البيان في كلمة (بِالأمسِ) في قوله: ﴿فجعَلْناهَا حَصيدًا كأَنْ لمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    البيان في كلمة (بِالأمسِ) في قوله: ﴿فجعَلْناهَا حَصيدًا كأَنْ لمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

    أسْرارُ البَيانِ في القُرآن:

    البَيانُ في كَلمَة (بِالأمْسِ) في مِثْل قولهِ تعَالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾





    ذ. مصطفى بوعزة




    لقدْ تكرّرتْ هذهِ اللفظةُ في (القُرآن) أربَع مَرّات، في أربَع آياتٍ؛ ثلاثٌ منهَا في سورَة (القَصَص)، وهيَ قولهُ تعالى في قِصّة (مُوسى) عليهِ السلامُ: ﴿فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنصَرَهُ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾، وقولُه تعالَى: ﴿قَالَ يا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِـي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلْأَمْسِ﴾، ثمّ قولهُ عزّ وجلّ في قصّة (قَارُون): ﴿وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ﴾، وَواحدَةٌ في سورَة (يُونُس)، وهيَ قولهُ تعالَى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. وهذهِ اللّفظةُ،إنّما هيَ ناشئةٌ عن أَصلٍ، هو كلمةُ (أَمْسِ)، دخلَ عليها حرفُ الجرّ (الباء)، وأداةُ التّعريف (ال). وهيَ اسمٌ لهُ وضعٌ خاصّ في العَرَبيَّة، إذْ تَنعَكِسُ فيهِ مَوازينُ التَّعريف والتّنكير، فهوَ مَعرفةٌ في أَصلهِ ثمَّ يُنكَّر، قالَ (ابنُ السَّرّاج) في (الأصُول في النَّحْو): «وَوَقعَ في أَوّل أَحوَالهِ مَعرفَةً، فَمَعرفَتُهُ قَبلَ نَكِرَتِهِ».

    وتعريفُهُ يَأتيهِ من كَونهِ يَدلُّ علَى يومٍ خاصٍّ مُعيَّن، هوَ اليومُ الّذي يَسبقُ اليَومَ الّذي أنتَ فيهِ. فاعتَبرُوهُ اسْماً عَلَماً، وجَعلوهُ في مَرتَبةِ (عَلَمِ الجِنْس)، مِثل: (أُسَامَة للأسَد، وثُعَالَة للثّعلَب، وذُكاء للشَّمْس، وشَعُوب للمَوت…). قالَ (السُّهَيليّ) في (نَتائج الفِكْر في النّحو): «وَالعَلَميَّة فيهِ عِنْدِي ليْسَت كَهِــيَ في ( زَيْدٍ ) و ( عَمْرٍو)، ولكنَّـها كَهِــيَ في (أُسَامة) وَ( ثُعالَة )، اسمُ عَلَمٍ لا يَختَصّ بهِ وَاحدٌ منَ الجِنْس، أيَّ الجِنْسِ كانَ، فهُوَ الْـمُسَمّـى بذَلكَ الاسْمِ، كما أنَّ ( أَمْسِ ) أيَّ الأيّام كانَ، إذا وَليَ يومَكَ مَاضِياً، فهُوَ (أَمْسِ)». ومثلُه قالَهُ (ابنُ القَيّم) في (بَدائع الفَوَائد)، حيثُ قال: «عَلَمِيَّتُه ليسَت كعَلمِيَّة (زَيْدٍ و عَمْرٍو)، بلْ كعَلمِيّة (أُسامَة وذُؤالَة وبَرَّة وفَجَارِ ) وبَابِهِ، ممّا جُعلَ الجِنْسُ فيهِ بمَنزلَة الشَّخْص في العَلَمِ الشَّخْصِيّ». وهوَ في حالهِ هذه مَبنيٌّ علَى الكَسر، وكانَ حقُّه ككُلّ مَبنــيٍّ، أنْ يُسكَّن آخرُه، لكنّهُ حُرّك منهُ لالْتِقاءِ السَّاكنَيْن، مثْلُهُ مثلُ (حَيْثُ- كَيْفَ – مُنْذُ…). قالَ (ابنُ يَعيش) في (شَرح الْـمُفصَّل): « وكانَ حقُّه تَسكينَ الآخِر، علَى مَا يَقتَضيه البناءُ، وإنّما الْتَقَى في آخِرهِ سَاكنَان، وهُما(السّين) و(الْـميمُ) قبلَهَا، فكُسرَت (السّينُ) لالْتقَاء السّاكنَين»، وهاهُنَا أيضاً عَكسٌ للقَاعدَة المشهُورَة: (إذَا الْتَقَى سَاكِنَانِ فَحَرِّكْ مَا سَبَق)، إذِ التَّحريكُ فيهِ كانَ لِـمَا لَحَقَ: (أَمْسْ← أَمْسِ)، فحُرّكت (السين) لا (الميم) الّتي سبَقتْ.

