الأداة في النحو العربي كيف تطور مفهومها عبر العصور؟
الفرق بين الأداة وحرف المعنى في التطبيق النحوي
يمثل البحث في الأدوات النحوية أحد المحاور الجوهرية في دراسة اللغة العربية، إذ تشكل هذه المفردات الصغيرة جسورًا معنوية تربط بين أجزاء الكلام وتضفي عليه دلالات جديدة. ولقد شهد مفهوم الأداة تطورًا ملحوظًا منذ عصر النحاة الأوائل حتى استقر على ما هو عليه في كتب النحو المتأخرة.
المقدمة
تُعَدُّ الأدوات من أهم عناصر التركيب اللغوي في العربية، فهي تلك المفردات التي تؤدي وظائف نحوية ودلالية محددة في سياق الكلام. وقد اهتم النحويون العرب منذ القدم بدراسة هذه الأدوات وتصنيفها، بدءاً من تسميتها بحروف المعاني، ثم توسيع هذا المفهوم ليشمل بعض الأسماء والأفعال التي تؤدي وظائف مشابهة. ويكشف تتبع تطور مصطلح الأداة عن ثراء الفكر النحوي العربي وقدرته على التكيف مع متطلبات التحليل اللغوي. فما مفهوم الأداة في اللغة والاصطلاح؟ وكيف انتقل مصطلح الحرف إلى الأداة؟ وما العلاقة بين المصطلحين؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذه المقالة التي تستعرض تطور مفهوم الأداة من الاستخدام اللغوي إلى التطبيق النحوي.
مفهوم الأداة لغة واصطلاحًا
مفهوم الأداة في اللغة الآلة، قيل: لكل ذي حرفة أداة، وهي آلته، وجمعها أدوات. وتطلق أيضاً على ماكان يعرف لدى النحويين بـ (حروف المعاني) وحرف المعنى في الاصطلاح التي تقيم حرفته الحليم النحوي يشكل القسم الثالث المصادر إلى أن أول من قسّم الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث قال (فالكلم اسم، وفعل، وحرف. فالاسم ما دلّ على المسمى، والفعل ما دل على الحركة، والحرفُ ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل) وقد ترسّخ هذا التقسيم عند سيبويه ومن جاء بعده من النحويين، فصارت هذه المصطلحات تعبر عن أقسام الكلام، ومنها الحرف، وانصبت جهود النحويين على تحديدها، وتعريفها، فما الحرف في اللغة؟ وكيف انتقل إلى المعنى النحوي؟
ويكشف التأمل في هذا المفهوم عن ارتباط وثيق بين المعنى اللغوي والاستخدام الاصطلاحي، فالأداة بوصفها آلة تؤدي وظيفة محددة في الحرفة، تماثل في وظيفتها النحوية تلك المفردات التي تربط بين أجزاء الكلام وتحدد العلاقات بينها. وهذا الانتقال من المعنى اللغوي إلى المعنى النحوي يعكس براعة النحاة في اختيار المصطلحات المعبرة عن المفاهيم المقصودة. ولقد أدرك النحويون الأوائل أهمية هذا القسم من الكلام، فأفردوا له دراسات مستفيضة، وحاولوا تحديد معالمه بدقة.
الحرف بين المعنى اللغوي والاصطلاح النحوي
للحرف معان أصلية، أهمها أنه حدُّ الشيء وطرفه، وناحيته ومنه قولهم: حرفُ الجبل، أي طرفه، وهو أعلاه المحدد. وناقةٌ حرفٌ. أي: ضامر تحددت أعطافها بالضمر والهزال. ومن معانيه التغيُّر. وهو مسيل الماء، أن الماء قد سال عنه، فانحرف منه: الحرف ولم يستقم، فيثبت عليه. والتحريف في الكلام تغييره عن معناه، كانه ميل والتحريف في به إلى غيره قال تعالى في صفة اليهود (يُحَرِّفُونَ الكَلِم عن مواضِعِه): أي يغيرون معاني التوراة بالتمويهات والتشبيهات.
