الفعل "طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا"
(معناه ولزومه وتعدِّيه بالأحرف)
د. أورنك زيب الأعظمي[1]
من الأفعال العربية الشائعة في العصر الجاهلي ما تُرِكَ ولم يُورده الشعراءُ بعد العصر الجاهلي، ومنها ما بقِيَ استعماله، ولكن تغيَّر مدلوله أو تدرَّج، ومنها ما بقي استعماله على معناه المتداول المعروف في الجاهلية، فمن الأفعال التي كانت شائعة في العصر الجاهلي وبقي استعمالها في العصور التالية: فعلُ (طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا)، ولو تقلَّص نطاق استعماله، ففي الصفحات التالية أحاول الحديثَ عن هذا الفعل الثلاثي المجرَّد، ومختلف معانيه، ولزومه وتعدِّيه بنفسه وبالأحرف الجارَّة، كما أشير إلى أفعاله المزيد فيها ودلالاتها.
فطَافَ يَطُوْفُ طَوفًا وطَوَافًا وتَطْوافًا: ألمَّ به وغشَّاه، ودار حوله؛ فقال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي
لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعادِ[2]
وقال معن بن أوس:
تأوَّبه مكذوبةٌ شُبِّهتْ له
وطاف خيالٌ طاف من أمِّ أسودا[3]
وقال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه
كطوفِ النصارى ببيت الوثن[4]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فلمَّا خرَّ عند القوم طافوا
به وأبانَه منهم عريفُ[5]
وأما معنى الدوران حول الشيء فشائع جدًّا؛ كما قال الحارث بن مُضاض الجرهمي:
وكنَّا ولاةَ البيت من بعد نابتٍ
نطوف بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ[6]
وقال النابغة الذبياني:
على ظهرِ مِبناةٍ جديدٍ سيورُها
يطوف بها وسطَ اللطيمة بائع[7]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فطاف بها أبناءُ آل معتَّبٍ
وعزَّ عليهم بيعُها واغتصابُها[8]
وقد يخلو من هذا المعنى ليدلَّ على المشي فقط كما قال الْمُزَرِّد:
وأحبسها ما دام للزيت عاصرٌ
وما طاف فوق الأرض حافٍ وناعل[9]
ومنه أطاف به: أحاط به؛ كما قال امرؤ القيس:
أطافتْ به جَيلانُ عند قِطاعه
تردَّد فيه العينُ حتى تحيَّرا[10]
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
كأنَّ على أنسائها عِذقَ خَصبةٍ
تَدَلَّى من الكافور غيرَ مُكَمَّم
تُطيف به طورًا وطورًا تلطُّه
على فرجِ محرومِ الشراب مُصَرَّم
تشبُّ إذا ما أدلج القومُ نيرةً
بأخفافها من كلِّ أمعزَ مُظلِم[11]
وقال بشر أيضًا:
أبو صبية شُعثٍ يُطيف بشخصه
كوالحُ أمثالُ اليعاسيب ضُمَّرُ[12]
وقال الراعي النميري:
كأنَّ بقايا الجيش جيش ابن باعج
أطاف بركنٍ من عماية فاخر[13]
ومنه قول عبدالدار بن حُدَيب (حازي جهينة):
ولقد أردتُ بأن تُقام بنيَّةٌ
ليست بحُوبٍ أو تُطيف بمأثم[14]
أي: هي بريئة من أيِّ مأثم.
