#شيء_من_اللغة:
العلاقة بين الجذر اللغوي (ع ب ط) والمعنى (أبله غير ناضج)
د. هادي حسن حمودي
(1)
قرأت أن مجمعا لغويا أصدر فتوى جديدة بفصاحة كلمة (استعبط) بالمعنى المبين أدناه. فأحببت أن أرى النص، فوجدت في (غوغل): أجاز المجمع اللغوي استخدام كلمة "استعبط" في اللغة العربية. لأن عبارة "رجل عبيط"، ذكرت في المعجم الوسيط، ومعناها (أبله غير ناضج) ومن ثم فإن فعل استعبط هو أخذ من الصفة. وأن كلمة "استعبط " فلان فلانا، تعني أنه ظنه عبيطاً، والمضارع منها يستعبط، ومصدره استعباط. وأن الفعل "استعبط" يأتي على وزن "استفعل" للدلالة على الظن أو الجعل إذا كان متعديًا، وإن جواز ماضيه استعبط يجيز مضارعه "يستعبط" ومصدره "استعباط".
(2) حوار:
صحيح هم (مجمع الخالدين) ونحن جماعة الفانين لا لأننا من أتباع مسيو فراتنس فانون ( Frantz Fanon) ولا من الخارجين على القانون، بل لأننا من المقصودين بالآية: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)(سورة الرحمن 26-27).
ولا أظن مانعا يمنع الفانين من مناقشة الخالدين، خاصة أن هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم الذي نزل للفانين، لأن لا أحدَ خالدٌ في هذه الدنيا (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)(سورة الأنبياء 34).
لا علاقة بين الجذر اللغوي (ع ب ط) ومعنى (أبله غير ناضج) مطلقا، بغض النظر عن ضعف التعبير نفسه لا حسب اللغة الفصيحة، فقط، بل حسب اللغة الصحيحة أيضا، بل إن لغة الصحف الرصينه ترفضه، أيضا. ذلك لأن الإنسان ليس ثمرة كي يُقال عنه (في لغة مجمعية يُفتَرَض أن تكون رصينة) إنه ناضج أو غير ناضج، فحتى العنب غير الناضج يقال له: حصرم.
وقد تسأل: وما مرتكزهم في صحة المعنى؟
الجواب: ذكروا المعجم الوسيط، وهو من إصدارهم، هم أيضا، من غير بيان المصادر التي أخذوا منها المعنى وجعلوه في المعجم الوسيط.
ولننظر الآن في المعجمات العربية لبيان معنى الاستعباط.
• نبدأ من كتاب العين للخليل، من القرن الثاني للهجرة وننتهي بلسان العرب لابن منظور المصري (630-711هــ).
• العين 4/165 ط، مسقط: عَبَطْتُ الناقة: ذبحتها من غير داء، وهي سمينة فتيّة. والرجل: يعبط الأرض: يحفرها. والعبيط: كل من بدأ بحفر أو نحر أو ذبح. ومات فلانٌ عَبْطَةً، أي: شابّا صحيحا. ولحم عبيط: طريّ، وكذلك دم عبيط. وزعفرانٌ عبيط: شبيه بلون الدم.
• واستخلص ابن فارس مما جاء في العين، وجمهرة ابن دريد، ومجمل اللغة، وغيرها، ما قرره في مقاييس اللغة 4/211 من أن العبط: الشدّة التي تصيب المرء من غير استحقاق، كظلم يقع عليه، مأخوذ من ذبح الناقة وهي صحيحة من غير داء ولا كسر. والعبيط: الطريّ من كل شيء. ومات فلان عَبْطَةً، أي شابا سليما، واعتبطه الموت، قال الشاعر:
من لم يمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرمًا
للموت كأسٌ فالمرء ذائقها
• وأعاد ابن منظور تلك المعاني مع إضافات. وكل ما ورد في لسان العرب لا علاقة له بالمعنى الذي افترضوه، بأي شكل من الأشكال. ومن ذلك الحديث: (مُرِيْ بَنِيْكِ لا يَعْبِطُوْنَ ضُرُوْعَ الغَنَم) أي لا يَعْصِرونها إلى أن يخرج الدم منها، وهو من العبيط بمعنى الدم الطري.
• وفي حال أنك قد حفرت الأرض مثلا فأنت (عابط، وعبيط) وهي (العبيطة والمعبوطة) أي المحفورة.. وهكذا في باقي الاستعمالات.