    فإذا دَخلت (ال) علَى (أَمْسِ) أو أُضيفَ، فَذلكَ لا يَكونُ إلّا إذَا نُكِّر، فقُصدَ به (أَمْسٌ) منَ (الأُمُوسِ) غيرُ مُحدّدٍ، ثمَّ يُضاف أوْ يُعرَّف بِــــ(أل)، لأنّ المعرفَةَ لا تُعرّف مَرّتَين، كما هيَ القاعدَةُ الجَاريةُ على (الاسْم العَلَم)؛ قالَ (عبدُ القادِر البَغدَاديّ) في (خِزَانَة الأَدَب): «علَى أنّ الْعَلَم إِذا أُضيفَ نُكِّرَ، بجَعلهِ وَاحِداً منْ جُملَةِ منْ سُمّيَ بذلكَ اللَّفْظِ، كَــ(زَيْدٍ)، فَإنّهُ مَعرفَةٌ بالعَلمِيّة، ولـمّا أُضيفَ نُكِّرَ واكتَسبَ التَّعْرِيفَ منَ الْإِضَافَة». ومَثّلوا لذَلكَ بقَول الشَّاعر:

    عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُم

    وعلى هذَا الوَضعِ، يُفارقُ (أَمْسِ) البِناءَ ويَصيرُ مُعرَباً، ويَتّسعُ مَعناه ليَشملَ أيَّ يومٍ قبلَ يَومكَ، قرُبَ في الزَّمَن أو بَعُد. فأنتَ إذا تدَبّرتَ قولهُ تعالَى في آيَة (يُونُس): ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، فإِنَّك تُدركُ أنّ كلمةَ (الأمْسِ) مُعربَةٌ، فهيَ اسمٌ مجرورٌ بحرف الجَرّ (الباء)، وعلامةُ الجرّ الكسرَة. وأنّها في الآيةِ لا تَعني قَطعاً اليَوْمَ الَّذِي سَبقَ يَوْمَ العَذَاب واتَّصلَ بهِ، لأنّه منَ المستَبعَد أن يَكونَ غَنَاء القَريَة استمَرّ يَوماً وَاحداً، وإنّما هوَ قد كانَ لزَمَنٍ قبلَ ذلكَ، قدْ يَطولُ وقد يَقصُرُ، لكنّه غيرُ مُحدّدٍ بفَترةٍ مَعلُومَة، فالمقصُودُ بِـــــ(الأَمْسِ) مُطلقُ الزَّمَن الماضِي، وكأنَّه قالَ: (لَمْ تَغْنَ منْ قَبْلُ )، أو (فِيمَا مَضَى). لكنْ فيهِ تَعبيرٌ عنِ القُرْبِ، للدَّلالَة على سُرعَة التَّحوُّل، قالَ ( الزَّمخشَريّ) عن ذلكَ: «الأمْس : مَثَل في الوَقتِ القَريب، كأنَّهُ قيلَ: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ آنِفاً». وهذَا المعنَى هوَ المقصودُ في قَول الشَّاعر (زُهَير بن أبي سُلْمَى):

    وَأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ والأَمْسِ قَبْلَهُ /// ولكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ

    قالَ (السّمِينُ الحَلَبيّ) في (الدُّرّ المصُون): «وَ(بِالأمْسِ)، المرَادُ بهِ الزّمَنُ الماضِي، لا اليَومُ الّذي قبلَ يَومكَ، فهُوَ كقَوْل (زُهَيرٍ)».

