ما جدوى الغموض في الشعر العربي؟

محمد ياسين رحمة
للغموض جماليّاته في الإبداع الشعري عندما يكون مبرَّرًا ويُحدث المتعة التي يرجوها المتلقّي ويوسّع من آفاقه الفكرية والخيالية.. غير أنّه يغدو أشبه بعقوبة له حينما يصبح الغموض هدفًا بذاته يسعى إليه المبدع، فيحوّل نصّه الأدبي إلى تميمة من الطّلاسم يصعب على القارئ فكّها للوصول إلى المعاني المخبوءة فيها إن كانت فيها معاني! وقد خاض النقّاد والباحثون والكُتّاب في مسألة الغموض في الشعر العربي على امتداد العصور، واختلفوا بين قابل له وفق شروط ومعايير وبين رافض له لأسباب واعتبارات، ولعلّ المتلقّي وهو الطّرف الوحيد المعني بالغموض والمُستهلك الأكبر للإنتاج الأدبي لم يكن له رأيٌ في المسألة، وناب عنه النقّاد في ذلك دون انتخابٍ ولا ديموقراطية!
يقول مؤسِّس السوريالية الكاتب والشاعر الفرنسي “أندريه بروتون”: “الخلود هو البحث عن ساعة يدٍ قُبيل منتصف الليل عند الأرض المواجهة للماء”، هذه المقولة قد تُدهش القارئ وتثيره وتحفّز خياله على الجموح في سماوات المعاني بحثا عن معنى يستجلي غموضها وإبهامها. وبصفتي قارئا فإنّني أعترف بأنني لم أصل إلى أيّ معنى، ربّما لقصوري في “الفهم الأدبي” أو لعجزي عن تذوّق الإبداع! غير أن الشاعر والكاتب الأمريكي “أرشبيلد ماكليش” يقدّم رؤيةً تبرّر الغموض حيث يرى أنّ المطلوب من القصيدة هو “أن تكون وليس أن تعني، إنّها تنتمي إلى تجربة ولا تنتمي إلى تفسير”، بمعنى أن الشعر يُخاطب الوجدان أولا وليس مُلزمًا أن يُخاطب العقل والفكر، والشاعر مُطالبٌ بتقديم الصّوَر الشعرية الساحرة وليس تقديم الأفكار المثيرة!
ربّما أنّ القارئ “المسكين” مُطالبٌ بامتلاك حاسّة أخرى – سنسمّيها مجازا “الحاسّة الشعريّة” – تمكّنه من الإحساس بالقصيدة وتذوّقها والاندهاش بها، وليس عليه أن يفهمها ويُفسّرها، لا سيما قصائد هذا العصر التي لا يكاد كُتّابها أنفسهم أن يفهموها.. ثم يحمّلون القارئ مسؤولية “عدم الفهم” أو الكسل والخمول الذهني الذي يمنع من مُطاردة المعاني، وكأنّ القارئَ صيّادٌ حالم والقصيدةُ بريّةٌ للخيال والمعاني غزلانٌ من وميض البرق!
من المتناقضات أنّنا نعترف بضعف المقروئية وتردّي العلاقة بين اللغة العربية والقارئ، ولكننا لم ندرس كل أسباب هذا الضعف والتردّي، فقد يكون الغموض سببًا “وجيهًا” نفَّر القارئ من القراءة، وأوجد العداوة بينه وبين الكِتاب! ويُفترض أنّ واجب الأديب والمبدع أن يوطّد العلاقة بين القارئ واللغة والكِتاب والقراءة! بل واجبه أن يغوي القارئ ويورّطه في القراءة إلى الدرجة التي تصير فيها عنصرًا أصيلا من يومياته..
وحتى لا نظلم الشعر والشاعر والقصيدة، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب والباحثين بهذه التساؤلات: ما هي رؤيتكم للغموض في الأدب العربي المعاصر؟ وهل أنتم من أنصاره؟ وهل تعتقدون بأنّه يرتقي بالأدب ويحفّز على القراءة أم العكس؟ وهل هو ظاهرة صحيّة أو “مَرَضية”؟ ثم ألا يكون الغموض عائقًا أمام الوعي الأدبي والمعرفي عموما الذي يتطلّب الوضوح الذي لا يُخلّ بالعناصر الجماليّة في التعبير الأدبي واللغوي؟ وهل تعتقدون بأنّ الغموض قد يكون ستارا يتخفّى خلفه المُبدعون “المزيّفون” الذين يتّهمون القارئ بسوء الفهم إذا لم “يفهم” أو يتذوّق ما يكتبون؟
وأنت عزيزي القارئ ألستَ معنيًّا بمسألة الغموض في الشعر والأدب العربي؟ أم أنّك تركتَ شأن الحديث في هذه المسألة للنقّاد والباحثين والدارسين، رغم أنّك المعني بتلقّي ما يكتبه الشعراء والكُتّاب فهم لا يكتبون من أجل أنفسهم على كل حال! ولن أطيل الكلام فخير الكلام ما قلّ ودلّ.