وكذا قول المسيب بن علس:
فإذا أطفتَ بها أطفتَ بكلكلٍ
نبضِ الفرائض مُجفَر الأضلاع[15]
وهكذا يتعدَّى بها الاستفعال منه، ويدلُّ على نفس المعنى؛ كما قال خفاف بن ندبة:
ومرصدٍ خائفٍ لا يستطيف به
من المُسامح إلا المشفق الخالي[16]
وللطواف أربعُ صلات؛ وهي الباء وعلى وفي، فطاف به يعني: ألمَّ به، وأحاط به، ودار حوله، وقرعه ليلًا، واستدار حوله؛ فللإلمام به قول أمية بن الأسكر الكِناني:
قومٌ إذا قذَعُ الأقوال طاف بهم
ألقى العصيَّ عضي الجهل باريها[17]
وللإحاطة بالشيء قول عدي بن زيد العبادي:
لا تنسين ذِكْرِي على لذة ال
كأس وطَوفٍ بالخَذوف النَّحُوص[18]
ومنه للكرى كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
فلاةٍ قد سريتُ بها هُدُوءًا
إذما العين طاف بها كَرَاها[19]
وللطواف حوله قول قيس بن ذريح:
فلا والذي مسَّحتُ أركانَ بيته
أطوف به فيمن يطوف ويحصب
نسيتُك ما أرسى ثَبِيرًا مكانه
وما دام جارًا للحَجُون المُحَصَّب[20]
ولذا يقال طَافَ حوله؛ كما قال زهير بن أبي سلمى:
فأقسمتُ بالبيت الذي طاف حوله
رجالٌ بنَوه من قريش وجرهمِ
وباللات والعزَّى التي يعبدونها
بمكة والبيت العتيق المكرَّمِ[21]
وقال الشاعر يصف قرة بقلة الميرة:
كأنَّ فداءها إذ جرَّدوه
وطافوا حوله سُلَكٌ يتيم[22]
وللقرع ليلًا قول زبَّان بن سيَّار شاعر جاهلي:
ألم يَنْهَ أولادَ اللقيطة علمُهم
بزبَّانَ إذ يهجونه وهو نائم
يطوفون بالأعشى وصُبَّ عليهم
لسانٌ كصدر الهندواني صارم[23]
وللاستدارة حول أحد؛ كما قال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه
كطوفِ النصارى ببيت الوثن[24]
وقال لبيد بن ربيعة:
أو ذو زوائد لا يُطافُ بأرضه
يغشى المُهجهجَ كالذَّنوب المُرسَل[25]
وقال نهار بن توسعة:
تطيف به قحطان قد عصبت به
وأحلافها من حيِّ بكر وتغلب[26]
ومنه قول ليلى الأخيلية:
فعفاتُه لهفى يطوفون حوله
كما انقضَّ عرشُ البئر والوردُ عاصب[27]
فالطواف حوله هو الطواف به.
وربما يأتي للمصاحبة؛ كما قال المتلمس الضبعي:
رميتُ بها حتى رأيتُ مدادَها
يطوف بها التيَّار في كلِّ جدول[28]
ومنه أطاف به؛ أي: ألمَّ به ليلًا؛ كما أنشد أبو الجراح:
أطفتُ بها نهارًا غير ليلٍ
وألهى ربَّها طلبُ الرجال[29]
ومن هنا تدرَّج لكل مجيء مفاجئ؛ كما قال ذو الإصبع العدواني:
أطاف بنا ريبُ الزمان فداسنا
له طائف بالصالحين بصير[30]
وكذا يعني: طَافَ حوله؛ كما قال قيس بن الحدادية:
فما نطفةٌ[31] بالطود أو بضرية
بقيةُ سيلٍ أحرزتْها الوقائع
يطيف بها حرَّان صادٍ ولا يرى
إليها سبيلًا غيرَ أنْ سيطالع
بأطيبَ من فيها إذ جئتُ طارقًا
من الليل واخضلَّتْ عليك المضاجع[32]
وقالت الخنساء:
وما عَجولٌ على بوٍّ تُطيف به
لها حنينان إعلانٌ وإسرار
يومًا بأوجد مني يوم فارقني
صخرٌ وللدهر إحلاء وإمرار[33]
وقال ذو الرمة:
كأنها خاضبٌ زُعرٌ قوادمُه
أجنى له باللِّوى شرْيٌ وتَنُّومُ
صعدٌ كأنَّ جناحَيه وجؤجوه
بيتٌ أطافتْ به خرقاء مهجوم[34]
ومنه طَوَّفَ به؛ كما قال نهشل بن حري:
وقد طوَّفتُ بالآفاق حتى
سئمت النضَّ بالقُلُص العتاق[35]
وأما طَافَ عليه فيعني: ألمَّ به ليلًا؛ كما قال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي
لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعاد[36]
وقال أبو الطمحان القيني:
أذلك أم جأبُ النُّسالة قارحٌ
يطوف على وُرقٍ خِفافٍ حوائل[37]
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17 - 20].
وجاء في الحديث: ((أنه كان يطوف في ليلةٍ على نسائه ويغتسل من كلِّ واحدة منهن غسلًا، فسُئل عن ذلك فقال: إنه أذكَر))[38].
وكذا يعني: حام حوله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 58].
ومنه الاستطافة عليه؛ كما قال الفرزدق:
فأبلتْ أُواريَّ حيث استطا
فَ فُلُوُّ الجيادِ على المِروَد[39]
وكذا يعني: استدار عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [الطور: 23 - 25].