    فإذا أَرَدْتَ اليَوْمَ الذي قَبْلَ يَوْمِكَ الذي أنْتَ فيه خاصّةً حذَفْتَ (الألفَ واللّام)، وجَعَلتهُ اسْماً مبنيّاً على الكَسْرِ. فتقُولُ مَثلاً: (نَزلَ المطرُ أَمْسِ)، وأنْتَ تقصدُ أنّه نزلَ في اليَوم الّذي يَسبق يومَك الّذي أنْتَ فيه. فإن كُنتَ في (الجُمعة)، فالمقصودُ بالكلامِ، هوَ (الخَميس) خاصّة. فإنْ قلتَ: (نَزَلَ المطَرُ بالأَمْسِ)، كان المقصودُ أنّك لا تُحَدّد يوماً بعينِهِ، وإنمّا المفهومُ منهُ أنّ نزولَهُ كانَ في الماضي مِنَ الأَيَّامِ، دُونَ تحديدٍ ليَوْمٍ بِعينِه. قالَ (السَّمينُ الحلَبيّ ): (والفَرقُ بينَ الأَمْسَيْنِ، أَنَّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ قبلَ يومكَ، مَبنيٌّ لتَضمُّنهِ مَعنَى (الأَلِفِ وَاللَّامِ)، وهذَا مُعْربٌ تدخلُ عليهِ (ال)، ويُضافُ». وقالَ الدّكتور (فاضِل صالِح السّامرّائيّ) في (مَعاني النَّحو): «فالفرقُ بينَ قولكَ: (فَعَلْتُ هَذَا أَمْسِ)، وقولكَ: (فَعَلْتُ هَذَا بِالْأَمْسِ)، أنّ الأولَ قصَدتَ بهِ أنَّك [فَعلتَهُ] في اليَوْمِ الَّذي قَبلَ يَومِكَ. وأمَّا الثَّاني فمعنَاهُ أنّك فَعلتَهُ في اليَوم المعهُود بَينكَ وبينَ المخاطَب، أيْ اليومُ الّذي يَعلمه المخاطَب، سواءٌ كانَ اليَومَ الّذي يليهِ يومُك أم مَا قبلهُ. ومنهُ قولهُ تعَالى: ﴿… فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، أيْ الأَمْس الّذي ازَّيَّنَتْ فيهِ، وليسَ مَعناهُ التَّنصيص علَى اليَومِ الّذي قبلَ يومِكَ». لذلكَ فالشَّيْخُ لا يقُولُ: (أَمْسِ كُنتُ شابّاً)، ولكنْ يَقُولُ : (بِالْأَمْسِ كُنْتُ شابّاً).

    وها هُنا أَمرٌ مثيرٌ جديرٌ بالتّأمّل، ذلكَ أنّ (أَمْسِ)إذَا تَجرّدَت منْ (ال)، كانَت مَعرفَةً، وضاقَت دَلالتُها، وعَيّنتْ مَدلُولَها، وحَصرتهُ في اليَوم الّذي يَسبق اليَوم الذي أنتَ فيهِ، فإذَا دخلتْ عَليها (ال) صارَت نَكرَةً في دَلالتها علَى يَومٍ غَير مُحدَّد، بل اتّسعت لتَشمَل أيَّ يومٍ سابقٍ ممَّا مَضى منَ الأيّام، مَهما بعُد أو قرُبَ. وهذهِ الفَرادَة النَّحويّة في (أَمْسِ)، صَرفَت الهِمم إليهَا، فأَدخلُوهَا في (الأَلغَاز النَّحويّة). وقدْ ذكرَ الإمَامُ (السّيوطيّ) في (الأشْبَاه والنّظائِر في النّحْو)، وأيْضاً في (الطِّرَاز في الأَلغَاز)، لُغزاً في (أَمْسِ)، في كَلامٍ طَويلٍ، كَتبَ بهِ (عِزّ الدّين بنُ البَـهاء الموصليّ) إلى (الصَّلاح الصّفَديّ)، فأجابَهُ وحلَّ اللُّغزَ. وممَّا جاءَ فيهِ: «…إنْ أَرَدْتَ تَعريفَهُ بِـــ(ال) تَنَكَّرَ، أوْ تَغَيَّرتْ عليهِ العَوَامِلُ فَهُوَ لا يَتَغَيَّر…».