ارحمونا من تسوّلكم اللفظي ونصوصكم الجرداء!
مروى فتحي منصور
كثيرا ما نسمع التركيب الآتي: في كلامه غُموضٌ، وفي “لسان العرب” تفسير غموض الكلام هو: الإِبهَام، أي عدم الوُضوحِ، ومن يوضِّح غُموضه: يجعله سهلاً..
وفي النصوص الأدبية أو القطع الفنية أيًّا كان شكلها نجد توجُّهَين أثناء عملية التلقّي، أحدهما الغموض والآخر هو البساطة، وينتشر كلا منهما وفقا لعوامل مساندة لهذين الاتجاهين، فهل أحدهما سلبي والآخر إيجابي بشكل مطلق؟ أم أن الأمر لا يصحّ تناوله في بوتقة هذه الأحكام؟
عندما ترى أمرا غامضا بعموم التناول حتى لو كانت لعبة أطفال أو مسألة رياضية أو حبكة مسرحية أو رواية أو فيلما سينمائيًّا.. يشدك إليه ويستفز ذكاءك لاكتشاف الثغرات التي تركت في إدراكك حُجُبا بينك وبين الشيء فتسعى إلى تفكيكها وتحليلها وإعادة بنائها وفق المنطق، وفي طريقك إلى الحل تشعر بلذة الاكتشاف، ولا تعود إلى معاودة الكرة في بحر التناول والتحليل والمناقشة الداخلية الحرة مرغما، بل تشعر بأنك تغوص في عوالم خلق عقلك فقط لاكتشافها وسبر غورها وإخراجها المتلقين العاديين كصورة حلٍّ او إنجاز أو بصورة نص نقدي مواز للنص الأدبي (إن كانت المادة المتناولة بالتحليل نصا أدبيا).
لكن هل حدث أنك نزلت إلى بحر نص يقال أنّه شعر أو رواية أو قصة قصيرة بلغة شعرية ووجدته بحرا لجِّيًّا متلاطم الحروف والكلمات، وخرجت منه دون أن تشعر بأيّ عاطفة أو توجّه أو معنى تحتفظ به في ذاكرتك الوجدانية أو محفظتك الإلكترونية أو الورقية؟ إذن أنت وقعت في نص ذي ثلاث شُعب، لا أمتعك ولا روى ما في قلبك وفكرك من لهب، وتجد الكلمات بمواقعها التراكبية تضرب شررا في عقلك فتصنع تشويشا ذهنيا وتلوّثا بصريا، فلا علاقة يمكن تخمينها تربط بين هذه الكلمات وهذه التراكيب، وهذا النوع من الغموض المفتعل الملتبس على القارئ المثقف والناقد والقارئ البسيط الذي يبحث عن الحكمة والإنسانية والرفعة الوجدانية بطريقة جاذبة ماتعة هو غموض مذموم قولا واحدا، إنه يعني انحدار النص وغيابه عن التلقّي وكأنه لم يكن، أما الغموض المُحبّب هو الذي يترك العقبات ثم يترك المفاتيح للأبواب لتجاوز تلك العقبات، فيتفتح بوّابات النص على مصراعيها مع كل تلق له.
ليس المطلوب من الأدب أن يبتدع لغة غير إنسانية كلغة الجنّ مُستغلقة ضبابية كأنه وحي يوحى إليه من عالم الجن، وليس المطلوب منه أن يكون مباشرا خطابيا إن لم يكن الغرض الأدبي يفرض عليه ذلك!
لكن إن صمت النقاد أمام هذه الحالة المطروحة في النقد المعاصر قسرا على مسامعنا ومكاتبنا وصفحات التواصل الاجتماعي المفروضة علينا.. خجلا لأنهم لا يفهمون النص ولا يقدرون على أن يلعبوا دور الوسيط التفسيري الموازي له لإيصاله إلى العامة لا يجب أن يفهم على أنه تصريح للكتاب بالإغراق في هذا النفق، الذي بدوره يزيد من عزلة الفن الأدبي ويسبب في عزوف القرّاء عن التطوّر والمتابعة لمثل هذه الأعمال.
قد يميل الكاتب أحيانا إلى طرح نفسه كحالة ضبابية لا تحدّها حدود ولا تؤطّرها هوية، فمثلا يقول الشاعر “محمود درويش”، في محاولة لإضفاء الغموض على نفسه وشعره:
طُوبَى لِشَيْءٍ غَامِضٍ
طُوبَى لِشَيْءٍ لَمْ يَصِلْ
وكذلك يقول في موضع آخر:
لَنْ تَفْهَمُونِي دُونَ مُعْجِزَةٍ لِأَنَّ لُغَاتكُمْ مَفْهُومَةٌ
إِنَّ الوُضُوحَ جَرِيمَةٌ
وفي هذا النص أعلن “درويش” تحوّله من الطابع الثوري الخطابي الغنائي الوطني إلى الطابع الوجودي الفلسفي.