ثم انتقل الحرف من هذه المعاني إلى معان اصطلاحية أخرى: فمن ذلك إطلاقه على الحرف الهجائي: أن الحرف حد منقطع الصوت، وطرفه وقد نُسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي كتاب سماه (الحروف) يعني به حروف الهجاء بين فيه ما يعنيه اسم كل حرف. والحرف يعني (اللغة) أو (اللهجة). قال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) ومن دلالاته (القراءة) تقول: هذا في حرف ابن مسعود، أي: في قراءة ابن مسعود.
استخدامات مصطلح الحرف في التراث النحوي
سمى النحويون الأوائل الأسماء، والأفعال، حروفا. فالخليل يسمِّي: سمعتُ، وقرأت، ووجدت، وكتبت، حروفاً في الكتاب الذي نسب إليه، وفعل مثله خلف الأحمر (ت ۱۸۰ هـ) فعمم مصطلح الحرف على الأسماء والأفعال ويتفشى هذا التعميم عند سيبويه أيضاً. قال: تقول عرفته زيداً، ثم تقول: عرفته بزید، فهو سوی، فإنَّما تدخل في سمّيت، وكنَّيت، على حد ما دخلت في عرَّفته فهذه الحروف كان أصلها في الاستعمال أن توصل بحرف الإضافة. ويشير محمد بن السرّي أبو بكر ابن السراج إلى هذا التعميم عند الكوفيين الأوائل الذين يخلطون الأسماء بالحروف، قال ويخلطون الأسماء بالحروف، فيقولون: حروف الخفض: أمام، وقدام، وخلف وقبل… ومع، وعن، وفي، وعلى، ومِن، وإلى، وحذاء، وإزاء.
وتكشف هذه الاستخدامات المتعددة لمصطلح الحرف عن مرحلة من عدم الاستقرار في المصطلح النحوي، حيث كان النحاة يبحثون عن التسمية الأدق للتعبير عن المفاهيم النحوية. ثم أخذ مفهوم الحرف يتحدد عند نحويي القرن الثالث أو ما تلاه والمطلق فكانوا يضيفون كلمة (المعنى) إلى الحرفة تمييزاً م على حرف المعنى إلى الحرف تمييزاً له من باقي الدلالات. إن انتقال الحرف من المعنى اللغوي إلى المعنى النحوي له ما يسوِّغه، فهو يعبر عن موقعه ومعناه بشكل دقيق.
تحديد مفهوم حرف المعنى ووظيفته
فحرف المعنى يقع على طرف الأسماء والأفعال، وهو بدخوله على المفردات والجمل يضفي معاني جديدة لم تكن من قبل، فابن السراج وغيره من النحويين يرون أن حرف المعنى يُغير المعنى في الكلام فموقع الحرف ووظيفته أمليا على النحويين أن يطلقوه مصطلحاً نحوياً، وأن يجعلوه قسماً ثالثاً للكلم. بدأ مفهوم حرف المعنى بسيطاً، فسیبویه حدّه بأنه حرف جاء المعنى، ليس باسم، ولا فعل ثم أوضح دلالته بالأمثلة فقال: “وأما ما جاء لمعنى وليس باسم، ولا فعل فنحو: ثمَّ، وسوف، وواو القسم، ولام الإضافة ونحوها.
إن هذا التعريف الذي وضِّح بالأمثلة جعل النحويين التالين يحدونه بحدود كثيرة، فقد رأى بعضهم أن الحرف هو ما ارتبط معناه بغيره، وذهب بعضهم إلى أن الحرف مالم يصلح أن يكون أحد طرفي الإسناد، ورأى آخرون أنه ما تجرد من أدلة الاسم والفعل. وتشير المصادر النحوية إلى أن النحويين لم يلتزموا بالمصطلح التزاماً حرفياً: لأنهم وجدوا في التطبيق بعض الأسماء والأفعال تشاكل الحرف، وتتضمن معناه، فوسعوا دلالة حروف المعاني لتشمل أسماء وأفعالاً، فالخليل يسمي بعض الأسماء الظرفية وغير الظرفية حروفاً في الشرط.
