ما تدين به الفرنسية للغة الضاد

نجيب مبارك
في كتاب "أسلافنا العرب: ما تدين به لغتنا لهم"، يقدم الباحث الفرنسي جان بروفوست دراسة لغوية وثقافية تمسّ أحد أعماق الهوية الفرنسية المخفية.
فهذا الكتاب لا يكتفي بتتبع الأصول العربية للكلمات الفرنسية، بل يقترح – من خلال منهج تاريخي لغوي دقيق – تفكيك ما يمكن تسميته بالأسطورة التأسيسية للتاريخ اللغوي الفرنسي، تلك التي بدأت في كتب التعليم الأساسي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتُختصر في العبارة الشهيرة: Nos ancêtres les Gaulois (أسلافنا الغاليون).
بروفوست، وهو أستاذ في علم المعاجم ومحب شغوف بالكلمات، يسائل هذه العبارة لا لكي يقلب الأسطورة بأسطورة مضادة، بل ليعيد ترتيب الذاكرة اللغوية ويكشف ما كان غائبًا عن عين الفرنسي العادي: أن اللغة الفرنسية، في مفرداتها، تحمل آثارًا عميقة وبعيدة من العربية، تُضاهي – بل تتجاوز في بعض المواضع – تلك التي تركها الغاليون أنفسهم.
الكتاب مصوغ بلغة أنيقة ومرنة، تجمع بين السرد والتوثيق، بين الأسلوب الصحافي والأسلوب الأكاديمي، من دون أن يُثقل القارئ بالمصطلحات المتخصصة أو النزعة التقريرية. هو كتاب يطمح إلى أن يُفهم على نطاق واسع، لذلك اختار المؤلف أن يتبع بنيةً تجمع بين التحليل والتصنيف والقصّ، مما يجعله قريبًا من القارئ الفرنسي والعربي على حد سواء. وفي هذا السياق، يستحضر المؤلف الجملة الشهيرة التي كتبها المؤرخ الفرنسي إرنست لافيس في كتب التاريخ المدرسية والتي ترسّخت طويلًا في المخيال الجمعي الفرنسي: "أحب وطنك لأن الطبيعة جعلته جميلًا والتاريخ جعله عظيمًا". ومن هنا، تبدأ عملية غرس فكرة أن "الفرنسية" بنت لـ"الغالية" و"اللاتينية"، وأن العرب لم يساهموا إلا في تواريخ أخرى بعيدة عن فرنسا الحديثة.
لكن بروفوست يسير في الاتجاه المعاكس. فبعد أن يستعرض الضعف اللغوي للغاليين وعدم وجود مدوّنات لغوية تُخلّد لغتهم، ينتقل ليُظهر كيف أن تأثير اللغة العربية في الفرنسية ليس فقط كبيرًا بل هو تأثير ممتد في معظم مجالات الحياة، من العلوم إلى الطعام، من التجارة إلى الشعر، من الأزياء إلى المعمار. ومن ثم، فإن العربية ليست لغة بعيدة أو غريبة كما يتخيّل بعض الفرنسيين، بل هي حاضرة في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وإن لم يعوها. من هنا تأتي أهمية الكتاب كنوع من إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته بـ "التراث المغمور" داخل اللغة الفرنسية نفسها.
واحدة من أكثر النقاط إثارة في هذا العمل هي استحضار السياق الاستعماري بطريقة ضمنية. إذ يشير بروفوست، من دون شعارات، إلى التناقض الصارخ في جعل الأطفال المغاربيين، في مدارس الجزائر وتونس والمغرب في أثناء فترة الاستعمار، يردّدون: "Nos ancêtres les Gaulois"، رغم أن هؤلاء الأطفال – بكل وضوح – لم تكن تربطهم بالثقافة الغالية أي صلة تاريخية أو لغوية. المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من تعلم تاريخهم وثقافتهم في مدارسهم، كانوا يتكلمون لغةً أصلُ كثيرٍ من مفرداتها عربي. إن بروفوست لا يهاجم المدرسة الجمهورية الفرنسية، ولكنه يفكك خطابها اللغوي الرسمي من خلال العودة إلى الأصول الفعلية للكلمات. فما يُقال للطفل الفرنسي بأنه "مفرد فرنسي صرف"، غالبًا ما يكون مستعارًا من العربية عبر قنوات متعددة، من الأندلس إلى البحر الأبيض المتوسط.