لكن التحول إلى الفلسفة الوجودية في الأدب لا يعني التقعّر في اللغة والمعنى وعدم ترك أيقونات مضيئة في عتبات النص ومتنه.
عدم اتضاح الرؤية في ذهن الكاتب وتشتّته بين الفكرة واللغة وإيقاع الحياة المتسارع الذي ينتزعه من حالات التأمل العميق اللازمة لبناء العمل الأدبي تؤدي أحيانا إلى بتر الأجزاء المفصلية والتراكيب المفتاحية التي تعرّي مغزاه وتبيّن مرماه فيقع في الغموض.
لكن أن يصبح الغموض سدًّا مُسلّحا بينه وبين القارئ هذا ما لا يحمد عقباه ويُلقي بالأدب في جزيرة جرداء خالية من الحياة.. ولم يكن مقنعا يوما بأنّ المعنى في بطن الشاعر، وأن الفن للفن، وأن الهدف هو المتعة اللفظية والإيقاعية، وإلا لِم نكتب بلغاتنا! إن كان الشكل كفيلا بإيصالنا إلى المتعة، وما فائدة أن يغرّد طائر ونحن لا نسمعه لانخفاض وتيرة صوته مثلا!
سعى الإنسان منذ القِدم للتعبير عن مشاعره وأفكاره للآخرين، ومن هذا الهدف انطلق إلى رحاب اللغات والفنون والآداب، لذلك تعدّ خاصية الغموض في الشعر العربي المعاصر آفة برأيي يجب التخلّص منها قبل لوم القرّاء والمتلقّين على ضعف تفاعلهم من النصوص الأدبية، فالمتلقي العربي يتوافد بنهمٍ على المواد المسموعة والمرئية على كافة المنصّات التواصلية والرقمية وينهل منها ما يفيده ويعينه على المعرفة ويغذي ذائقته ويوسّع مداركه، فلماذا يعجز عن مواصلة قراءة كتاب أدبي واحد في الشهر مثلا؟!
والجواب واضح ومن ألسنة المتلقّين العرب وهو أن تلك النصوص تتّسم بالغموض وكأنها طلاسم سحرية تحتاج إلى من يفسرها، في الوقت الذي يعزف النقاد عن تفسيرها بسبب غموضها ولجوئهم إلى مناهج أسلوبية ولسانية وإحصائية في النقد.
ومن أهم الأسباب التي تقذف بالكاتب إلى الغموض هو إجبار نفسه على الكتابة في الوقت الذي لا يضخّ عليه عقله بفكرة واضحة ولا ينساب بين حروفه سيلُ لغةٍ طاغٍ يستحوذ على عواطف المتلقي ويؤججها دون تكلف، فتراه مهتما كيف يثبت اسمه على الساحة الأدبية الافتراضية بالذات، يصطاد الكلمات والمصطلحات من كُتّاب آخرين قدماء وجُدد ويلدها قيصريا في نص قاحل لا روح فيه ولا ترابط بين كلماته، فكم من نص لا يقع بين شعر ولا نثر لافتقاره للإيقاع والوزن والجملة الشعرية المتكاملة تعيد قراءاته عشرات المرات ولا تفهم مراد الكاتب أو الكاتبة القيصرية منه، ولا تجتاحك أيّ عاطفة جرّاء اعتراكك معه، فما تفسير ذلك سوى أن منشؤه يعتقد نفسه نجما في سماء الأدب وعلينا أن نتقبّل تسوّله اللفظي العبثي وأن نصفّق له على صنيعه الأجوف!
هل ما زال الأدب مرآة المُجتمع؟
سعاد عبد القادر القصير
تعرّضت البشريّة للعديد من التغيّرات والتّبدلّات نتيجة للتّيارات الفكريّة المختلفة التي عصفت بها على مرّ العصور، منها ما ساهم في تطوّر الإنسانيّة ورقيّها، ومنها ما كان عائقًا، رادعًا، أمام الفكر الإنسانيّ ضمن بيئة مجتمعيّة معيّنة.
فلم يكن الإنسان يومًا مخلوقًا ثابتًا، وحمل معه اللّغة لتكون العنصر المطواع في علاقاته اليوميّة، يعبّر من خلالها عمّا يحمله فكره وثقافته ورؤيته.
لكن، ومع الانفتاح الثّقافي الذي طرأ على العصر الحديث، أصبح الأدب في مأزق، بين اللّغة واللّغة المستوردة. وحيث إنّه لم يعد مناطًا بمجتمع معيّن، يمكن القول إنّ الأدباء المعاصرين قد انقسموا إلى ثلاثة إقسام:
قسم تماشى مع اللّغة اليوميّة التي تعبّر عن البيئة الدّاخليّة، يحاول عرض مشكلاتها، وقسم اندمج مع الخلط بين اللّغة وكلّ ما هوغريب عنها، من أساطير، وكلمات غربيّة، وأفكار فلسفيّة بعيدة عن الفكر العربيّ، وقسم ثالث تشبّث بأبي النوّاس، والمتنبّي، وغيرهم من الأدباء والشّعراء القدماء الذين أصبحت لغتهم لا تشبه لغة شباب اليوم وبيئتهم.