التضمين والمشابهة في حروف المعاني
ويشير سيبويه صراحةً إلى تضمُّن بعض الأسماء والأفعال معنى حرف من حروف المعاني، فقال: “فحرف الاستثناء (إلا) وما جاء من الأسماء فيه معنى (إلا) فغير وسوى… وما جاء من الأفعال فيه معنى (إلا) فلا يكون، وليس، وعدا، وخلا، وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة فحاشا وخلا في بعض اللغات. وقد تنبه النحويون جميعاً على هذا التضمين، فوقفوا عنده. وأشاروا إليه، ووضحوه. إلا أنهم وسعوا مفهومه، فصار يعني عندهم المشابهة، وصار التضمين أحد أشكال المشابهة.
وتشير هذه المصادر أيضًا إلى أنهم وسعوا مفهوم حرف المعنى ليشمل بعض الحروف التي تدخل في علم الصرف، كحروف المضارعة، والإعراب والزيادة، والتأنيث، والتثنية، والجمع، والتنوين، فلا نكاد نحظى بإشارة منهم تفرِّق بين الصنفين سوى تلك الإشارة التي أوردها أحمد بن عبد النور المالقي (ت ۷۰۲ هـ)، وبين فيها أن من الحروف ما ليس له علاقة بحروف المعاني، بل يدخل في علم التصريف. وكان من نتيجة ذلك أن جمع النحويون في كتبهم حروف المعاني وما تضمن معناها، مقرونة بالأسماء والأفعال التي شاكلتها، كما أوردوا بعض حروف التصريف في سياقها.
ظهور مصطلح الأدوات وتطوره
إنّ توسيع مفهوم حرف المعنى الذي طبّقه النحويون في كتبهم يجعلنا نعتقد أنهم تنبهوا على قصوره عن استيعاب تلك المفردات التي تضمنت معناه، وأدت وظيفته في التركيب وأنهم وجدوا أنه يصلح لقسمة الكلم نظرياً إلا أنهم وجدوا في التطبيق بعض الأسماء والأفعال تصلح أسماء، وأفعالاً، وتصلح حروفاً: أنها شابهت الحرف وتضمنت معناه لذلك بدأ النحويون يستخدمون مصطلح (الأدوات). يبدو أن سيبويه أول من استخدم مصطلح الأدوات للدلالة على عمل الحروف ومعانيها، قال: “وللقَسَم والمُقْسَم به أدوات في حروف الجرِّ لكنّه لم يعد إلى ذكرها مرة أخرى، لأنه اكتفى بمدلول الحرف.
أما خلف الأحمر فإنه يطلقه على حروف المعاني العاملة، وما عمل عملها، قال: “العربية على ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى، وهذا الحرف هو الأداة التي ترفع، وتنصب، وتخفض الاسم، وتجزم الفعل. وعبَّر المُبَرِّدْ محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج عن الأدوات بمدلولها اللغوي، فالأدوات عندهما آلات يتوصل بوساطتها إلى المعاني المقصودة في السياق، ولها عملها، وتشتمل على حروف المعاني وغيرها من الأسماء والأفعال، يقول المبرد: “ونذكر من الآلات التي على ثلاثة أحرف ما يدل على ما بعده ثم يذكر (عند ولكن، وأمان) ويذكر صراحة أن القسم أدوات توصل الحلف إلى المقسم به، وحروف النفي عند الزجاج آلات أيضاً، يقول: “وآلة الجَحْدِ: لا، وما، ولم، ولن، وليس) فقرن (ليس). وهي فعل، بالحروف. ويسمي ابن السراج حروف المعاني أدوات؛ لأنها تغير ولا تتغيرُ.