يمضي بروفوست في عمله ليقدم ما يشبه الموسوعة المصغّرة للكلمات العربية في اللغة الفرنسية، حيث يصنفها بحسب الحروف الأبجدية ويشرح – بشغف واضح – المسارات التي اتخذتها هذه الكلمات لتصل إلى المعجم الفرنسي. فـ"السكر" (sucre)، "البرتقال" (orange)، "المشمش" (abricot)، "السبانخ" (épinard)، "القطن" (coton)، "القهوة" (café)، "الجبر" (algèbre)، "الكحول" (alcool)، "الديوان" (douane)، "الدواء" (sirop)، كلها كلمات ذات أصول عربية، ولكنها اليوم تُستخدم في الفرنسية بدون أن يدرك معظم المتحدثين أصلها. بل إن بروفوست يتفنن في عرض الرحلة التاريخية التي مرت بها هذه الكلمات: من العربية إلى الإسبانية أو الإيطالية، ومن ثم إلى الفرنسية، أحيانًا محمّلة بتحويرات صوتية أو دلالية. هذا البعد الجغرافي والتاريخي يمنح الكتاب عمقه الحقيقي، ويحول كل كلمة إلى قصة، وكل قصة إلى مرآة تعكس التبادلات الحضارية.
اللافت أن الكتاب لا يقدّم اللغة العربية كفاعل لغوي فقط، بل كفاعل حضاري شامل. فهو يذكر كيف كانت الحضارة العربية وسيطًا بين الحضارة اليونانية القديمة وأوروبا المسيحية في القرون الوسطى، وأن الفلاسفة العرب مثل ابن سينا وابن رشد، كانوا الجسر الذي عبرت عليه أفكار أرسطو وأفلاطون إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا. بل يذكّر بروفوست بأن مؤلفات ابن سينا، خاصة في الطب، تُرجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثاني عشر، وكانت تُدرّس في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر، ما جعل تأثيره في التكوين العلمي الغربي لا يقل عن تأثير جالينوس أو أبقراط. وبالتالي، فإن اللغة العربية لم تكن مجرد ناقل كلمات، بل ناقل أفكار، ومصطلحات، ونماذج معرفية.
"يذكر الكتاب كيف كانت الحضارة العربية وسيطًا بين الحضارة اليونانية القديمة وأوروبا المسيحية في القرون الوسطى"
كما يتوقف الكتاب عند البُعد الجمالي والثقافي الذي تركه التراث العربي في الأدب الفرنسي، خصوصًا مع الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فيشير إلى تأثر فكتور هوغو، ولامارتين، وشاتوبريان، وغيرهم من الشعراء والروائيين الفرنسيين، بما سمّوه "سحر الشرق" (l'orientalisme)، وهو ما تجلّى في أشعارهم، وفي المسرحيات، وفي تصويرهم للمدينة العربية والأسواق والقصور وحتى الحريم. بل يذهب بروفوست أبعد من ذلك ليشرح كيف أن هذه الصورة المتخيلة للعرب، رغم طابعها الاستشراقي، ساهمت في ضخ مئات المفردات العربية في المعجم الفرنسي، من أسماء المدن والملابس (jupe – تنورة)، والأطعمة (safran – زعفران)، والعطور (musc – مسك)، وحتى الألقاب والنقوش.
الكتاب، بهذا الشكل، لا يعيد فقط قراءة العلاقة بين العربية والفرنسية، بل يقترح نمطًا جديدًا من الانتماء اللغوي. فحين يقول عالم اللغة ألبر جاكار في مقدمة أحد الكتب: "أنا أتكلم العربية بدون أن أعلم" (Je parle arabe sans le savoir)، فهو يضع يده على هذه الحقيقة التي يثبتها بروفوست في صفحات طويلة: أن اللغة لا تعرف الحدود السياسية، وأنها بطبيعتها هجينة، تستقبل وتحتفظ، تقترض وتُكيّف، وأن ما نتصوره "خالصًا" و"نقيًّا" هو في الأغلب تركيب طويل الأمد بين لغات الشعوب ومجتمعاتها المتجاورة والمتصارعة والمتداخلة.