واعتمد أدباء العصر الحديث على هذه الأقسام في اختيار موضوعات الأدب والشّعر التي لا يمكن أن تكون حكرًا على الأديب بقدر ما هي علاقة مشتركة بينه وبين المتلقّي.
فهل متلقّي العصر الحديث يتفاعل مع الأدب والشّعر كما تشتاق له روحه وأهواؤه؟
ما هو معترف به أنّ الشّعر أساسه التّكثيف والموسيقى والصوّر التي تأخذ بالقارئ إلى ما هو أبعد من حدود السّطور والكلمات.
والغموض من لوازم الشّعر الحديث ليرقى به إلى المستوى المبتغى، فينتج عنه معانٍ قيّمة تُشغل بال المتلقّي وتجعله يغوص في عالم الخيال. إذ يقول “أدونيس”:
حيث الغموض أن تحيا
حيث الوضوح أن تموت
وأيضًا، معتمدًا على الأساس الذي يُبنى عليه الشّعر أولًا، وعلى تعدّدية التّأويل التي قال عنها “إيكو” ثانيًا، فكلّما كان الغموض الذي يحيط بالنّص مستفزًّا للمتلقّي، ازدادت التّأويلات المختلفة والاحتمالات المتعدّدة، كلٌّ وفق خلفيّته الثقافيّة والقاعدة الفكريّة التي بنى عليها شخصيّته الإنسانيّة.
والغموض بمفهومه الشّعريّ يطال التّراكيب، والألفاظ، والصّور، والموسيقى.
ومع التّدافع الثّقافي في عالم العولمة، ومع اختراق الثّقافات المتعدّدة للثّقافة العربيّة، لم يعد الغموض مقتصرًا على خدمة الشّعر، حيث أصبح الغموض يتعدّى فكرة الجماليّة ليتحوّل عند البعض إلى طلاسم وشيفرات يصعب على القارئ فكّها، وكأنّها موجّهة لفئة معيّنة من القرّاء معنيّة بهالة الكلام المبهم، وفق ثقافتهم ورؤيتهم دونًا عن غيرهم.
هذا وقد يتطرّق البعض إلى عالم الأساطير وما يتعدّاه من فلسفة الكفر والإيمان التي قد تكون متنافية مع الأديان السّماويّة، فقط لأجل الهوَس بكلّ غريب، ومع جهل بعض القرّاء بهذه التّراكيب من الممكن أن يقعوا بحفرة الكفر دون أن يدرون، أو من يلجؤون إلى التشبّث بالقديم الذي لم يعدّ مفهومًا في اللّغة الحديثة، أومن يصرّ على تطويع كلّ ما هو أجنبيّ في قالب الأدب العربيّ من أجل إيهام الآخرين بأهميّته الثّقافيّة، هذا ما يجعل الشّعر الحديث النّابع من هذه القوقعة، بعيدًا كلّ البعد عن لغة الشّباب واتّصالهم بمجتمعهم، لأنّه ببساطة فقد القدرة على التّفكيك والتّحليل بوجوده أمام شعر أو أدب لا يشبه لسانه، فكيف سيكتشف الأفكار المخفيّة بين قطبان الحروف؟!
إنّ الغموض الذي يحاوط الأسلوب والأفكار، بطريقة تجعل القارئ وكأنّه أمام أحجية يصعب حلّها، يجعله مع الوقت نافرًا منتقدًا للشّعر المعاصر، لدرجة أنّه قد يفقد لذّة الإقبال على ما يشكّل له عالمًا من الحياة. حتى أصبح الشّعر بعيدًا عن مشكلات الحياة، بعيدًا عن الطّرح كما المعالجة، مختنقًا بحبال الجماليّات الوهميّة.
فكيف نحيا حياة لا نفهم معانيها ولا نستطيع الغوص في أمواج جماليّاتها الحقيقيّة؟
ومَن أقنع أدباء عصرنا أنّه كلّما كانت حبكة الغموض متينة، كان الأدب أكثر اشراقًا؟! مَن قال أنّ الحقيقة غير مُقدّر لها أن تطفو على أسطح الإبداع؟!
حتى أنّهم ينتقدون من يقدّم أدبًا بسيطًا شبيهًا بلغة العصر، مُتّهمينها بالرّكاكة والضّعف والاهتزاز. كيف وهي تطوّرت مع الأجيال المتلاحقة حتى وصلت إلينا بصيغتها هذه، وستتابع مسيرتها مع الأجيال القادمة لما يناسب تواصلهم بعضهم ببعض، أوليس الأدب مرآة العصور؟ فكيف يجرؤ البعض على مهاجمة مرآتنا واتّهامها واتّهامنا بما ليس فينا؟ ولماذا يصرّ البعض على وضع اللّغة والأدب والشّعر بقالب الطّلاسم واعتباره قالب الثّقافة وجماليّاتها؟!