استخدام مصطلح الأدوات عند النحاة المتأخرين
ويشير ابن جني إلى أن حروف المعاني أدوات؛ لأنها تقع في أوائل الكلام وأواخره، فهي كالحدود والحروف له. وذهب الهروي علي بن محمد مذهب ابن جنِّي، فسمى حروف المعاني أدوات، قال: وجميع الألفات التي في أوائل الأدوات هي ألفات القطع نحو (إلى، وإلا، وإما، وإن، وأن، وما أشبه ذلك). ورأى النحويون الآخرون أن الأدوات ترادف في معناها حروف المعاني، وتعم لتشمل عدداً من المفردات الاسميّة والفعلية. ويلاحظ أن أغلبهم ظل ملتزماً بقسمة الكلِم من حيث هو: اسم وفعل، وحرف جاء لمعنى واكتفوا بذكر مصطلح الأدوات إشارة أو تلويحاً.
وتشير كتب التراجم إلى أن بعض النحويين قد ألفوا كتبًا خاصة بالحروف والأدوات فجمعوا المصطلحين، فالميداني أحمد بن محمد النيسابوري (ت ٥١٨ هـ) صنف كتاباً سماه (الهادي في الحروف والأدوات) وابن القيم محمد بن أبي بكر (ت ٕ٧٥١ هـ) ألف (معاني الأدوات والحروف).
وتذكر كتب التراجم أيضًا أن آخرين من النحويين وضعوا كتباً بعنوان (الأدوات) أو (الأدوات في النحو)، دون الإشارة إلى مصطلح الحروف مثل كتاب (الأدوات في النحو) لمحمد بن أحمد بن الأزهر (ت ٤٣٧ هـ). وكتاب (الأدوات) لمحمد بن علي الذي يعرف بابن حميدة (ت ٥٥٠ هـ). وكتاب (الأدوات) لأبي الحسن محمد بن محمد الخاوراني الخلاطي (ت ٥٧١ هـ). نستنتج من ذلك أن مصطلح الأدوات قد استخدم مرادفاً لحروف المعاني عند النحويين القدماء كسيبويه ومن جاء بعده وأنه انتشر في الكتب النحوية ولاسيما التي ألفت في القرن الرابع وما تلاه، فما مفهوم الأداة؟
مفهوم الأداة عند النحويين وعلاقتها بالحرف
اهتم النحويون اهتمامًا بالغًا بحرف المعنى، فحدوه، وساقوا الأدلة التي تميزه من أقسام الكلم. يشهد على ذلك الحدود والتعريفات الكثيرة التي تحفل بها مصادر النحو. إلا أن هذا الاهتمام بمفهوم حرف المعنى كان يقابله إعراض وتجاهل لمفهوم الأداة سوى تلك الإشارات التي أبداها بعضهم، والتي تدل على أن معنى الأداة غالباً ما يرادف معنى الحرف، فكأن اهتمامهم بالحرف قد أغناهم من توضيح مفهوم الأداة، فاكتفوا بما بذلوه في تحديد مفهوم الحرف، أو أن مفهوم الحرف عندهم ينطبق على مفهوم الأداة. يدل على ذلك أنهم كما وسعوا مفهوم الحرف وسعوا مفهوم الأداة.
فالنحويون الذين وضعوا كتبًا خاصة بحروف المعاني والأدوات ضمنوا كتبهم الحروف، وما شابهها من الأسماء والأفعال فذكروا أسماء الأفعال، والأسماء الموصولة، وبعض حروف التصريف، وغير ذلك. وقد عبر ابن هشام الأنصاري في (مغني اللبيب) عن ذلك. فاستخدم مصطلح المفردات – وهو مصطلح جديد لم يسبق إليه للدلالة على الحروف، وما تضمن معناها، أو شاكلها، فكأنه أراد أن يبين قصور حرف المعنى والأداة عن اشتمال ما أورده في (المغني). يقول في تفسير المفردات، وذكر أحكامها: “وأعني بالمفردات الحروف. وما تضمن معناها من الأسماء والظروف فإنها المحتاجة إلى ذلك، وقد رتبتها على حروف المعجم ليسهل تناولها، وربما ذكرت أسماء غير ذلك، وأفعالاً ليس الحاجة إلى شرحها.