من خلال هذا الكتاب، يستطيع القارئ العربي أن يستعيد بعض الثقة بلغته وثقافته، ولكن بعيدًا عن النزعة التمجيدية. فالكتاب لا يدعو إلى التفاخر، بل إلى فهم كيف تتغلغل اللغات في بعضها، وكيف تتشكّل الحضارات من تفاعل متواصل، لا من استعلاء أو نقاء زائف. وهنا تتجلى القيمة الأخلاقية للعمل، قبل أن تكون لغوية أو تاريخية.
يُعلي بروفوست من شأن "الكلمة" ويعاملها كما يُعامل الأثريّ التحفة النادرة: يبحث عن أصلها، ويتتبع مسارها، ويفسر سبب تغيرها، ويحاول أن يُفهمنا أن كل كلمة تقول شيئًا عن العالم، وتخبرنا عن مسار الإنسانية في رحلتها الطويلة. هذا ما يجعل الكتاب عملًا مثاليًا لتعليم القارئ العربي كيف ينظر إلى اللغة باعتبارها أثرًا حضاريًا، لا مجرد أداة تقنية.
في زمن تُهدّد فيه اللغات الكبرى اللغات الأصغر، وفي وقت يُعاني فيه العرب من تصدّع الثقة بلغتهم وهويتهم، يأتي كتاب بروفوست كصفعة هادئة تنبه الجميع إلى أن "العربية" ليست لغة الماضي فقط، بل حاضرة، في كثير من مناحي الحياة في فرنسا، في المقهى (café)، في الصيدلية (sirop)، في المسرح، في العلوم، في الثياب، وفي كل ما يُعتقد أنه "فرنسي خالص". إنه كتاب يعلّمنا كيف ننصت إلى همسات لغتنا وهي تنطق من أفواه الآخرين بدون أن يدركوا ذلك.
المصدر

نجيب مبارك
في كتاب "أسلافنا العرب: ما تدين به لغتنا لهم"، يقدم الباحث الفرنسي جان بروفوست دراسة لغوية وثقافية تمسّ أحد أعماق الهوية الفرنسية المخفية.
فهذا الكتاب لا يكتفي بتتبع الأصول العربية للكلمات الفرنسية، بل يقترح – من خلال منهج تاريخي لغوي دقيق – تفكيك ما يمكن تسميته بالأسطورة التأسيسية للتاريخ اللغوي الفرنسي، تلك التي بدأت في كتب التعليم الأساسي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتُختصر في العبارة الشهيرة: Nos ancêtres les Gaulois (أسلافنا الغاليون).
بروفوست، وهو أستاذ في علم المعاجم ومحب شغوف بالكلمات، يسائل هذه العبارة لا لكي يقلب الأسطورة بأسطورة مضادة، بل ليعيد ترتيب الذاكرة اللغوية ويكشف ما كان غائبًا عن عين الفرنسي العادي: أن اللغة الفرنسية، في مفرداتها، تحمل آثارًا عميقة وبعيدة من العربية، تُضاهي – بل تتجاوز في بعض المواضع – تلك التي تركها الغاليون أنفسهم.
الكتاب مصوغ بلغة أنيقة ومرنة، تجمع بين السرد والتوثيق، بين الأسلوب الصحافي والأسلوب الأكاديمي، من دون أن يُثقل القارئ بالمصطلحات المتخصصة أو النزعة التقريرية. هو كتاب يطمح إلى أن يُفهم على نطاق واسع، لذلك اختار المؤلف أن يتبع بنيةً تجمع بين التحليل والتصنيف والقصّ، مما يجعله قريبًا من القارئ الفرنسي والعربي على حد سواء. وفي هذا السياق، يستحضر المؤلف الجملة الشهيرة التي كتبها المؤرخ الفرنسي إرنست لافيس في كتب التاريخ المدرسية والتي ترسّخت طويلًا في المخيال الجمعي الفرنسي: "أحب وطنك لأن الطبيعة جعلته جميلًا والتاريخ جعله عظيمًا". ومن هنا، تبدأ عملية غرس فكرة أن "الفرنسية" بنت لـ"الغالية" و"اللاتينية"، وأن العرب لم يساهموا إلا في تواريخ أخرى بعيدة عن فرنسا الحديثة.