محمد ياسين رحمة
للغموض جماليّاته في الإبداع الشعري عندما يكون مبرَّرًا ويُحدث المتعة التي يرجوها المتلقّي ويوسّع من آفاقه الفكرية والخيالية.. غير أنّه يغدو أشبه بعقوبة له حينما يصبح الغموض هدفًا بذاته يسعى إليه المبدع، فيحوّل نصّه الأدبي إلى تميمة من الطّلاسم يصعب على القارئ فكّها للوصول إلى المعاني المخبوءة فيها إن كانت فيها معاني! وقد خاض النقّاد والباحثون والكُتّاب في مسألة الغموض في الشعر العربي على امتداد العصور، واختلفوا بين قابل له وفق شروط ومعايير وبين رافض له لأسباب واعتبارات، ولعلّ المتلقّي وهو الطّرف الوحيد المعني بالغموض والمُستهلك الأكبر للإنتاج الأدبي لم يكن له رأيٌ في المسألة، وناب عنه النقّاد في ذلك دون انتخابٍ ولا ديموقراطية!
يقول مؤسِّس السوريالية الكاتب والشاعر الفرنسي “أندريه بروتون”: “الخلود هو البحث عن ساعة يدٍ قُبيل منتصف الليل عند الأرض المواجهة للماء”، هذه المقولة قد تُدهش القارئ وتثيره وتحفّز خياله على الجموح في سماوات المعاني بحثا عن معنى يستجلي غموضها وإبهامها. وبصفتي قارئا فإنّني أعترف بأنني لم أصل إلى أيّ معنى، ربّما لقصوري في “الفهم الأدبي” أو لعجزي عن تذوّق الإبداع! غير أن الشاعر والكاتب الأمريكي “أرشبيلد ماكليش” يقدّم رؤيةً تبرّر الغموض حيث يرى أنّ المطلوب من القصيدة هو “أن تكون وليس أن تعني، إنّها تنتمي إلى تجربة ولا تنتمي إلى تفسير”، بمعنى أن الشعر يُخاطب الوجدان أولا وليس مُلزمًا أن يُخاطب العقل والفكر، والشاعر مُطالبٌ بتقديم الصّوَر الشعرية الساحرة وليس تقديم الأفكار المثيرة!
ربّما أنّ القارئ “المسكين” مُطالبٌ بامتلاك حاسّة أخرى – سنسمّيها مجازا “الحاسّة الشعريّة” – تمكّنه من الإحساس بالقصيدة وتذوّقها والاندهاش بها، وليس عليه أن يفهمها ويُفسّرها، لا سيما قصائد هذا العصر التي لا يكاد كُتّابها أنفسهم أن يفهموها.. ثم يحمّلون القارئ مسؤولية “عدم الفهم” أو الكسل والخمول الذهني الذي يمنع من مُطاردة المعاني، وكأنّ القارئَ صيّادٌ حالم والقصيدةُ بريّةٌ للخيال والمعاني غزلانٌ من وميض البرق!
من المتناقضات أنّنا نعترف بضعف المقروئية وتردّي العلاقة بين اللغة العربية والقارئ، ولكننا لم ندرس كل أسباب هذا الضعف والتردّي، فقد يكون الغموض سببًا “وجيهًا” نفَّر القارئ من القراءة، وأوجد العداوة بينه وبين الكِتاب! ويُفترض أنّ واجب الأديب والمبدع أن يوطّد العلاقة بين القارئ واللغة والكِتاب والقراءة! بل واجبه أن يغوي القارئ ويورّطه في القراءة إلى الدرجة التي تصير فيها عنصرًا أصيلا من يومياته..
وحتى لا نظلم الشعر والشاعر والقصيدة، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب والباحثين بهذه التساؤلات: ما هي رؤيتكم للغموض في الأدب العربي المعاصر؟ وهل أنتم من أنصاره؟ وهل تعتقدون بأنّه يرتقي بالأدب ويحفّز على القراءة أم العكس؟ وهل هو ظاهرة صحيّة أو “مَرَضية”؟ ثم ألا يكون الغموض عائقًا أمام الوعي الأدبي والمعرفي عموما الذي يتطلّب الوضوح الذي لا يُخلّ بالعناصر الجماليّة في التعبير الأدبي واللغوي؟ وهل تعتقدون بأنّ الغموض قد يكون ستارا يتخفّى خلفه المُبدعون “المزيّفون” الذين يتّهمون القارئ بسوء الفهم إذا لم “يفهم” أو يتذوّق ما يكتبون؟
وأنت عزيزي القارئ ألستَ معنيًّا بمسألة الغموض في الشعر والأدب العربي؟ أم أنّك تركتَ شأن الحديث في هذه المسألة للنقّاد والباحثين والدارسين، رغم أنّك المعني بتلقّي ما يكتبه الشعراء والكُتّاب فهم لا يكتبون من أجل أنفسهم على كل حال! ولن أطيل الكلام فخير الكلام ما قلّ ودلّ.
