظِلّ، أَخَاف، تَعْلَم، تُنْفِق، ولا أمر، و25 حرفا، منها 9 اسميّات: فِي، فِي، فِي، فِي، عَلَى، عَلَى،(ب)، حَتَّى، إِلَّا، وثلاثة فعليات: لَا، (ت)، (ت)، وجُمْليّان اثنان: لا، إنّ، و11 مشتركا: (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (و)، (ف)، (و)، (ف)، (و)، (ف).
لم يتجاوز الأسماء في هذه النصوص الثلاثة شيءٌ من الأفعال ولا الحروف، ولكن في خلال ذلك كانت نسبة الحروف -ولاسيما الجُمْليّة- ثم الأفعال -ولاسيما المضارعة- أكثر في النص القرآني (40.17% ثم 19.65%)، منها في النصين القدسي (29.77% ثم 13.23%)، والنبوي (28.73% ثم 17.24%)- وكانت نسبة الأسماء -ولاسيما الضمائر- أكثر في النص القدسي (56.98%)، منها في النصين القرآني (40.17%)، والنبوي (54.02%)، أثرًا من آثار استقلال النص القرآني بتنسيق الأحداث، واستقلال النص القدسي بتنسيق الجهات، فأما النص النبوي فمعني بتنسيق الأعيان!