الفرق بين الأداة وحرف المعنى في التطبيق النحوي
يمثل البحث في الأدوات النحوية أحد المحاور الجوهرية في دراسة اللغة العربية، إذ تشكل هذه المفردات الصغيرة جسورًا معنوية تربط بين أجزاء الكلام وتضفي عليه دلالات جديدة. ولقد شهد مفهوم الأداة تطورًا ملحوظًا منذ عصر النحاة الأوائل حتى استقر على ما هو عليه في كتب النحو المتأخرة.
المقدمة
تُعَدُّ الأدوات من أهم عناصر التركيب اللغوي في العربية، فهي تلك المفردات التي تؤدي وظائف نحوية ودلالية محددة في سياق الكلام. وقد اهتم النحويون العرب منذ القدم بدراسة هذه الأدوات وتصنيفها، بدءاً من تسميتها بحروف المعاني، ثم توسيع هذا المفهوم ليشمل بعض الأسماء والأفعال التي تؤدي وظائف مشابهة. ويكشف تتبع تطور مصطلح الأداة عن ثراء الفكر النحوي العربي وقدرته على التكيف مع متطلبات التحليل اللغوي. فما مفهوم الأداة في اللغة والاصطلاح؟ وكيف انتقل مصطلح الحرف إلى الأداة؟ وما العلاقة بين المصطلحين؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذه المقالة التي تستعرض تطور مفهوم الأداة من الاستخدام اللغوي إلى التطبيق النحوي.
مفهوم الأداة لغة واصطلاحًا
مفهوم الأداة في اللغة الآلة، قيل: لكل ذي حرفة أداة، وهي آلته، وجمعها أدوات. وتطلق أيضاً على ماكان يعرف لدى النحويين بـ (حروف المعاني) وحرف المعنى في الاصطلاح التي تقيم حرفته الحليم النحوي يشكل القسم الثالث المصادر إلى أن أول من قسّم الكلام إلى اسم، وفعل، وحرف، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث قال (فالكلم اسم، وفعل، وحرف. فالاسم ما دلّ على المسمى، والفعل ما دل على الحركة، والحرفُ ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل) وقد ترسّخ هذا التقسيم عند سيبويه ومن جاء بعده من النحويين، فصارت هذه المصطلحات تعبر عن أقسام الكلام، ومنها الحرف، وانصبت جهود النحويين على تحديدها، وتعريفها، فما الحرف في اللغة؟ وكيف انتقل إلى المعنى النحوي؟
ويكشف التأمل في هذا المفهوم عن ارتباط وثيق بين المعنى اللغوي والاستخدام الاصطلاحي، فالأداة بوصفها آلة تؤدي وظيفة محددة في الحرفة، تماثل في وظيفتها النحوية تلك المفردات التي تربط بين أجزاء الكلام وتحدد العلاقات بينها. وهذا الانتقال من المعنى اللغوي إلى المعنى النحوي يعكس براعة النحاة في اختيار المصطلحات المعبرة عن المفاهيم المقصودة. ولقد أدرك النحويون الأوائل أهمية هذا القسم من الكلام، فأفردوا له دراسات مستفيضة، وحاولوا تحديد معالمه بدقة.
الحرف بين المعنى اللغوي والاصطلاح النحوي
للحرف معان أصلية، أهمها أنه حدُّ الشيء وطرفه، وناحيته ومنه قولهم: حرفُ الجبل، أي طرفه، وهو أعلاه المحدد. وناقةٌ حرفٌ. أي: ضامر تحددت أعطافها بالضمر والهزال. ومن معانيه التغيُّر. وهو مسيل الماء، أن الماء قد سال عنه، فانحرف منه: الحرف ولم يستقم، فيثبت عليه. والتحريف في الكلام تغييره عن معناه، كانه ميل والتحريف في به إلى غيره قال تعالى في صفة اليهود (يُحَرِّفُونَ الكَلِم عن مواضِعِه): أي يغيرون معاني التوراة بالتمويهات والتشبيهات.
