البَيانُ في مَجيء التَّوكيدِ بلَفظَين: (كُلّهُم) وَ(أجْمَعُون) في القرآن الكريم

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    البَيانُ في مَجيء التَّوكيدِ بلَفظَين: (كُلّهُم) وَ(أجْمَعُون) في القرآن الكريم

    أَسرارُ البَيانِ في القُرآنِ:

    البَيانُ في مَجيءِ التَّوكيدِ بلَفظَين: (كُلّهُم) و(أجْمَعُون) في قَولهِ تعَالَى:

    ﴿فَسَجَدَ الْـمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾




    ذ. مصطفى بوعزة



    وذلكَ قولهُ تعَالى في سُورَةِ (الحِجْر )، ومثلُها في سُورَة (ص): ﴿ فَسَجَدَ الْـمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. حيثُ اجْتمَعَ تَوكيدَان، فجاءَ تَأكيدُ سُجُود الملائكَة بكلمَتَينِ: (كُلّهُم) و(أَجمَعُونَ). فكانَ ذلكَ أَبلغَ في تَمكينِ المعنَى في النَّفسِ وتَقويَتهِ، وأكمَلَ في الدَّلالَةِ على عُمُوم السُّجُود فِيهمْ. لذلكَ اعتَبرهُ النّحويّونَ تَوكيداً علَى تَوكيدٍ، أوْ كمَا قالَ (سيبَوَيْهِ): «تَوكيدٌ بَعدَ تَوكيدٍ». ذكرَ ذلكَ كثيرُونَ، منهمُ (ابنُ الجَوزيّ) في (زاد المسِير)، حيثُ قالَ: «﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، قالَ فيهِ (سِيبوَيهِ) و(الخَلِيل): هُوَ تَوكيدٌ بَعدَ تَوْكِيدٍ».

    وقدْ وَردَت (كُلّ) تَوكيداً مُنفَرداً في كَثيرٍ منَ الآيَات، منهَا قولهُ تعَالَى في سُورَة (البَقَرَة): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وقولهُ تعَالى في سُورَة (هُود): ﴿إلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾. وَقدِ اخْتَلفُوا في اشْتِقاقِهَا، لكنَّ الّذينَ ذكرُوا (كُلّ) في المعَاجِم جَعلُوها تَحتَ الجِذْر (كلل)، مِنهُم (الجَوْهَريّ) في (الصِّحَاح)، و(الفَيّوميّ) في (المصبَاح الْـمُنير)، و(ابْنُ سِيدَهْ) في (الْـمُحكَم)، و(ابنُ مَنظُور) في (لسَان العَرَب)، وغيرُهم. جاءَ في (المصبَاح الْـمُنير) في (كلل): « وَ(كُلٌّ) كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ بِحَسَبِ الْـمَقَامِ». وقالَ (أَحمدُ بنُ فارِس) في (مَقَايِـيــس اللّغَة) في (كلل): «فأمَّا (كُلّ) فهوَ اسمٌ مَوضوعٌ للإحَاطَة مُضافٌ أَبداً إلى مَا بَعدَه». فبَيّنوا أنّ لفظَ (كُلّ) يُفيدُ الإحَاطةَ وَالاسْتِغرَاق، أيْ أنَّ المعنَى بحُكمهِ يَستَغرقُ جميعَ أفرَادِ ما يُضافُ إليهِ وأجْزائِه. فقولكَ: ( حَضرَ الطلّابُ كُلُّهُم)، فإنَّ حكمَ الحُضور يَستَغرقُ الطُّلّاب، فلَمْ يَتخلَّف منهُم أَحدٌ.