ارحمونا من تسوّلكم اللفظي ونصوصكم الجرداء!
مروى فتحي منصور
كثيرا ما نسمع التركيب الآتي: في كلامه غُموضٌ، وفي “لسان العرب” تفسير غموض الكلام هو: الإِبهَام، أي عدم الوُضوحِ، ومن يوضِّح غُموضه: يجعله سهلاً..
وفي النصوص الأدبية أو القطع الفنية أيًّا كان شكلها نجد توجُّهَين أثناء عملية التلقّي، أحدهما الغموض والآخر هو البساطة، وينتشر كلا منهما وفقا لعوامل مساندة لهذين الاتجاهين، فهل أحدهما سلبي والآخر إيجابي بشكل مطلق؟ أم أن الأمر لا يصحّ تناوله في بوتقة هذه الأحكام؟
عندما ترى أمرا غامضا بعموم التناول حتى لو كانت لعبة أطفال أو مسألة رياضية أو حبكة مسرحية أو رواية أو فيلما سينمائيًّا.. يشدك إليه ويستفز ذكاءك لاكتشاف الثغرات التي تركت في إدراكك حُجُبا بينك وبين الشيء فتسعى إلى تفكيكها وتحليلها وإعادة بنائها وفق المنطق، وفي طريقك إلى الحل تشعر بلذة الاكتشاف، ولا تعود إلى معاودة الكرة في بحر التناول والتحليل والمناقشة الداخلية الحرة مرغما، بل تشعر بأنك تغوص في عوالم خلق عقلك فقط لاكتشافها وسبر غورها وإخراجها المتلقين العاديين كصورة حلٍّ او إنجاز أو بصورة نص نقدي مواز للنص الأدبي (إن كانت المادة المتناولة بالتحليل نصا أدبيا).
لكن هل حدث أنك نزلت إلى بحر نص يقال أنّه شعر أو رواية أو قصة قصيرة بلغة شعرية ووجدته بحرا لجِّيًّا متلاطم الحروف والكلمات، وخرجت منه دون أن تشعر بأيّ عاطفة أو توجّه أو معنى تحتفظ به في ذاكرتك الوجدانية أو محفظتك الإلكترونية أو الورقية؟ إذن أنت وقعت في نص ذي ثلاث شُعب، لا أمتعك ولا روى ما في قلبك وفكرك من لهب، وتجد الكلمات بمواقعها التراكبية تضرب شررا في عقلك فتصنع تشويشا ذهنيا وتلوّثا بصريا، فلا علاقة يمكن تخمينها تربط بين هذه الكلمات وهذه التراكيب، وهذا النوع من الغموض المفتعل الملتبس على القارئ المثقف والناقد والقارئ البسيط الذي يبحث عن الحكمة والإنسانية والرفعة الوجدانية بطريقة جاذبة ماتعة هو غموض مذموم قولا واحدا، إنه يعني انحدار النص وغيابه عن التلقّي وكأنه لم يكن، أما الغموض المُحبّب هو الذي يترك العقبات ثم يترك المفاتيح للأبواب لتجاوز تلك العقبات، فيتفتح بوّابات النص على مصراعيها مع كل تلق له.
ليس المطلوب من الأدب أن يبتدع لغة غير إنسانية كلغة الجنّ مُستغلقة ضبابية كأنه وحي يوحى إليه من عالم الجن، وليس المطلوب منه أن يكون مباشرا خطابيا إن لم يكن الغرض الأدبي يفرض عليه ذلك!
لكن إن صمت النقاد أمام هذه الحالة المطروحة في النقد المعاصر قسرا على مسامعنا ومكاتبنا وصفحات التواصل الاجتماعي المفروضة علينا.. خجلا لأنهم لا يفهمون النص ولا يقدرون على أن يلعبوا دور الوسيط التفسيري الموازي له لإيصاله إلى العامة لا يجب أن يفهم على أنه تصريح للكتاب بالإغراق في هذا النفق، الذي بدوره يزيد من عزلة الفن الأدبي ويسبب في عزوف القرّاء عن التطوّر والمتابعة لمثل هذه الأعمال.
قد يميل الكاتب أحيانا إلى طرح نفسه كحالة ضبابية لا تحدّها حدود ولا تؤطّرها هوية، فمثلا يقول الشاعر “محمود درويش”، في محاولة لإضفاء الغموض على نفسه وشعره:
طُوبَى لِشَيْءٍ غَامِضٍ
طُوبَى لِشَيْءٍ لَمْ يَصِلْ
وكذلك يقول في موضع آخر:
لَنْ تَفْهَمُونِي دُونَ مُعْجِزَةٍ لِأَنَّ لُغَاتكُمْ مَفْهُومَةٌ
إِنَّ الوُضُوحَ جَرِيمَةٌ
وفي هذا النص أعلن “درويش” تحوّله من الطابع الثوري الخطابي الغنائي الوطني إلى الطابع الوجودي الفلسفي.