ثم انتقل الحرف من هذه المعاني إلى معان اصطلاحية أخرى: فمن ذلك إطلاقه على الحرف الهجائي: أن الحرف حد منقطع الصوت، وطرفه وقد نُسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي كتاب سماه (الحروف) يعني به حروف الهجاء بين فيه ما يعنيه اسم كل حرف. والحرف يعني (اللغة) أو (اللهجة). قال عليه الصلاة والسلام: (إن هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) ومن دلالاته (القراءة) تقول: هذا في حرف ابن مسعود، أي: في قراءة ابن مسعود.
استخدامات مصطلح الحرف في التراث النحوي
سمى النحويون الأوائل الأسماء، والأفعال، حروفا. فالخليل يسمِّي: سمعتُ، وقرأت، ووجدت، وكتبت، حروفاً في الكتاب الذي نسب إليه، وفعل مثله خلف الأحمر (ت ۱۸۰ هـ) فعمم مصطلح الحرف على الأسماء والأفعال ويتفشى هذا التعميم عند سيبويه أيضاً. قال: تقول عرفته زيداً، ثم تقول: عرفته بزید، فهو سوی، فإنَّما تدخل في سمّيت، وكنَّيت، على حد ما دخلت في عرَّفته فهذه الحروف كان أصلها في الاستعمال أن توصل بحرف الإضافة. ويشير محمد بن السرّي أبو بكر ابن السراج إلى هذا التعميم عند الكوفيين الأوائل الذين يخلطون الأسماء بالحروف، قال ويخلطون الأسماء بالحروف، فيقولون: حروف الخفض: أمام، وقدام، وخلف وقبل… ومع، وعن، وفي، وعلى، ومِن، وإلى، وحذاء، وإزاء.
وتكشف هذه الاستخدامات المتعددة لمصطلح الحرف عن مرحلة من عدم الاستقرار في المصطلح النحوي، حيث كان النحاة يبحثون عن التسمية الأدق للتعبير عن المفاهيم النحوية. ثم أخذ مفهوم الحرف يتحدد عند نحويي القرن الثالث أو ما تلاه والمطلق فكانوا يضيفون كلمة (المعنى) إلى الحرفة تمييزاً م على حرف المعنى إلى الحرف تمييزاً له من باقي الدلالات. إن انتقال الحرف من المعنى اللغوي إلى المعنى النحوي له ما يسوِّغه، فهو يعبر عن موقعه ومعناه بشكل دقيق.
تحديد مفهوم حرف المعنى ووظيفته
فحرف المعنى يقع على طرف الأسماء والأفعال، وهو بدخوله على المفردات والجمل يضفي معاني جديدة لم تكن من قبل، فابن السراج وغيره من النحويين يرون أن حرف المعنى يُغير المعنى في الكلام فموقع الحرف ووظيفته أمليا على النحويين أن يطلقوه مصطلحاً نحوياً، وأن يجعلوه قسماً ثالثاً للكلم. بدأ مفهوم حرف المعنى بسيطاً، فسیبویه حدّه بأنه حرف جاء المعنى، ليس باسم، ولا فعل ثم أوضح دلالته بالأمثلة فقال: “وأما ما جاء لمعنى وليس باسم، ولا فعل فنحو: ثمَّ، وسوف، وواو القسم، ولام الإضافة ونحوها.
إن هذا التعريف الذي وضِّح بالأمثلة جعل النحويين التالين يحدونه بحدود كثيرة، فقد رأى بعضهم أن الحرف هو ما ارتبط معناه بغيره، وذهب بعضهم إلى أن الحرف مالم يصلح أن يكون أحد طرفي الإسناد، ورأى آخرون أنه ما تجرد من أدلة الاسم والفعل. وتشير المصادر النحوية إلى أن النحويين لم يلتزموا بالمصطلح التزاماً حرفياً: لأنهم وجدوا في التطبيق بعض الأسماء والأفعال تشاكل الحرف، وتتضمن معناه، فوسعوا دلالة حروف المعاني لتشمل أسماء وأفعالاً، فالخليل يسمي بعض الأسماء الظرفية وغير الظرفية حروفاً في الشرط.