    وكذلكَ هوَ (أجْمَعُونَ)، منَ الجِذْر (جمع)، و هُوَ جَمْعُ (أَجْمَع)، قالَ عنهُ (ابنُ سِيدَهْ) في (المحكَم): «وَأجْمَع: منَ الْأَلْفَاظ الدَّالَّة عَلَى الْإِحَاطَة». ونَفسُ الكلامِ جاءَ في (لسَان العَرَب) و(تَاج العَرُوس). فهوَ على ذَلكَ يُماثلُ (كُلّ)،فقولكَ: (حَضرَ الطّــلّابُ أجْمَعُونَ)، يُفيدُ نفسَ مَا أفَادهُ لفظُ (كُلّهُم) منَ الإحاطَة والشُّمُول. وقدْ جاءَ لفظُ (أَجمَعُونَ) تَوكيداً مُنفَرداً في القرآن في قولهِ تعالَى في سُورَة (الشُّعَرَاء): ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، تابعاً في الرَّفعِ، وجاءَ تابعاً في النَّصبِ في قولهِ تعالَى في سُورَة (الشُّعَراء): ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.

    وهكذَا تَلتَقي الكلمَتانِ منْ حيثُ الوَظيفَة النَّحويَّة، فتُصنّفان في ألفَاظِ التَّوكيدِ المعنَويّ؛ وقدْ جَمعَها (ابنُ الأَثيرِ أبُو السَّعَادات) في (البَديعِ في عِلْم العَربيّة) في قَولهِ : «وأمَّا المعنَويّ: فهوَ بأَلفاظٍ وصيَغٍ مَخصُوصةٍ مَحصُورةٍ، مَعارفَ لا يُزَادُ فِيها، ولا يُقاسُ علَيْـها، وهيَ: نَفسُه وعَينُه وكُلّه وأَجمَع و أَجْمَعُون و جَمْعَاء و جُمَع و كِلَا و كِلْتَا»، وهيَ كذلكَ عندَ (ابن جِنّي) في (اللُّمَع): إذْ قالَ: « والأسماءُ الْـمُؤَكَّدُ بهَا تِسْعَة، وَهِي نَفسُه وعَينُه وَكُلّه وأَجْمَعُ وأجمَعُون وجَمْعَاءُ وَجُمَع وكِلا وكِـلْتا». كمَا تَلتَقيانِ منْ حيثُ دَلالَتُـهما علَى الإحاطَةِ وَالشُّمُول، في أَلفاظِ العُمُوم، الّتي عدّ عُلماءُ الأُصُول منهَا أَلفاظَ الجُمُوع، مِثلَ: كُلّ، وجَميع، ونَحوهما، ومَعشَر، وعامّة، وكافّة، وقاطبَة، ونَحْوها. أو بِكلامٍ أخَصّ يُشيرُ إلى مَعنَى التَّوكيدِ، كمَا قالَ (أبُو بَكرٍ البَاقلّاني) في (التَّقريب والإرْشَاد): «ومنْ ألفَاظِ العُمُوم عندَهُم الأَلفاظُ الْـمُؤَكِّدَةُ، نحوُ: كُلّ وجَميع وسَائِر وأَجمَعُون وأكتَعُون وأَمثَال ذلكَ».

    فهُمَا لَفظتانِ اجْتَمَع فيهِمَا مَعنَى التَّوكيدِ ومعنَى الإحاطَة والشُّمُول، واشْتَركتَا في ذلكَ. قالَ (السّيرافيّ) في (شَرح كتَاب سِيبَوَيهِ): « وأمّا (فَعَلْتُمْ أَجْمَعُونَ)، فَحسَنٌ؛ لأنّهُ يُعَمُّ بهِ، وهوَ موضوعٌ للتّوكيدِ والعُمُوم، ولا يُستَعملُ في مَواضعِ الأسْمَاء، ولَا يَقعُ فيهِ لَبْسٌ، وقدِ اسْتُعملَ (كُلّهُم) في مَوضعِهَا لاشْترَاكهمَا في العُمُوم، وعلَى أنَّ (كُلّهم) ليسَ بمُتمَكِّنٍ في مَواضِع الأسمَاءِ؛ لأنَّ المستَحسَن فيهِ أن يَكونَ مُبتَدأ أوْ يُعَمُّ بهِ ما قَبلَه، فَمجراهُ مَجرَى (أَجمَعِينَ) في هَذَا الوَجهِ».