** فأين المعنى الذي قالوه (الأبله غير الناضج) من كل هذه الاستعمالات الصحيحة؟
** يبقى السؤال: لماذا نشوّه اللغة، تارة، بمصطلحات أعجمية بلا ضرورة تفرضها ولا حاجة تقتضيها، وتارة بصبّ الاعوجاج على لغة لا ترتضيه؟
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المصدر
العلاقة بين الجذر اللغوي (ع ب ط) والمعنى (أبله غير ناضج)
د. هادي حسن حمودي
(1)
قرأت أن مجمعا لغويا أصدر فتوى جديدة بفصاحة كلمة (استعبط) بالمعنى المبين أدناه. فأحببت أن أرى النص، فوجدت في (غوغل): أجاز المجمع اللغوي استخدام كلمة "استعبط" في اللغة العربية. لأن عبارة "رجل عبيط"، ذكرت في المعجم الوسيط، ومعناها (أبله غير ناضج) ومن ثم فإن فعل استعبط هو أخذ من الصفة. وأن كلمة "استعبط " فلان فلانا، تعني أنه ظنه عبيطاً، والمضارع منها يستعبط، ومصدره استعباط. وأن الفعل "استعبط" يأتي على وزن "استفعل" للدلالة على الظن أو الجعل إذا كان متعديًا، وإن جواز ماضيه استعبط يجيز مضارعه "يستعبط" ومصدره "استعباط".
(2) حوار:
صحيح هم (مجمع الخالدين) ونحن جماعة الفانين لا لأننا من أتباع مسيو فراتنس فانون ( Frantz Fanon) ولا من الخارجين على القانون، بل لأننا من المقصودين بالآية: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)(سورة الرحمن 26-27).
ولا أظن مانعا يمنع الفانين من مناقشة الخالدين، خاصة أن هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم الذي نزل للفانين، لأن لا أحدَ خالدٌ في هذه الدنيا (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)(سورة الأنبياء 34).
لا علاقة بين الجذر اللغوي (ع ب ط) ومعنى (أبله غير ناضج) مطلقا، بغض النظر عن ضعف التعبير نفسه لا حسب اللغة الفصيحة، فقط، بل حسب اللغة الصحيحة أيضا، بل إن لغة الصحف الرصينه ترفضه، أيضا. ذلك لأن الإنسان ليس ثمرة كي يُقال عنه (في لغة مجمعية يُفتَرَض أن تكون رصينة) إنه ناضج أو غير ناضج، فحتى العنب غير الناضج يقال له: حصرم.
وقد تسأل: وما مرتكزهم في صحة المعنى؟
الجواب: ذكروا المعجم الوسيط، وهو من إصدارهم، هم أيضا، من غير بيان المصادر التي أخذوا منها المعنى وجعلوه في المعجم الوسيط.
ولننظر الآن في المعجمات العربية لبيان معنى الاستعباط.
• نبدأ من كتاب العين للخليل، من القرن الثاني للهجرة وننتهي بلسان العرب لابن منظور المصري (630-711هــ).
• العين 4/165 ط، مسقط: عَبَطْتُ الناقة: ذبحتها من غير داء، وهي سمينة فتيّة. والرجل: يعبط الأرض: يحفرها. والعبيط: كل من بدأ بحفر أو نحر أو ذبح. ومات فلانٌ عَبْطَةً، أي: شابّا صحيحا. ولحم عبيط: طريّ، وكذلك دم عبيط. وزعفرانٌ عبيط: شبيه بلون الدم.
• واستخلص ابن فارس مما جاء في العين، وجمهرة ابن دريد، ومجمل اللغة، وغيرها، ما قرره في مقاييس اللغة 4/211 من أن العبط: الشدّة التي تصيب المرء من غير استحقاق، كظلم يقع عليه، مأخوذ من ذبح الناقة وهي صحيحة من غير داء ولا كسر. والعبيط: الطريّ من كل شيء. ومات فلان عَبْطَةً، أي شابا سليما، واعتبطه الموت، قال الشاعر:
من لم يمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرمًا
للموت كأسٌ فالمرء ذائقها
• وأعاد ابن منظور تلك المعاني مع إضافات. وكل ما ورد في لسان العرب لا علاقة له بالمعنى الذي افترضوه، بأي شكل من الأشكال. ومن ذلك الحديث: (مُرِيْ بَنِيْكِ لا يَعْبِطُوْنَ ضُرُوْعَ الغَنَم) أي لا يَعْصِرونها إلى أن يخرج الدم منها، وهو من العبيط بمعنى الدم الطري.
• وفي حال أنك قد حفرت الأرض مثلا فأنت (عابط، وعبيط) وهي (العبيطة والمعبوطة) أي المحفورة.. وهكذا في باقي الاستعمالات.
** فأين المعنى الذي قالوه (الأبله غير الناضج) من كل هذه الاستعمالات الصحيحة؟
** يبقى السؤال: لماذا نشوّه اللغة، تارة، بمصطلحات أعجمية بلا ضرورة تفرضها ولا حاجة تقتضيها، وتارة بصبّ الاعوجاج على لغة لا ترتضيه؟
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المصدر
