#شيء_من_اللغة: ما بين الانطلاق والذهاب من الاختلاف

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9082

    #1

    #شيء_من_اللغة: ما بين الانطلاق والذهاب من الاختلاف

    #شيء_من_اللغة:

    ما بين الانطلاق والذهاب من الاختلاف








    د. هادي حسن حمّودي




    كتب لي صديق عزيز أنه قرأ أن الخليل رأى أن (ذهب) و(انطلق) مختلفان لفظا متفقان معنىً، وأنّ الموجدة والوجدان، متفقان لفظا مختلفان معنىً. وطلب رأيًا.
    جوابي:

    تحدثنا عن هذا من قبل، لكن، لا بأس من شيء من الاختصار النافع وإضافة ضرورية:

    في (الكتاب) المنسوب لسيبويه تناول الخليل الألفاظ بحسب مواقعها النحوية، فالأفعال: جاء، أتى، قدم، في مختلف الجمل هي أفعال ماضية فلما كانت تشير إلى معنى متقارب فهي مختلفة الألفاظ ومتفقة المعنى (النحوي) لأن المحاضرة محاضرة نحو. وإلى اليوم ترى النحوي يعرب الجملة: غرد الجمل فوق غصن الشجرة،. تعنيه مواقع الإعراب، ولا يعنيه أيّ معنًى تحمله الجملة.

    أما الآن فلننظر في الذي ذكرتَه.

    (ذهب) و(انطلق) من حيث اللغة لفظان مختلفان معنًى كما هما مختلفان لفظًا. والخليل لم يوحّد بينهما في المعنى. فلم يذكر شيئا من ذلك في كتاب العين (ذهب). أما في (طلق) فقد قال: الانطلاق: سرعة الذهاب في المحنة. واكتفى صاحب المختصر بسرعة الذهاب (2/730) وهذا هو المعنى الصحيح. وإليكه موجزا:

    الذهاب غير الانطلاق. فلهذا الأخير دلالات تقترب حينا من معنى الذهاب ولكنها لا تنطبق عليه، وتبتعد حينا آخر. فمن الاقتراب الآية: (سيقولُ الـمُخَلَّفونَ إذا انطلقتُم إلى مَغانِمَ لتأخذوها) فهو ذهاب بسرعة، وليس ذهابا فحسب. وهذا لا يشبه قولك: يذهب فلان إلى المدرسة متباطئا متكاسلا.

    ومن الثاني: (ولا ينطلقُ لساني) فليس فيه معنَى الذهاب. وقولك: وقد ذهب الفلاسفة إلى القول بكذا، لا يعني أنهم انطلقوا إلى ذلك القول. ولا دليل على معنى الانطلاق في: (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) و(وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الارْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ). إذ لا يصح: انطلق الله بنورهم، ولا: وإنّا على انطلاق به لقادرون.

    الانطلاق يبدأ فجأة ومن نقطة محددة، وليس كذلك الذهاب.

    أما دلالة اللفظين المتّفقَين على معنيين مختلفين، فقد مثلوا له في وَجد ومنه الموجِدة التي هي نوع من أنواع الغضب، ووجد فلانٌ الشيءَ بعد أنْ فَقَده.
    غير أنا نلمح في هذا القول شيئا من عدم الدقة. فالجذر (وجد) دالّ على شيء تجده. فإذا غضبت على أحد فإنك (تجد) في نفسك الغضب عليه. تماما كما يضيع منك شيء فتجده. ومن أجل التفرقة بينهما جاء من الغضب (وَجَدْتُ عليه مَوْجِدة) ومن العثور على الضائع: وجدته وِجْدانا. فأسلوب التعبير مختلف بينهما.

    إنّ معنى الموجدة لم يأتِ للّفظ من اللّفظ بحدّ ذاته، وإنّما من تركيب الجملة، فقولك: وَجَدْتُ عليه، بمعنى غضبت، يختلف تركيبه عن قولك: وجدتُ الشيء بعد فقدانه. فلفظة (عليه) هي التي منحت اللفظة ذلك المعنَى فرعًا لا أصلا وتفريعا لا تأصيلا.

    هل لك أن تقول: ذهب فلان مسرعا؟
    نعم.
    أمّا انطلق فتتضمن الإسراع من غير حاجة لبيانه، فإن وصفته: انطلق فلان مسرعا، أو بسرعة، فلست بمخطئ فقد أردت المبالغة، ولكن تعبيرك لا يرقى إلى فصاحة الوجيز : (انطلق فلان).




    المصدر

يعمل...