    وممَّا انفَرَد بهِ التّوكيدُ بـــــ(أَجمَعونَ)،أنّ التّركيبَ فيهَا قدْ يَطولُ علَى الإتْبَاع، فقالُوا على التَّرتيب: (أَجْمَعُون، أَكْتَعُونَ، أَبْتَعُون، أَبْصَعُون)،فتكونُ الثَّلاثَة الأَخيرَة، تَوكيداً علَى سَبيلِ الإتْبَاع، كمَا قالُوا: (شَيْطَان لَيْطَان، جَائِع نَائِع). قالَ (الزَّمَخشريّ) في (المفَصّل): «وَأَكتَعُون وأَبْتَعُون وأَبْصَعُون إتْبَاعاتٌ لِــ(أجْمَعُون)، لَا يَجِئْنَ إلّا علَى أَثَرهِ».

    فَإذا أنتَ تَدبَّرتَ هذَا النَّظمَ الفريدَ في هذهِ الآيَة، تَبيّنَ لك أنّ الوُقوفَ عندَ الظّاهر منَ القَول والذّهابَ بالمعنَى إلى إرَادَة تَقويَة التّوكيدِ فقط، قدْ يُثيرُ في الذّهنِ مسألَةَ تَحصيل الحَاصِل، بإرْدَاف تَوكيدٍ علَى تَوكيدٍ، خاصّةً وأنّ اللَّفظَين مُختَلفانِ. لكنّك تُدركُ حتماً أنّ بَلاغة القُرآن أَوسعُ من ذلكَ أفسَح، وأنّ المقاصِدَ الخفيّةَ في اختيَار الأسَاليبِ، وأنمَاط الكَلام أَعمقُ وأبعدُ غَوراً. ولا غَرْوَ، فإنّ استعمَالَ لَفظَيْن مُختلفَين يَسْتَلْزِمُ دَلالَتيْن مُختلفَتَين على اعْتبار أنَّ اختِلافَ المبنَى يُفضِي إلَى اخْتلافِ المعنَى. وأنْتَ إِذَا أَمْعَنتَ النَّظَرَ بَداءَةً، تَبَيَّنَ لكَ أنَّ كلمَة ( كُلّ ) وَ(أجمَعُون)، وإنْ كانَتَا تَتَرادَفان في أَحْوَالٍ، فَإِنَّهُما تَتَبَايَنانِ في أحوَالٍ أُخرَى. فأنتَ تَقُول مَثلاً: (الطّـــلّابُ حَضَرُوا كُلّهُم)، فيجوزُ لكَ أنْ تَتصرّفَ في مَواقعِ (كُلّ) في الجُملَة، فتُغَيّر وَظيفتَـها، فتقُول مَثلاً: (حَضَرَ كُلُّ الطّــلَّابِ) على الفَاعليّة، أوْ (كُلُّ الطّــلَّابِ حَضَرُوا) علَى الابْتِداء. فتَجدُ الجُملةَ مستَقيمَةً . لكنْ إذَا قُلتَ : (الطلَّابُ حَضرُوا أجمَعُونَ)، فإنَّك لا يَتيَسّرُ لكَ التَّصرّفُ نَفسُه، وإلّا كانَ الكَلامُ مُختَلًّا . وذلكَ لأنَّ الكلمَتينِ تَنْفَردُ كُلٌّ منهُما بِمَعَانٍ تَحْفظُ لَهَا سِيَاقَهَا وأَوْجُهَ نَظْمِها. وعلَى ذلكَ فإنّ في (أَجمَعُون) مَعنىً دَقيقاً تَتفرّدُ بهِ، وتَنمازُ بهِ عنْ (كُلّ)، وهوَ مَعنىً يَأتيهَا منْ جِذرهَا (جمع)، فَفيهَا مَعنَى الاجْتِماع، وهوَ مَعنىً ليْسَ تُفيدُهُ (كُلّ).