لكن بروفوست يسير في الاتجاه المعاكس. فبعد أن يستعرض الضعف اللغوي للغاليين وعدم وجود مدوّنات لغوية تُخلّد لغتهم، ينتقل ليُظهر كيف أن تأثير اللغة العربية في الفرنسية ليس فقط كبيرًا بل هو تأثير ممتد في معظم مجالات الحياة، من العلوم إلى الطعام، من التجارة إلى الشعر، من الأزياء إلى المعمار. ومن ثم، فإن العربية ليست لغة بعيدة أو غريبة كما يتخيّل بعض الفرنسيين، بل هي حاضرة في أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وإن لم يعوها. من هنا تأتي أهمية الكتاب كنوع من إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته بـ "التراث المغمور" داخل اللغة الفرنسية نفسها.
واحدة من أكثر النقاط إثارة في هذا العمل هي استحضار السياق الاستعماري بطريقة ضمنية. إذ يشير بروفوست، من دون شعارات، إلى التناقض الصارخ في جعل الأطفال المغاربيين، في مدارس الجزائر وتونس والمغرب في أثناء فترة الاستعمار، يردّدون: "Nos ancêtres les Gaulois"، رغم أن هؤلاء الأطفال – بكل وضوح – لم تكن تربطهم بالثقافة الغالية أي صلة تاريخية أو لغوية. المفارقة المؤلمة أن هؤلاء الأطفال الذين حُرموا من تعلم تاريخهم وثقافتهم في مدارسهم، كانوا يتكلمون لغةً أصلُ كثيرٍ من مفرداتها عربي. إن بروفوست لا يهاجم المدرسة الجمهورية الفرنسية، ولكنه يفكك خطابها اللغوي الرسمي من خلال العودة إلى الأصول الفعلية للكلمات. فما يُقال للطفل الفرنسي بأنه "مفرد فرنسي صرف"، غالبًا ما يكون مستعارًا من العربية عبر قنوات متعددة، من الأندلس إلى البحر الأبيض المتوسط.
يمضي بروفوست في عمله ليقدم ما يشبه الموسوعة المصغّرة للكلمات العربية في اللغة الفرنسية، حيث يصنفها بحسب الحروف الأبجدية ويشرح – بشغف واضح – المسارات التي اتخذتها هذه الكلمات لتصل إلى المعجم الفرنسي. فـ"السكر" (sucre)، "البرتقال" (orange)، "المشمش" (abricot)، "السبانخ" (épinard)، "القطن" (coton)، "القهوة" (café)، "الجبر" (algèbre)، "الكحول" (alcool)، "الديوان" (douane)، "الدواء" (sirop)، كلها كلمات ذات أصول عربية، ولكنها اليوم تُستخدم في الفرنسية بدون أن يدرك معظم المتحدثين أصلها. بل إن بروفوست يتفنن في عرض الرحلة التاريخية التي مرت بها هذه الكلمات: من العربية إلى الإسبانية أو الإيطالية، ومن ثم إلى الفرنسية، أحيانًا محمّلة بتحويرات صوتية أو دلالية. هذا البعد الجغرافي والتاريخي يمنح الكتاب عمقه الحقيقي، ويحول كل كلمة إلى قصة، وكل قصة إلى مرآة تعكس التبادلات الحضارية.
اللافت أن الكتاب لا يقدّم اللغة العربية كفاعل لغوي فقط، بل كفاعل حضاري شامل. فهو يذكر كيف كانت الحضارة العربية وسيطًا بين الحضارة اليونانية القديمة وأوروبا المسيحية في القرون الوسطى، وأن الفلاسفة العرب مثل ابن سينا وابن رشد، كانوا الجسر الذي عبرت عليه أفكار أرسطو وأفلاطون إلى فرنسا وألمانيا وإيطاليا. بل يذكّر بروفوست بأن مؤلفات ابن سينا، خاصة في الطب، تُرجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثاني عشر، وكانت تُدرّس في الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر، ما جعل تأثيره في التكوين العلمي الغربي لا يقل عن تأثير جالينوس أو أبقراط. وبالتالي، فإن اللغة العربية لم تكن مجرد ناقل كلمات، بل ناقل أفكار، ومصطلحات، ونماذج معرفية.