لكن التحول إلى الفلسفة الوجودية في الأدب لا يعني التقعّر في اللغة والمعنى وعدم ترك أيقونات مضيئة في عتبات النص ومتنه.
عدم اتضاح الرؤية في ذهن الكاتب وتشتّته بين الفكرة واللغة وإيقاع الحياة المتسارع الذي ينتزعه من حالات التأمل العميق اللازمة لبناء العمل الأدبي تؤدي أحيانا إلى بتر الأجزاء المفصلية والتراكيب المفتاحية التي تعرّي مغزاه وتبيّن مرماه فيقع في الغموض.
لكن أن يصبح الغموض سدًّا مُسلّحا بينه وبين القارئ هذا ما لا يحمد عقباه ويُلقي بالأدب في جزيرة جرداء خالية من الحياة.. ولم يكن مقنعا يوما بأنّ المعنى في بطن الشاعر، وأن الفن للفن، وأن الهدف هو المتعة اللفظية والإيقاعية، وإلا لِم نكتب بلغاتنا! إن كان الشكل كفيلا بإيصالنا إلى المتعة، وما فائدة أن يغرّد طائر ونحن لا نسمعه لانخفاض وتيرة صوته مثلا!
سعى الإنسان منذ القِدم للتعبير عن مشاعره وأفكاره للآخرين، ومن هذا الهدف انطلق إلى رحاب اللغات والفنون والآداب، لذلك تعدّ خاصية الغموض في الشعر العربي المعاصر آفة برأيي يجب التخلّص منها قبل لوم القرّاء والمتلقّين على ضعف تفاعلهم من النصوص الأدبية، فالمتلقي العربي يتوافد بنهمٍ على المواد المسموعة والمرئية على كافة المنصّات التواصلية والرقمية وينهل منها ما يفيده ويعينه على المعرفة ويغذي ذائقته ويوسّع مداركه، فلماذا يعجز عن مواصلة قراءة كتاب أدبي واحد في الشهر مثلا؟!
والجواب واضح ومن ألسنة المتلقّين العرب وهو أن تلك النصوص تتّسم بالغموض وكأنها طلاسم سحرية تحتاج إلى من يفسرها، في الوقت الذي يعزف النقاد عن تفسيرها بسبب غموضها ولجوئهم إلى مناهج أسلوبية ولسانية وإحصائية في النقد.
ومن أهم الأسباب التي تقذف بالكاتب إلى الغموض هو إجبار نفسه على الكتابة في الوقت الذي لا يضخّ عليه عقله بفكرة واضحة ولا ينساب بين حروفه سيلُ لغةٍ طاغٍ يستحوذ على عواطف المتلقي ويؤججها دون تكلف، فتراه مهتما كيف يثبت اسمه على الساحة الأدبية الافتراضية بالذات، يصطاد الكلمات والمصطلحات من كُتّاب آخرين قدماء وجُدد ويلدها قيصريا في نص قاحل لا روح فيه ولا ترابط بين كلماته، فكم من نص لا يقع بين شعر ولا نثر لافتقاره للإيقاع والوزن والجملة الشعرية المتكاملة تعيد قراءاته عشرات المرات ولا تفهم مراد الكاتب أو الكاتبة القيصرية منه، ولا تجتاحك أيّ عاطفة جرّاء اعتراكك معه، فما تفسير ذلك سوى أن منشؤه يعتقد نفسه نجما في سماء الأدب وعلينا أن نتقبّل تسوّله اللفظي العبثي وأن نصفّق له على صنيعه الأجوف!
هل ما زال الأدب مرآة المُجتمع؟
سعاد عبد القادر القصير
تعرّضت البشريّة للعديد من التغيّرات والتّبدلّات نتيجة للتّيارات الفكريّة المختلفة التي عصفت بها على مرّ العصور، منها ما ساهم في تطوّر الإنسانيّة ورقيّها، ومنها ما كان عائقًا، رادعًا، أمام الفكر الإنسانيّ ضمن بيئة مجتمعيّة معيّنة.
فلم يكن الإنسان يومًا مخلوقًا ثابتًا، وحمل معه اللّغة لتكون العنصر المطواع في علاقاته اليوميّة، يعبّر من خلالها عمّا يحمله فكره وثقافته ورؤيته.
لكن، ومع الانفتاح الثّقافي الذي طرأ على العصر الحديث، أصبح الأدب في مأزق، بين اللّغة واللّغة المستوردة. وحيث إنّه لم يعد مناطًا بمجتمع معيّن، يمكن القول إنّ الأدباء المعاصرين قد انقسموا إلى ثلاثة إقسام:
قسم تماشى مع اللّغة اليوميّة التي تعبّر عن البيئة الدّاخليّة، يحاول عرض مشكلاتها، وقسم اندمج مع الخلط بين اللّغة وكلّ ما هوغريب عنها، من أساطير، وكلمات غربيّة، وأفكار فلسفيّة بعيدة عن الفكر العربيّ، وقسم ثالث تشبّث بأبي النوّاس، والمتنبّي، وغيرهم من الأدباء والشّعراء القدماء الذين أصبحت لغتهم لا تشبه لغة شباب اليوم وبيئتهم.