التضمين والمشابهة في حروف المعاني
ويشير سيبويه صراحةً إلى تضمُّن بعض الأسماء والأفعال معنى حرف من حروف المعاني، فقال: “فحرف الاستثناء (إلا) وما جاء من الأسماء فيه معنى (إلا) فغير وسوى… وما جاء من الأفعال فيه معنى (إلا) فلا يكون، وليس، وعدا، وخلا، وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة فحاشا وخلا في بعض اللغات. وقد تنبه النحويون جميعاً على هذا التضمين، فوقفوا عنده. وأشاروا إليه، ووضحوه. إلا أنهم وسعوا مفهومه، فصار يعني عندهم المشابهة، وصار التضمين أحد أشكال المشابهة.
وتشير هذه المصادر أيضًا إلى أنهم وسعوا مفهوم حرف المعنى ليشمل بعض الحروف التي تدخل في علم الصرف، كحروف المضارعة، والإعراب والزيادة، والتأنيث، والتثنية، والجمع، والتنوين، فلا نكاد نحظى بإشارة منهم تفرِّق بين الصنفين سوى تلك الإشارة التي أوردها أحمد بن عبد النور المالقي (ت ۷۰۲ هـ)، وبين فيها أن من الحروف ما ليس له علاقة بحروف المعاني، بل يدخل في علم التصريف. وكان من نتيجة ذلك أن جمع النحويون في كتبهم حروف المعاني وما تضمن معناها، مقرونة بالأسماء والأفعال التي شاكلتها، كما أوردوا بعض حروف التصريف في سياقها.
ظهور مصطلح الأدوات وتطوره
إنّ توسيع مفهوم حرف المعنى الذي طبّقه النحويون في كتبهم يجعلنا نعتقد أنهم تنبهوا على قصوره عن استيعاب تلك المفردات التي تضمنت معناه، وأدت وظيفته في التركيب وأنهم وجدوا أنه يصلح لقسمة الكلم نظرياً إلا أنهم وجدوا في التطبيق بعض الأسماء والأفعال تصلح أسماء، وأفعالاً، وتصلح حروفاً: أنها شابهت الحرف وتضمنت معناه لذلك بدأ النحويون يستخدمون مصطلح (الأدوات). يبدو أن سيبويه أول من استخدم مصطلح الأدوات للدلالة على عمل الحروف ومعانيها، قال: “وللقَسَم والمُقْسَم به أدوات في حروف الجرِّ لكنّه لم يعد إلى ذكرها مرة أخرى، لأنه اكتفى بمدلول الحرف.
أما خلف الأحمر فإنه يطلقه على حروف المعاني العاملة، وما عمل عملها، قال: “العربية على ثلاثة: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى، وهذا الحرف هو الأداة التي ترفع، وتنصب، وتخفض الاسم، وتجزم الفعل. وعبَّر المُبَرِّدْ محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج عن الأدوات بمدلولها اللغوي، فالأدوات عندهما آلات يتوصل بوساطتها إلى المعاني المقصودة في السياق، ولها عملها، وتشتمل على حروف المعاني وغيرها من الأسماء والأفعال، يقول المبرد: “ونذكر من الآلات التي على ثلاثة أحرف ما يدل على ما بعده ثم يذكر (عند ولكن، وأمان) ويذكر صراحة أن القسم أدوات توصل الحلف إلى المقسم به، وحروف النفي عند الزجاج آلات أيضاً، يقول: “وآلة الجَحْدِ: لا، وما، ولم، ولن، وليس) فقرن (ليس). وهي فعل، بالحروف. ويسمي ابن السراج حروف المعاني أدوات؛ لأنها تغير ولا تتغيرُ.