ومنه الإطافة عليه؛ كما قال أبو خراش:
تُطيفُ عليه الطيرُ وهو مُلَحَّبٌ
خلافَ البيوت عند مُحتَمَلِ الصَّرم[40]
ومنه طَافَ عليه به: قدَّمه عليه في دائرة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴾ [الصافات: 40 - 47].
وقال أيضًا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الزخرف: 69 - 71].
أما أطاف عليه، فيعني: طاف عليه؛ كما قال أبو خراش:
تُطيفُ عليه الطيرُ وهو مُلَحَّبٌ
خلافَ البيوت عند مُحتَمَلِ الصَّرم[41]
وقال وضاح اليمن يفتخر بقومه:
تُطيفُ علينا قهوةٌ في زجاجةٍ
تُريك جبانَ القوم أمضى من الأسد[42]
ومنه السعي عليه؛ كما قال عدي بن زيد العبادي:
خيرٌ لها إنْ خشيتْ حَجرةً
من ربِّها زيدِ بن أيُّوبِ
متكئًا تُقرَعُ أبوابُه
يسعى عليه العبدُ بالكوبِ[43]
وقال طرفة بن العبد:
فظلَّ الإماءُ يمتللنَ حوارها
ويُسعى علينا بالسديف المُسَرهد[44]
وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري:
ولقد شربت الخمر في حانوتها
صهباء صافية كطعم الفلفل
يسعى عليَّ بكأسها مُتنطفٌ
فيُعلُّني منها ولو لم أنهل[45]
والإدارة عليه؛ كما قال امرؤ القيس:
تُدارُ علينا بالسديف صِحافُنا
ويُؤتى إلينا بالعبيط المثمَّل[46]
وقال عنترة بن شدَّاد:
ألَا إنها نعم الدواء لشاربٍ
ألَا فاسقنيها قبل ما أنت تخرج
فنُضحي سكارى والمُدام مصفَّفٌ
يُدار علينا والطعام المطبهَج[47]
وقال الفرزدق:
وغيدٍ من الإدلاج تحسب أنهم
سُقُوا بنتَ أحوالٍ تُدار على الشرب
تميل بهم حينًا وحينًا تُقيمهم
وهنَّ بنا مثلُ القداح من القُضب[48]
وأما طَافَ فيه، فيعني: سار فيه؛ كما قال أبو طالب عمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم:
ويبني لأفناء العشيرة صالحًا
إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد[49]
وقال الفرزدق:
وقالت: ألَا طُفْ في صديقك فالتمِسْ
شَعِيبينِ يربو ساعةً مَنْ سقاهما[50]
وأما طَوَّفَ فيه، فيعني: استدار حوله؛ كما قال المُزَرِّد:
فطوَّف في أصحابه يستثيبهم
فآب وقد أكدتْ عليه المسائل[51]
وكذا يعني: ووري به؛ كما قال الشاعر:
يطفنَ بأحمال الجِمال غديَّةً
دريجَ القطا في القزِّ غير المشقَّق[52]
واطَّوَّف به: طاف به؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 158].
وقال: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29].
وطَافَ له: طاف لأجله؛ كما قال الفرزدق:
أرى الناسَ إذ خلَّى ابنُ ليلى مكانَه
يطوفون للغيث الذي مات وابلُه[53]
وقد يأتي متعديًا بنفسه؛ كما قال طرفة بن العبد:
تعيَّرني طَوفي البلادَ ورحلتي
ألَا ربَّ يومٍ لي سوى حُرِّ دارِك[54]
كما يتعدَّى لمفعولين تدخل على مفعوله الثاني اللام؛ فقال الأعشى الكبير:
وقد طفتُ للمال آفاقَه
عَمانَ فحمصَ فأُورَى شَلَم[55]
أي: طفتُ في الآفاق لأجل المال.
هذا، وأحمده تعالى على أنَّه وفَّقني لشرح أحد الأفعال العربية الذي عُرِفَ في العصر الجاهلي، ومن ثَمَّ شاع في العصور التالية، كما ذُكِرَ في كتابه العزيز الذي نزل بلسان عربيٍّ مبين.