واعتمد أدباء العصر الحديث على هذه الأقسام في اختيار موضوعات الأدب والشّعر التي لا يمكن أن تكون حكرًا على الأديب بقدر ما هي علاقة مشتركة بينه وبين المتلقّي.
فهل متلقّي العصر الحديث يتفاعل مع الأدب والشّعر كما تشتاق له روحه وأهواؤه؟
ما هو معترف به أنّ الشّعر أساسه التّكثيف والموسيقى والصوّر التي تأخذ بالقارئ إلى ما هو أبعد من حدود السّطور والكلمات.
والغموض من لوازم الشّعر الحديث ليرقى به إلى المستوى المبتغى، فينتج عنه معانٍ قيّمة تُشغل بال المتلقّي وتجعله يغوص في عالم الخيال. إذ يقول “أدونيس”:
حيث الغموض أن تحيا
حيث الوضوح أن تموت
وأيضًا، معتمدًا على الأساس الذي يُبنى عليه الشّعر أولًا، وعلى تعدّدية التّأويل التي قال عنها “إيكو” ثانيًا، فكلّما كان الغموض الذي يحيط بالنّص مستفزًّا للمتلقّي، ازدادت التّأويلات المختلفة والاحتمالات المتعدّدة، كلٌّ وفق خلفيّته الثقافيّة والقاعدة الفكريّة التي بنى عليها شخصيّته الإنسانيّة.
والغموض بمفهومه الشّعريّ يطال التّراكيب، والألفاظ، والصّور، والموسيقى.
ومع التّدافع الثّقافي في عالم العولمة، ومع اختراق الثّقافات المتعدّدة للثّقافة العربيّة، لم يعد الغموض مقتصرًا على خدمة الشّعر، حيث أصبح الغموض يتعدّى فكرة الجماليّة ليتحوّل عند البعض إلى طلاسم وشيفرات يصعب على القارئ فكّها، وكأنّها موجّهة لفئة معيّنة من القرّاء معنيّة بهالة الكلام المبهم، وفق ثقافتهم ورؤيتهم دونًا عن غيرهم.
هذا وقد يتطرّق البعض إلى عالم الأساطير وما يتعدّاه من فلسفة الكفر والإيمان التي قد تكون متنافية مع الأديان السّماويّة، فقط لأجل الهوَس بكلّ غريب، ومع جهل بعض القرّاء بهذه التّراكيب من الممكن أن يقعوا بحفرة الكفر دون أن يدرون، أو من يلجؤون إلى التشبّث بالقديم الذي لم يعدّ مفهومًا في اللّغة الحديثة، أومن يصرّ على تطويع كلّ ما هو أجنبيّ في قالب الأدب العربيّ من أجل إيهام الآخرين بأهميّته الثّقافيّة، هذا ما يجعل الشّعر الحديث النّابع من هذه القوقعة، بعيدًا كلّ البعد عن لغة الشّباب واتّصالهم بمجتمعهم، لأنّه ببساطة فقد القدرة على التّفكيك والتّحليل بوجوده أمام شعر أو أدب لا يشبه لسانه، فكيف سيكتشف الأفكار المخفيّة بين قطبان الحروف؟!
إنّ الغموض الذي يحاوط الأسلوب والأفكار، بطريقة تجعل القارئ وكأنّه أمام أحجية يصعب حلّها، يجعله مع الوقت نافرًا منتقدًا للشّعر المعاصر، لدرجة أنّه قد يفقد لذّة الإقبال على ما يشكّل له عالمًا من الحياة. حتى أصبح الشّعر بعيدًا عن مشكلات الحياة، بعيدًا عن الطّرح كما المعالجة، مختنقًا بحبال الجماليّات الوهميّة.
فكيف نحيا حياة لا نفهم معانيها ولا نستطيع الغوص في أمواج جماليّاتها الحقيقيّة؟
ومَن أقنع أدباء عصرنا أنّه كلّما كانت حبكة الغموض متينة، كان الأدب أكثر اشراقًا؟! مَن قال أنّ الحقيقة غير مُقدّر لها أن تطفو على أسطح الإبداع؟!
حتى أنّهم ينتقدون من يقدّم أدبًا بسيطًا شبيهًا بلغة العصر، مُتّهمينها بالرّكاكة والضّعف والاهتزاز. كيف وهي تطوّرت مع الأجيال المتلاحقة حتى وصلت إلينا بصيغتها هذه، وستتابع مسيرتها مع الأجيال القادمة لما يناسب تواصلهم بعضهم ببعض، أوليس الأدب مرآة العصور؟ فكيف يجرؤ البعض على مهاجمة مرآتنا واتّهامها واتّهامنا بما ليس فينا؟ ولماذا يصرّ البعض على وضع اللّغة والأدب والشّعر بقالب الطّلاسم واعتباره قالب الثّقافة وجماليّاتها؟!

تعليق