جمع تحيَّة على تحايا*
التحية الواحد من التحيّ، قال أبو حيان "وأما قول الشاعر:حتّى اتَّقوْها بالسَّلام والتَّحِيّ
فهو جمع تَحِيَّة كتَمْر وتَمْرَة"(1)، والمشهور جمع (تحيَّة) جمعًا سالِمًا بألف وتاء، (تحيّات)، وهذا قياس في ما ختم بتاء تأنيث؛ ولكنَّ (تحيّة) تجمع جمع تكسير على (تحايا)، قال المطرزي "و(حيّاه) بمعنى أحْياه (تحيّةً) كبقّاه بمعنى أبقاه تَبقِيةً، هذا أصلها، ثم سمّي ما يُحيّا به من سَلام ونحوه تحيّةً. قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [44-الأحزاب]. ولذا جُمعت فقيل (تحيّاتٌ) و(تَحايا)، وحقيقة (حيَّيتُ) فلانًا: قلتُ له حيّاك اللّه أي عمّرك وأحياك وأطال حياتك، كقولهم: (صلّى على النبيّ عليه السلام) إذا دعا له، معناه قال له: صلّى اللّه عليكَ"(2).
والفعل (حَيّا: يُحيّي) ثلاثيّ مزيد بالتضعيف، مثل (جرّب، وقدّم) وله مصدران على بناء (تَفْعِيل) و(تَفْعِلَة)، تقول: جربت تَجْرِيبًا وتجْرِبَةً، وقَدَّمت تَقْدِيمًا وتَقْدِمَةً. وأما (حَيّا) فمصدره (تَحِيَّة) على (تَفعِلَة)، ولم يذكر سيبويه سوى هذا البناء قال "وهي تَفْعِلَةٌ"(3). ويفهم من ذلك أنه أُهمل المصدر على (تفعيل)، قال الفارسي عن مصدر (حيّا) إنه "على ضربين: على (تَفْعِلة، وتَفْعيلٌ)، إلا أن (تفعيل) يرفض هاهنا كما رُفض (عُطَيّ) في تصغير (عطاء)، فاستعمل تَفْعِلة، وأدغمت الياء التي هي عين في الياء التي هي لام، وألقيت حركتها على الفاء"(4).
وبين ابن عصفور أن الأصل (تَفْعيل) والفرع (تَفْعِلة)، وعلّل الاقتصار على (تَفْعِلَة) قال "فإن كانت التاء عِوَضًا فإنه لا يجوز إِلَّا الإغام، نحو: تَحِيَّة مصدر (حَيَّا). الأصل (تَحْيِيْيًا)، فحُذفت ياء (تَفعِيل)، وعُوِّضت التاء منها على حدِّ تَكرِمة فصار (تَحْيِية) فصارت هذه التاء لأجل العِوَضيَّة كأنها جزء من الكلمة فلزمت، فصارت الحركة لازمة لذلك، فلزم الإدغام"(5).
ولهذا اللزوم الذي ذكره ابن عصفور نُسب إلى (تحيّة) كما نُسب إلى الاسم على (فَعيلة)، قال الفارسي "قال سيبويه: وإذا نسبت إلى تحيَّة قلت تحَوِيّ، وتحيّة: أصلها تَفْعِلة؛ لأنه مصدر (حيّا) وأصلها تحْيِيَة، ألقوا كسرة الياء الأولى على الحاء، وأدغموا، وصار لفظها كلفظ (فَعيلَة)؛ لأن ثالثها ياء ساكنة قبلها كسرة فنسبوا إليها كما ينسبون إلى فَعيلة"(6).
وأما الجمع فعلى بناء (تَفَاعِل)، تقول: تجرِبة وتَجارِب، قال ركن الدين الإستراباذي "وقياس جمع تَفْعِلة (تَفَاعِل) بكسر العين"(7). إذن تحيّة جمعها تحايِي، مثل (مَعيشة) جمعها (مَعايِش)، قال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيْهَا مَعَايِشَ﴾ [20-الحجر].
ولما كان لفظ (تحية) كلفظ (فَعيلة)؛ إذ "أجرى فيها الأصل مُجرى الزائد"(8) عوملت معاملة (مطيَّة) التي جمعت فقيل (مَطايا)، وهديّة وجمعها (هدايا)، وقد أطبق النحويون على قلب الياء ألفًا من تلك المثل، ولثقل اجتماع الياءين بعد الألف في (تحايي) أبدلت الكسرة فتحة: تحايَي، ثم قلبت الياء المفتوحة ألفًا، حسب تعبير الصرفيين لتطرفها بعد فتحة، فصارت: تحايا. والقول الصوتي أنّ الكسرة جعلت فتحة للمخالفة ثم حذف المقطع اليائي وعوّض بمطل الفتحة.
و(التحايا) مستعمل في التراث، في النثر والشعر، ومن أمثلة ذلك: قال المطرزي "وأما «التحيّات للّه» فمعناها أن كلمات التّحايا والأدعية للّه تعالى وفي مَلكَتِه، لا أن هذا تحيّة له وتَسليم عليه، فإن ذلك مَنهيّ عنه"(9). وقال الجرجاني "واستماع التهاني والتَّحايا من الخُلّان والإخوان"(10). وقال ابن عربشاه "والإصغاء إلى المديح، والتحايا"(11).
ومن الأشعار قول الشاعر(12):
وَمَا قيل اقطعوها بالتهاني … وتكرار التحايا وَالسَّلَام
وقال أبو عبد الله محمد بن سنان الخفاجي(13):
عرّج على أرض كفْرطاب … وحيّها أحسن التحايا
وقال الشاعر(14):
إني لمهد على أيدي الصّبا سحرا … من التحايا كأنفاس الرّياحين
وقال الشاعر(15):
أقول لرفقة زمُّوا المطايا … ألا هل مبلغ عنِّي التَّحايا
وقد تكون التحية في معنى الهدية قول الصابئ "وَتحمل مَعَ المخلوع عَلَيْهِ التحايا وَالطّيب"(16).
والخلاصة أنَّ (تحيَّة) واحد اسم الجنس الجمعيّ (تحِيّ)، ثمّ إنَّ (تحيَّة) تجمع جمع سلامة على (تحيات) وجمع تكسير على (تحايا).كما نقول: زهرٌ واحدُه زهرة، وجمعها زهَرات وأزهار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
*نشر في الجزيرة الثقافية في الجمعة/السبت 14-15 رمضان 1446ه/ 14 مارس 2025م. ع. 18897.
(1) التذييل والتكميل لأبي حيان، 14/ 230.
(2) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، 1/ 239.
(3) الكتاب لسيبويه، 4/ 397.
(4) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي، 3/ 165.
(5) الممتع الكبير في التصريف لابن عصفور، ص: 367.
(6) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 4/ 102.
(7) شرح شافية ابن الحاجب لركن الدين الإستراباذي، 2/ 738.
(8) المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل، 3/ 360.
(9) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي، 1/ 239.
(10)أسرار البلاغة - ت محمود شاكر لعبد القاهر الجرجاني، ص23.
(11)الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم لابن عربشاه، 2/ 530.
(12)يتيمة الدهر للثعالبي، 3/ 90.
(13)معجم البلدان لياقوت الحموي، 4/ 470.
(14)قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان لابن الشعار، 7/ 71.
(15)قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان لابن الشعار، 1/ 207.
(16) رسوم دار الخلافة للصابئ، ص96.