(معناه ولزومه وتعدِّيه بالأحرف)
د. أورنك زيب الأعظمي[1]
من الأفعال العربية الشائعة في العصر الجاهلي ما تُرِكَ ولم يُورده الشعراءُ بعد العصر الجاهلي، ومنها ما بقِيَ استعماله، ولكن تغيَّر مدلوله أو تدرَّج، ومنها ما بقي استعماله على معناه المتداول المعروف في الجاهلية، فمن الأفعال التي كانت شائعة في العصر الجاهلي وبقي استعمالها في العصور التالية: فعلُ (طَافَ يَطُوْفُ طَوَافًا)، ولو تقلَّص نطاق استعماله، ففي الصفحات التالية أحاول الحديثَ عن هذا الفعل الثلاثي المجرَّد، ومختلف معانيه، ولزومه وتعدِّيه بنفسه وبالأحرف الجارَّة، كما أشير إلى أفعاله المزيد فيها ودلالاتها.
فطَافَ يَطُوْفُ طَوفًا وطَوَافًا وتَطْوافًا: ألمَّ به وغشَّاه، ودار حوله؛ فقال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي
لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعادِ[2]
وقال معن بن أوس:
تأوَّبه مكذوبةٌ شُبِّهتْ له
وطاف خيالٌ طاف من أمِّ أسودا[3]
وقال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه
كطوفِ النصارى ببيت الوثن[4]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فلمَّا خرَّ عند القوم طافوا
به وأبانَه منهم عريفُ[5]
وأما معنى الدوران حول الشيء فشائع جدًّا؛ كما قال الحارث بن مُضاض الجرهمي:
وكنَّا ولاةَ البيت من بعد نابتٍ
نطوف بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ[6]
وقال النابغة الذبياني:
على ظهرِ مِبناةٍ جديدٍ سيورُها
يطوف بها وسطَ اللطيمة بائع[7]
وقال أبو ذؤيب الهذلي:
فطاف بها أبناءُ آل معتَّبٍ
وعزَّ عليهم بيعُها واغتصابُها[8]
وقد يخلو من هذا المعنى ليدلَّ على المشي فقط كما قال الْمُزَرِّد:
وأحبسها ما دام للزيت عاصرٌ
وما طاف فوق الأرض حافٍ وناعل[9]
ومنه أطاف به: أحاط به؛ كما قال امرؤ القيس:
أطافتْ به جَيلانُ عند قِطاعه
تردَّد فيه العينُ حتى تحيَّرا[10]
وقال بشر بن أبي خازم الأسدي:
كأنَّ على أنسائها عِذقَ خَصبةٍ
تَدَلَّى من الكافور غيرَ مُكَمَّم
تُطيف به طورًا وطورًا تلطُّه
على فرجِ محرومِ الشراب مُصَرَّم
تشبُّ إذا ما أدلج القومُ نيرةً
بأخفافها من كلِّ أمعزَ مُظلِم[11]
وقال بشر أيضًا:
أبو صبية شُعثٍ يُطيف بشخصه
كوالحُ أمثالُ اليعاسيب ضُمَّرُ[12]
وقال الراعي النميري:
كأنَّ بقايا الجيش جيش ابن باعج
أطاف بركنٍ من عماية فاخر[13]
ومنه قول عبدالدار بن حُدَيب (حازي جهينة):
ولقد أردتُ بأن تُقام بنيَّةٌ
ليست بحُوبٍ أو تُطيف بمأثم[14]
أي: هي بريئة من أيِّ مأثم.
