#شيء_من_اللغة:
جرأة على فصيح القول
د. هادي حسن حمّودي
قبل سنوات نشرت حلقة للرد على من زعم أن في الآية:
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ...) (سورة البقرة 177) خطأ مقررا أن القرآن أتى باسم الفاعل بدلا عن المصدر. وتجرأ فأوجب على القرآن أن يقول: (ولكنّ البر أن تؤمنوا بالله. لأن البر هو الإيمان لا المؤمن).
جوابي:
* * لا عتب على ذاك
* * وأيضا لا عتب على مُدَكْتَرٍ بالنحو من كلية دينية كتب أنه يرفض الإخبار باسم الذات عن اسم المعنى وأنه يعدّ ذلك من أسوأ أساليب التعبير.
لم أتعجب ولم أستغرب، فهذا (المرحوم) كان قد شغل نفسه بمحاولات تسقيط الآخرين ممن يشاركونه اختصاص دكترته، بدلا من استقراء فصيح الكلام.
** ولا يشفع له أن القدماء لم يرتضوا الإخبار باسم المعنى عن اسم الذات، فقدروا محذوفا هو (ذا) فيكون النص الصحيح، عندهم: (ولكنّ / ذا / البِرّ من آمن.. إلى آخره). وزاد فقال: إنه يرى التقدير: (ولكنّ البرَّ إيمان مَن آمن..) فيكون (إيمان) خبر لكنّ.
وتفضل معي، إن شئت وأحببت:
إن الآية لا تحوجهم إلى التدخل فيها بإضافات اعتبروها تقدير محذوف اختلفوا فيه، كما في كتب التفسير وإعراب القرآن، مثلا. وانظر مغني اللبيب 158- 159 – 586 وغيرها من غيره.
ومن أجل التوضيح أبدأ ببيان مفهوم المصطلحين النحويين: اسم ذات واسم معنى.
* اسم ذات، يسمى، أيضا: اسم عين. يعني الماديات التي يمكن أن ترسم، مثل الرجل، والأرض، والنباتات والحيوانات، وما إليها.
* اسم معنى، يعني المعنويات التي لا يمكن أن تتجسد في رسم، مثل: الكرم والبخل والشجاعة، وما إليها.
الآراء المذكورة في الأعلى استشكل أصحابها على الآية إذ وهموا أنها أخبرت عن اسم معنى (البِرّ) باسم ذات (من آمن). ولنبدأ بمناقشة تلك الأقوال:
1- من زعم أن القرآن (أتى بإسم الفاعل بدلا عن المصدر) أخطأ فليس في الآية اسم فاعل. فـ(من آمن) الواردة في الآية، ليست اسم فاعل وليست مصدرا. ونظرا لجهله اللغوي جعل (الإيمان) مصدرا بدلا من (إيمانكم) الذي يقتضيه (أن تؤمنوا) على فرض صحة مؤاخذته التي لا صحة لها. إضافة إلى إشكالات أخرى ذكرناها في الحلقة المشار إليها.
2- تجاهل عديد من النحويين وقوع المصدر خبرا عن اسم الذات، بالرغم من قول الخنساء:
ترتعُ ما رتعتْ حتى إذا ادّكرت
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
فقد أخبرت الشاعرة عن اسم الذات، الناقة أو البقرة، بالمصدر: إقبال وإدبار.
كما تجاهلوا إجازة الخليل له على سعة الكلام. ومثله: نهارُك صائمٌ، وليلُك قائم. (انظر الكتاب 1/337).
وسعة الكلام عند الخليل، تعني أنك إذا وصفت صاحبك بأنه صائم نهارا قائم ليلا، فلم تزد على أن وصفته بما يشترك فيه مع مجموع من الناس، وليس من دلالات هذا التعبير أن يكون وصفا عامّا شاملا لكل ساعات نهارات صاحبك ولياليه. فقد يفطر أحيانا، وقد يقوم بعض الليل، لا الليل كله. أما تعبير: نهارك صائم وليلك قائم، فلا يقبل إفطارا في نهار ولا إغفاءة في ليل.
* * نتناول الموضوع من الجانب الآخر: إذا أردت أن تثني على صاحبك بالوفاء، مثلا، فأمامك عدد من أساليب التعبير عن هذا المعنى:
أ- أنت وفيّ // وفيّ أنت (وصف اعتيادي يشترك فيه مع غيره).
ب- أنت الوفاء (وصف بليغ فيه عمق أكثر من الأول وكأنك ترى صاحبك أكثر وفاء ممن عرفت من الناس).
ج- الوفاء أنت. (كأنك أخذت الوفاء وذوّبته في صاحبك. فتجسّد به الوفاء فصار هو الوفاء جسدا وروحا).
في الآية الكريمة: البِرّ بكسر الباء مثل ما مر في (ج) قد تجسّد في الذي آمن بما ذكرته الآية الكريمة والتزم به التزاما تاما.
ومن المؤكد أن ثمة فروقا دلالية بين البِرّ بكسر الباء، كما مرّ في الآية، والبَرّ بفتحها كما في: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) وفي: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) والبارّ بوالديه مثلا. وما كلّ بارٍّ بَرّا.
ولك أن تنظر مناقشة موسعة بشأن الآية في (آيات القرآن في ضوء النقد اللغوي - دار نبيور، 2022م).