"يذكر الكتاب كيف كانت الحضارة العربية وسيطًا بين الحضارة اليونانية القديمة وأوروبا المسيحية في القرون الوسطى"
كما يتوقف الكتاب عند البُعد الجمالي والثقافي الذي تركه التراث العربي في الأدب الفرنسي، خصوصًا مع الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فيشير إلى تأثر فكتور هوغو، ولامارتين، وشاتوبريان، وغيرهم من الشعراء والروائيين الفرنسيين، بما سمّوه "سحر الشرق" (l'orientalisme)، وهو ما تجلّى في أشعارهم، وفي المسرحيات، وفي تصويرهم للمدينة العربية والأسواق والقصور وحتى الحريم. بل يذهب بروفوست أبعد من ذلك ليشرح كيف أن هذه الصورة المتخيلة للعرب، رغم طابعها الاستشراقي، ساهمت في ضخ مئات المفردات العربية في المعجم الفرنسي، من أسماء المدن والملابس (jupe – تنورة)، والأطعمة (safran – زعفران)، والعطور (musc – مسك)، وحتى الألقاب والنقوش.
الكتاب، بهذا الشكل، لا يعيد فقط قراءة العلاقة بين العربية والفرنسية، بل يقترح نمطًا جديدًا من الانتماء اللغوي. فحين يقول عالم اللغة ألبر جاكار في مقدمة أحد الكتب: "أنا أتكلم العربية بدون أن أعلم" (Je parle arabe sans le savoir)، فهو يضع يده على هذه الحقيقة التي يثبتها بروفوست في صفحات طويلة: أن اللغة لا تعرف الحدود السياسية، وأنها بطبيعتها هجينة، تستقبل وتحتفظ، تقترض وتُكيّف، وأن ما نتصوره "خالصًا" و"نقيًّا" هو في الأغلب تركيب طويل الأمد بين لغات الشعوب ومجتمعاتها المتجاورة والمتصارعة والمتداخلة.
من خلال هذا الكتاب، يستطيع القارئ العربي أن يستعيد بعض الثقة بلغته وثقافته، ولكن بعيدًا عن النزعة التمجيدية. فالكتاب لا يدعو إلى التفاخر، بل إلى فهم كيف تتغلغل اللغات في بعضها، وكيف تتشكّل الحضارات من تفاعل متواصل، لا من استعلاء أو نقاء زائف. وهنا تتجلى القيمة الأخلاقية للعمل، قبل أن تكون لغوية أو تاريخية.
يُعلي بروفوست من شأن "الكلمة" ويعاملها كما يُعامل الأثريّ التحفة النادرة: يبحث عن أصلها، ويتتبع مسارها، ويفسر سبب تغيرها، ويحاول أن يُفهمنا أن كل كلمة تقول شيئًا عن العالم، وتخبرنا عن مسار الإنسانية في رحلتها الطويلة. هذا ما يجعل الكتاب عملًا مثاليًا لتعليم القارئ العربي كيف ينظر إلى اللغة باعتبارها أثرًا حضاريًا، لا مجرد أداة تقنية.
في زمن تُهدّد فيه اللغات الكبرى اللغات الأصغر، وفي وقت يُعاني فيه العرب من تصدّع الثقة بلغتهم وهويتهم، يأتي كتاب بروفوست كصفعة هادئة تنبه الجميع إلى أن "العربية" ليست لغة الماضي فقط، بل حاضرة، في كثير من مناحي الحياة في فرنسا، في المقهى (café)، في الصيدلية (sirop)، في المسرح، في العلوم، في الثياب، وفي كل ما يُعتقد أنه "فرنسي خالص". إنه كتاب يعلّمنا كيف ننصت إلى همسات لغتنا وهي تنطق من أفواه الآخرين بدون أن يدركوا ذلك.
المصدر

تعليق