وكذا قول المسيب بن علس:
فإذا أطفتَ بها أطفتَ بكلكلٍ
نبضِ الفرائض مُجفَر الأضلاع[15]
وهكذا يتعدَّى بها الاستفعال منه، ويدلُّ على نفس المعنى؛ كما قال خفاف بن ندبة:
ومرصدٍ خائفٍ لا يستطيف به
من المُسامح إلا المشفق الخالي[16]
وللطواف أربعُ صلات؛ وهي الباء وعلى وفي، فطاف به يعني: ألمَّ به، وأحاط به، ودار حوله، وقرعه ليلًا، واستدار حوله؛ فللإلمام به قول أمية بن الأسكر الكِناني:
قومٌ إذا قذَعُ الأقوال طاف بهم
ألقى العصيَّ عضي الجهل باريها[17]
وللإحاطة بالشيء قول عدي بن زيد العبادي:
لا تنسين ذِكْرِي على لذة ال
كأس وطَوفٍ بالخَذوف النَّحُوص[18]
ومنه للكرى كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
فلاةٍ قد سريتُ بها هُدُوءًا
إذما العين طاف بها كَرَاها[19]
وللطواف حوله قول قيس بن ذريح:
فلا والذي مسَّحتُ أركانَ بيته
أطوف به فيمن يطوف ويحصب
نسيتُك ما أرسى ثَبِيرًا مكانه
وما دام جارًا للحَجُون المُحَصَّب[20]
ولذا يقال طَافَ حوله؛ كما قال زهير بن أبي سلمى:
فأقسمتُ بالبيت الذي طاف حوله
رجالٌ بنَوه من قريش وجرهمِ
وباللات والعزَّى التي يعبدونها
بمكة والبيت العتيق المكرَّمِ[21]
وقال الشاعر يصف قرة بقلة الميرة:
كأنَّ فداءها إذ جرَّدوه
وطافوا حوله سُلَكٌ يتيم[22]
وللقرع ليلًا قول زبَّان بن سيَّار شاعر جاهلي:
ألم يَنْهَ أولادَ اللقيطة علمُهم
بزبَّانَ إذ يهجونه وهو نائم
يطوفون بالأعشى وصُبَّ عليهم
لسانٌ كصدر الهندواني صارم[23]
وللاستدارة حول أحد؛ كما قال الأعشى الكبير:
يطوف العفاةُ بأبوابه
كطوفِ النصارى ببيت الوثن[24]
وقال لبيد بن ربيعة:
أو ذو زوائد لا يُطافُ بأرضه
يغشى المُهجهجَ كالذَّنوب المُرسَل[25]
وقال نهار بن توسعة:
تطيف به قحطان قد عصبت به
وأحلافها من حيِّ بكر وتغلب[26]
ومنه قول ليلى الأخيلية:
فعفاتُه لهفى يطوفون حوله
كما انقضَّ عرشُ البئر والوردُ عاصب[27]
فالطواف حوله هو الطواف به.
وربما يأتي للمصاحبة؛ كما قال المتلمس الضبعي:
رميتُ بها حتى رأيتُ مدادَها
يطوف بها التيَّار في كلِّ جدول[28]
ومنه أطاف به؛ أي: ألمَّ به ليلًا؛ كما أنشد أبو الجراح:
أطفتُ بها نهارًا غير ليلٍ
وألهى ربَّها طلبُ الرجال[29]
ومن هنا تدرَّج لكل مجيء مفاجئ؛ كما قال ذو الإصبع العدواني:
أطاف بنا ريبُ الزمان فداسنا
له طائف بالصالحين بصير[30]
وكذا يعني: طَافَ حوله؛ كما قال قيس بن الحدادية:
فما نطفةٌ[31] بالطود أو بضرية
بقيةُ سيلٍ أحرزتْها الوقائع
يطيف بها حرَّان صادٍ ولا يرى
إليها سبيلًا غيرَ أنْ سيطالع
بأطيبَ من فيها إذ جئتُ طارقًا
من الليل واخضلَّتْ عليك المضاجع[32]
وقالت الخنساء:
وما عَجولٌ على بوٍّ تُطيف به
لها حنينان إعلانٌ وإسرار
يومًا بأوجد مني يوم فارقني
صخرٌ وللدهر إحلاء وإمرار[33]
وقال ذو الرمة:
كأنها خاضبٌ زُعرٌ قوادمُه
أجنى له باللِّوى شرْيٌ وتَنُّومُ
صعدٌ كأنَّ جناحَيه وجؤجوه
بيتٌ أطافتْ به خرقاء مهجوم[34]
ومنه طَوَّفَ به؛ كما قال نهشل بن حري:
وقد طوَّفتُ بالآفاق حتى
سئمت النضَّ بالقُلُص العتاق[35]
وأما طَافَ عليه فيعني: ألمَّ به ليلًا؛ كما قال عبيد بن الأبرص:
طاف الخيالُ علينا ليلةَ الوادي
لآلِ أسماءَ لم يُلمِمْ بميعاد[36]
وقال أبو الطمحان القيني:
أذلك أم جأبُ النُّسالة قارحٌ
يطوف على وُرقٍ خِفافٍ حوائل[37]
وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17 - 20].
وجاء في الحديث: ((أنه كان يطوف في ليلةٍ على نسائه ويغتسل من كلِّ واحدة منهن غسلًا، فسُئل عن ذلك فقال: إنه أذكَر))[38].
وكذا يعني: حام حوله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 58].