    أفَلا يَخلُص بنَا الأمرُ إلَى أنْ نَزعُمَ أَنَّ كَلمَة (أجْمَعُون) تُضيفُ مَعنىً جَديداً إلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ؟ فتَكونانِ قدِ اشْتركَتَا في مَعنَى التَّوكيدِ، وذَهبَتْ (كُلّ) بمعنَى الإحَاطَة والشُّمُول، فلَمْ يَتخلَّفْ ملَكٌ منَ الملائكَة عنْ إنْفَاذِ الأمْر، وذهَبتْ (أجمَعُون) بمعنَى (الاجْتِماع) في إنْفَاذ الأَمْر في نَفسِ الوقْتِ، مِنْ غَير تَوَالٍ ولَا تَوَانٍ. ذلكَ مَلحظٌ لمْ يَفُتْ مَن سَبقُوا، فقدْ أَشَارَ إِلَيْهِ كثـــــيــــرٌ منْ عُلَمَاءِ اللُّغَة وَأئِــــمَّة التَّفْسيـر، قالَ (الزّمخشَريّ ): «(كُلّ) لِلْإحاطَة ، و (أجمَعُون) لِلِاجْتمَاع. فَأَفَادَا مَعاً أَنهُمْ سَجَدُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَا بَقيَ منهُمْ مَلَكٌ إِلا سَجَد، وأنّـهُمْ سَجَدُوا جَميعاً في وَقتٍ واحِدٍ غَيْرَ مُتَفرِّقِينَ في الوَقتِ». وقالَ (الألُوسيّ) في (رُوح المعَاني): «(كُلُّهُم)، بحَيْثُ لمْ يشِذَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، (أَجْمَعُونَ)، بِحَيْثُ لَمْ يَتأخَّرْ في ذلكَ أَحَدٌ منهُمْ عَنْ أَحَدٍ، بَل أَوْقَعُوا الفعْلَ مُجتَمعينَ في وَقتٍ واحِدٍ».

    وهَكذَا تَكُونُ (أجْمَعونَ) قدْ أفَادَتْ مَعنىً مُضافاً إلى (كُلّ)، وهوَ اجْتِمَاعُهُم في السُّجُود، فَأَدَّوْهُ في الوَقْت نَفْسِهِ. فَتَكُون (كُلُّهم) تُفيدُ الإحَاطةَ والشّمُول، وتكونُ (أجمَعُون) تُفيدُ الاجتماعَ والوَحْدَةَ في الفِعْل. وقدْ تَردّدَ كَثيراً في كُتُب أئِمَّة اللُّغَة وأَهلِ التَّفسِير، رأيُ (أبي العَبّاس الْـمُبرّد – تــ:285هـ) في المسألَة، وَتبعَهُ علَى ذلكَ مَنْ جاءَ بعدَهُ، قالَ (ابنُ مَنظُورٍ) في (لسَان العَرَب): « وَسُئِلَ (المبَرّد) عنْـهَا فقالَ: لوْ جاءَتْ (فَسجَدَ الملائِكَة)، احْتَمَل أَنْ يَكونَ سَجدَ بَعضُهُم، فجاءَ بقَولهِ (كُلُّهُم) لإِحَاطَة الأَجْزَاء. فَقيلَ لَهُ: فَــ(أَجْمَعُونَ)؟ فَقالَ: لَوْ جاءَتْ (كُلُّهُم)، لَاحْتَمَل أَنْ يَكونَ سَجدُوا كُلّهُم في أَوقَاتٍ مُختَلفاتٍ، فجاءَتْ (أَجْمعُونَ) لتَدلَّ أَنّ السجُودَ كانَ مِنهُم كُـلِّهِم، في وقتٍ واحِدٍ. فدَخلَتْ (كُلُّهُم) لِلْإِحاطَة، ودَخلَتْ (أَجْمعُونَ) لِسُرعَة الطَّاعَة».