استخدام مصطلح الأدوات عند النحاة المتأخرين
ويشير ابن جني إلى أن حروف المعاني أدوات؛ لأنها تقع في أوائل الكلام وأواخره، فهي كالحدود والحروف له. وذهب الهروي علي بن محمد مذهب ابن جنِّي، فسمى حروف المعاني أدوات، قال: وجميع الألفات التي في أوائل الأدوات هي ألفات القطع نحو (إلى، وإلا، وإما، وإن، وأن، وما أشبه ذلك). ورأى النحويون الآخرون أن الأدوات ترادف في معناها حروف المعاني، وتعم لتشمل عدداً من المفردات الاسميّة والفعلية. ويلاحظ أن أغلبهم ظل ملتزماً بقسمة الكلِم من حيث هو: اسم وفعل، وحرف جاء لمعنى واكتفوا بذكر مصطلح الأدوات إشارة أو تلويحاً.
وتشير كتب التراجم إلى أن بعض النحويين قد ألفوا كتبًا خاصة بالحروف والأدوات فجمعوا المصطلحين، فالميداني أحمد بن محمد النيسابوري (ت ٥١٨ هـ) صنف كتاباً سماه (الهادي في الحروف والأدوات) وابن القيم محمد بن أبي بكر (ت ٕ٧٥١ هـ) ألف (معاني الأدوات والحروف).
وتذكر كتب التراجم أيضًا أن آخرين من النحويين وضعوا كتباً بعنوان (الأدوات) أو (الأدوات في النحو)، دون الإشارة إلى مصطلح الحروف مثل كتاب (الأدوات في النحو) لمحمد بن أحمد بن الأزهر (ت ٤٣٧ هـ). وكتاب (الأدوات) لمحمد بن علي الذي يعرف بابن حميدة (ت ٥٥٠ هـ). وكتاب (الأدوات) لأبي الحسن محمد بن محمد الخاوراني الخلاطي (ت ٥٧١ هـ). نستنتج من ذلك أن مصطلح الأدوات قد استخدم مرادفاً لحروف المعاني عند النحويين القدماء كسيبويه ومن جاء بعده وأنه انتشر في الكتب النحوية ولاسيما التي ألفت في القرن الرابع وما تلاه، فما مفهوم الأداة؟
مفهوم الأداة عند النحويين وعلاقتها بالحرف
اهتم النحويون اهتمامًا بالغًا بحرف المعنى، فحدوه، وساقوا الأدلة التي تميزه من أقسام الكلم. يشهد على ذلك الحدود والتعريفات الكثيرة التي تحفل بها مصادر النحو. إلا أن هذا الاهتمام بمفهوم حرف المعنى كان يقابله إعراض وتجاهل لمفهوم الأداة سوى تلك الإشارات التي أبداها بعضهم، والتي تدل على أن معنى الأداة غالباً ما يرادف معنى الحرف، فكأن اهتمامهم بالحرف قد أغناهم من توضيح مفهوم الأداة، فاكتفوا بما بذلوه في تحديد مفهوم الحرف، أو أن مفهوم الحرف عندهم ينطبق على مفهوم الأداة. يدل على ذلك أنهم كما وسعوا مفهوم الحرف وسعوا مفهوم الأداة.
فالنحويون الذين وضعوا كتبًا خاصة بحروف المعاني والأدوات ضمنوا كتبهم الحروف، وما شابهها من الأسماء والأفعال فذكروا أسماء الأفعال، والأسماء الموصولة، وبعض حروف التصريف، وغير ذلك. وقد عبر ابن هشام الأنصاري في (مغني اللبيب) عن ذلك. فاستخدم مصطلح المفردات – وهو مصطلح جديد لم يسبق إليه للدلالة على الحروف، وما تضمن معناها، أو شاكلها، فكأنه أراد أن يبين قصور حرف المعنى والأداة عن اشتمال ما أورده في (المغني). يقول في تفسير المفردات، وذكر أحكامها: “وأعني بالمفردات الحروف. وما تضمن معناها من الأسماء والظروف فإنها المحتاجة إلى ذلك، وقد رتبتها على حروف المعجم ليسهل تناولها، وربما ذكرت أسماء غير ذلك، وأفعالاً ليس الحاجة إلى شرحها.

تعليق