ومنه الاستطافة عليه؛ كما قال الفرزدق:
فأبلتْ أُواريَّ حيث استطا
فَ فُلُوُّ الجيادِ على المِروَد[39]
وكذا يعني: استدار عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [الطور: 23 - 25].
ومنه الإطافة عليه؛ كما قال أبو خراش:
تُطيفُ عليه الطيرُ وهو مُلَحَّبٌ
خلافَ البيوت عند مُحتَمَلِ الصَّرم[40]
ومنه طَافَ عليه به: قدَّمه عليه في دائرة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ﴾ [الصافات: 40 - 47].
وقال أيضًا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الزخرف: 69 - 71].
أما أطاف عليه، فيعني: طاف عليه؛ كما قال أبو خراش:
تُطيفُ عليه الطيرُ وهو مُلَحَّبٌ
خلافَ البيوت عند مُحتَمَلِ الصَّرم[41]
وقال وضاح اليمن يفتخر بقومه:
تُطيفُ علينا قهوةٌ في زجاجةٍ
تُريك جبانَ القوم أمضى من الأسد[42]
ومنه السعي عليه؛ كما قال عدي بن زيد العبادي:
خيرٌ لها إنْ خشيتْ حَجرةً
من ربِّها زيدِ بن أيُّوبِ
متكئًا تُقرَعُ أبوابُه
يسعى عليه العبدُ بالكوبِ[43]
وقال طرفة بن العبد:
فظلَّ الإماءُ يمتللنَ حوارها
ويُسعى علينا بالسديف المُسَرهد[44]
وقال حسَّان بن ثابت الأنصاري:
ولقد شربت الخمر في حانوتها
صهباء صافية كطعم الفلفل
يسعى عليَّ بكأسها مُتنطفٌ
فيُعلُّني منها ولو لم أنهل[45]
والإدارة عليه؛ كما قال امرؤ القيس:
تُدارُ علينا بالسديف صِحافُنا
ويُؤتى إلينا بالعبيط المثمَّل[46]
وقال عنترة بن شدَّاد:
ألَا إنها نعم الدواء لشاربٍ
ألَا فاسقنيها قبل ما أنت تخرج
فنُضحي سكارى والمُدام مصفَّفٌ
يُدار علينا والطعام المطبهَج[47]
وقال الفرزدق:
وغيدٍ من الإدلاج تحسب أنهم
سُقُوا بنتَ أحوالٍ تُدار على الشرب
تميل بهم حينًا وحينًا تُقيمهم
وهنَّ بنا مثلُ القداح من القُضب[48]
وأما طَافَ فيه، فيعني: سار فيه؛ كما قال أبو طالب عمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم:
ويبني لأفناء العشيرة صالحًا
إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد[49]
وقال الفرزدق:
وقالت: ألَا طُفْ في صديقك فالتمِسْ
شَعِيبينِ يربو ساعةً مَنْ سقاهما[50]
وأما طَوَّفَ فيه، فيعني: استدار حوله؛ كما قال المُزَرِّد:
فطوَّف في أصحابه يستثيبهم
فآب وقد أكدتْ عليه المسائل[51]
وكذا يعني: ووري به؛ كما قال الشاعر:
يطفنَ بأحمال الجِمال غديَّةً
دريجَ القطا في القزِّ غير المشقَّق[52]
واطَّوَّف به: طاف به؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 158].
وقال: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 29].
وطَافَ له: طاف لأجله؛ كما قال الفرزدق:
أرى الناسَ إذ خلَّى ابنُ ليلى مكانَه
يطوفون للغيث الذي مات وابلُه[53]
وقد يأتي متعديًا بنفسه؛ كما قال طرفة بن العبد:
تعيَّرني طَوفي البلادَ ورحلتي
ألَا ربَّ يومٍ لي سوى حُرِّ دارِك[54]
كما يتعدَّى لمفعولين تدخل على مفعوله الثاني اللام؛ فقال الأعشى الكبير:
وقد طفتُ للمال آفاقَه
عَمانَ فحمصَ فأُورَى شَلَم[55]
أي: طفتُ في الآفاق لأجل المال.
هذا، وأحمده تعالى على أنَّه وفَّقني لشرح أحد الأفعال العربية الذي عُرِفَ في العصر الجاهلي، ومن ثَمَّ شاع في العصور التالية، كما ذُكِرَ في كتابه العزيز الذي نزل بلسان عربيٍّ مبين.

تعليق