    ولمْ يَفتْ هذَا المعنَى عُلماءَ الأُصُول في تَدقِيقاتِـهم اللُّغويّة، وبُحُوثهمُ العَميقَةِ في دَلالاتِ الألْفَاظ، فنَجدُ الإمامَ (شَمسَ الأئمَّة السَّرَخْسِيّ-تـــ:483هـ) في كتابِهِ (تَمهِيد الفُصُول في الأُصُول) يَقولُ: « ﴿فَسَجَدَ الْـمَلَائِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، فَإِنّ اسْم الْـمَلَائِكَة عَامٌّ فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوص، فبقَوْلهِ: (كُـلُّهُم)، يَنْقَطِع هَذَا الِاحْتِمَال، وَيبقَى احْتِمَال الْجَمْع والافْتِرَاق، فبِقولهِ (أَجْمَعُونَ) يَنْقَطِع احْتِمَالُ تَأْوِيل الِافْتِرَاق». ومنْ قَبلهِ قالَ (أبُو عَليّ أحمَدُ بنُ محمّدٍالشَّاشيّ-344هـ) في (أُصُول الشَّاشيّ): «قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْـمَلَائِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، فاسْمُ الْـمَلَائِكَة ظَاهرٌ فِي الْعُمُوم، إِلَّا أَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيص قَائِمٌ، فَانسَدَّ بَابُ التَّخْصِيص بقَولهِ: (كُـلُّهُم). ثُمَّ بَقِيَ احْتِمَال التَّفْرِقَة فِي السُّجُود، فَانسَدَّ بَابُ التَّأْوِيل بِقولهِ (أَجْمَعُونَ)».

    ومِمَّا يُذكَر في هَذا البابِ ممَّا هوَ قريبٌ منهُ في دَلالَتهِ، علَى اعْتبَار أنَّ لفظَ(جَمِيع) منْ أَخوَاتِ (أَجْمَعُون)، ما جاءَ منْ لَطيفِ مَا مَيَّز بِهِ بعضُ العُلمَاءِ بَيْنَ (كُلّ) و(جَمِيع)، وذلكَ أنهُمْ قَالُوا: (كُلّ) تَعُمُّ الأشيَاءَ علَى سَبيلِ الانْفِرادِ، و(جَمِيع) تَعُمّها علَى سَبيلِ الاجْتمَاع؛ فأنتَ لوْ قُلتَ مَثلاً : (جَمِيعُ مَنْ حَفِظَ القصِيدَةَ، فَلَهُ عَشَرَةُ كُتُبٍ)، ثُمَّ حَفِظَها خَمْسَةٌ، قُسِّمَتِ الكُتُبُ العَشَرةُ بَيْنَهُمْ عَلَى اجْتِمَاعِهِمْ، لأنَّهُم في الاعْتِبار صارُوا كَشخْصٍ واحِدٍ لاجْتِمَاعهِمْ. لَكنَّكَ إِذَا قُلتَ: (كُلُّ مَنْ حَفِظَ القَصِيدَةَ، فَلَهُ عَشَرَةُ كُتُبٍ)، ثُمَّ حَفظَها خَمْسَةٌ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةُ كُتُبٍ عَلَى انْفَرَادِهِمْ، فَصارُوا بذلكَ الاعْتِبارِ مُستَقلِّينَ بَعضُهُم عنْ بَعْضٍ، وتَناوَل اللَّفظُ كلَّ فَردٍ مِنهُم تَناوُلاً خاصّاً. قالَ الإمامُ (شَمسُ الأئمَّة السَّرَخْسِيّ) في كتابِهِ (شَرْحُ السِّيَر الكَبِير): « وَلَوْ قَالَ: (لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلَ فَلَهُ رَأْسٌ)، فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ. لِأَنَّ كَلِمَةَ (كُلٍّ) تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ عَلَى أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَعِنْدَ ذِكْرِهِ يَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّاخِلِينَ، كَأَنَّ اللَّفْظَ تَنَاوَلَهُ خَاصَّةً، وَكَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَأْسٌ… وَلَوْ قَالَ: (جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ أَوَّلَ)، فَدَخَلَ خَمْسَةٌ مَعًا، فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوِيَّةِ، لِأَنَّ مَا أُلْحِقَ بِكَلِمَةِ (مَنْ) هَهُنَا، يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ دُونَ الْإِفْرَادِ، فَيَصِيرُ بِاعْتِبَارِهِ جَمِيعُ الدَّاخِلِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ. فَلَهُمْ رَأْسٌ وَاحِدٌ. فَكَلِمَةُ (كُلّ) تَقْتَضِي الْجَمْعَ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ، فَيُجْعَلُ بِاعْتِبَارِهَا كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الدَّاخِلِينَ تَنَاوَلَهُ الْإِيجَابُ خَاصَّةً».




    المصدر

يعمل...