المصدر
جرأة على فصيح القول
د. هادي حسن حمّودي
قبل سنوات نشرت حلقة للرد على من زعم أن في الآية:
(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ...) (سورة البقرة 177) خطأ مقررا أن القرآن أتى باسم الفاعل بدلا عن المصدر. وتجرأ فأوجب على القرآن أن يقول: (ولكنّ البر أن تؤمنوا بالله. لأن البر هو الإيمان لا المؤمن).
جوابي:
* * لا عتب على ذاك
* * وأيضا لا عتب على مُدَكْتَرٍ بالنحو من كلية دينية كتب أنه يرفض الإخبار باسم الذات عن اسم المعنى وأنه يعدّ ذلك من أسوأ أساليب التعبير.
لم أتعجب ولم أستغرب، فهذا (المرحوم) كان قد شغل نفسه بمحاولات تسقيط الآخرين ممن يشاركونه اختصاص دكترته، بدلا من استقراء فصيح الكلام.
** ولا يشفع له أن القدماء لم يرتضوا الإخبار باسم المعنى عن اسم الذات، فقدروا محذوفا هو (ذا) فيكون النص الصحيح، عندهم: (ولكنّ / ذا / البِرّ من آمن.. إلى آخره). وزاد فقال: إنه يرى التقدير: (ولكنّ البرَّ إيمان مَن آمن..) فيكون (إيمان) خبر لكنّ.
وتفضل معي، إن شئت وأحببت:
إن الآية لا تحوجهم إلى التدخل فيها بإضافات اعتبروها تقدير محذوف اختلفوا فيه، كما في كتب التفسير وإعراب القرآن، مثلا. وانظر مغني اللبيب 158- 159 – 586 وغيرها من غيره.
ومن أجل التوضيح أبدأ ببيان مفهوم المصطلحين النحويين: اسم ذات واسم معنى.
* اسم ذات، يسمى، أيضا: اسم عين. يعني الماديات التي يمكن أن ترسم، مثل الرجل، والأرض، والنباتات والحيوانات، وما إليها.
* اسم معنى، يعني المعنويات التي لا يمكن أن تتجسد في رسم، مثل: الكرم والبخل والشجاعة، وما إليها.
الآراء المذكورة في الأعلى استشكل أصحابها على الآية إذ وهموا أنها أخبرت عن اسم معنى (البِرّ) باسم ذات (من آمن). ولنبدأ بمناقشة تلك الأقوال:
1- من زعم أن القرآن (أتى بإسم الفاعل بدلا عن المصدر) أخطأ فليس في الآية اسم فاعل. فـ(من آمن) الواردة في الآية، ليست اسم فاعل وليست مصدرا. ونظرا لجهله اللغوي جعل (الإيمان) مصدرا بدلا من (إيمانكم) الذي يقتضيه (أن تؤمنوا) على فرض صحة مؤاخذته التي لا صحة لها. إضافة إلى إشكالات أخرى ذكرناها في الحلقة المشار إليها.
2- تجاهل عديد من النحويين وقوع المصدر خبرا عن اسم الذات، بالرغم من قول الخنساء:
ترتعُ ما رتعتْ حتى إذا ادّكرت
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
فقد أخبرت الشاعرة عن اسم الذات، الناقة أو البقرة، بالمصدر: إقبال وإدبار.
كما تجاهلوا إجازة الخليل له على سعة الكلام. ومثله: نهارُك صائمٌ، وليلُك قائم. (انظر الكتاب 1/337).
وسعة الكلام عند الخليل، تعني أنك إذا وصفت صاحبك بأنه صائم نهارا قائم ليلا، فلم تزد على أن وصفته بما يشترك فيه مع مجموع من الناس، وليس من دلالات هذا التعبير أن يكون وصفا عامّا شاملا لكل ساعات نهارات صاحبك ولياليه. فقد يفطر أحيانا، وقد يقوم بعض الليل، لا الليل كله. أما تعبير: نهارك صائم وليلك قائم، فلا يقبل إفطارا في نهار ولا إغفاءة في ليل.
* * نتناول الموضوع من الجانب الآخر: إذا أردت أن تثني على صاحبك بالوفاء، مثلا، فأمامك عدد من أساليب التعبير عن هذا المعنى:
أ- أنت وفيّ // وفيّ أنت (وصف اعتيادي يشترك فيه مع غيره).
ب- أنت الوفاء (وصف بليغ فيه عمق أكثر من الأول وكأنك ترى صاحبك أكثر وفاء ممن عرفت من الناس).
ج- الوفاء أنت. (كأنك أخذت الوفاء وذوّبته في صاحبك. فتجسّد به الوفاء فصار هو الوفاء جسدا وروحا).
في الآية الكريمة: البِرّ بكسر الباء مثل ما مر في (ج) قد تجسّد في الذي آمن بما ذكرته الآية الكريمة والتزم به التزاما تاما.
ومن المؤكد أن ثمة فروقا دلالية بين البِرّ بكسر الباء، كما مرّ في الآية، والبَرّ بفتحها كما في: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا) وفي: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) والبارّ بوالديه مثلا. وما كلّ بارٍّ بَرّا.
ولك أن تنظر مناقشة موسعة بشأن الآية في (آيات القرآن في ضوء النقد اللغوي - دار نبيور، 2022م).
المصدر