    أمَّا آيَةُ (القَصَص) عنْ (موسى) عَليه السّلام، قولُهُ تعَالى: ﴿فَإذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾، فَفيهَا منَ البَيانِ مَا يَستَوقفُ المتأمّل النّاظِر، فاعْتباراً لهذا الفَرق البَديع بينَ (أَمْسِ) المعرفَة، و(الْأَمْس) النَّكرَة، فإنَّ التَّعبيرَ بلفظِ (بالأَمْس)، يُوسّعُ الدّلالةَ في الآيَة كمَا اتَّسعَ مَدلولهُ، ليَشملَ زمناً مُمتدّاً في الماضِي، لا يَنصرفُ إلى (أَمْسٍ) بعَينهِ. ذلكَ أنَّ رأسَ الآيةِ يبدَأ بقولهِ تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ في الْـمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾. والفعلُ (أصبَحَ) لهُ خُصُوصيّة تُؤثّر علَى الدّلالةِ، كمَا تُؤثّر على البِنيَة النّحويّة للجُملةِ. فهذَا الفعلُ قدْ يَأتي نَاقصاً، فيَرفعُ لهُ اسماً ويَنصبُ خبَراً، وتكونُ (أصبَحَ) حِينئذٍ بمَعنَى (صارَ). وقدْ يَأتي تامّاً فيرفعُ الفاعلَ، مثلُهُ مثلُ عدَدٍ منْ (أخَواتِ كانَ)؛ كَــــ(أَمْسَى-أَضْحَى-ظَلَّ-بَاتَ). ومنهُ قولهُ تعَالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. بِمعْنى دَخَلتُم في المسَاء ودَخلتُم في الصَّباحِ. فــ(أَصْبَحَ)هُنا تَامّةٌ، فهي فعْلٌ لازمٌ يَكتَفي بالفَاعِل. فإذَا تلاهُ مَنصوبٌ، كانَ ذلكَ بعدَ التَّمَام والاكْتِفاءِ، فيُعربُ المنصُوبُ بعدَهُ حالاً. والفَصلُ بينَهُما يَجِلُّ أحْياناً فيُدرَك عَفواً، ويأتي أَحياناً في الغايَة من الدِّقّة واللّطافَة.

    لذلكَ فالتَّعبير في الآيَة:(فَأَصبَحَ خَائفاً)، يحتملُ مَعنيَيْن؛ فإذَا اعتبرْنَا (أصبَحَ) ناقِصةً، أعربْنَا (خَائفاً) خَبَراً لهَا، وإذَا اعْتبرنَاهَا تامَّةً، أعْربْنَا (خائفاً) حَالاً. والفرقُ بينَهما في المعْنَى، أنَّ (أصبحَ النَّاقصَة)،يكونُ خَبرهَا غيرَ مُرتَبطٍ بزَمنٍ مُحدّدٍ، بل هُو عامٌّ حُدُوثُه، وتَتضمَّنُ (أصبحَ)حِينئذٍ معنَى (صَارَ)، وكأنَّ التّركيبَ: (صَارَ مُوسَى خَائِفاً). أمّا (أصبحَ التَّامّة)، فيكونُ مَنصوبُهَا مُقيّداً بزَمنهَا الَّذي تدلُّ عليهِ، وهوَ (الصُّبْحُ)، فيكونُ خوفُ مُوسى مَحصوراً في هذَا الوَقتِ، أيْ (دَخَل في الصَّباحِ وهوَ خائِفٌ).

    لكنْ إذَا تدبَّرنَا سيَاقَ هذهِ الآيةِ فَضْلَ تدبُّرٍ، تبيَّن لنَا أنَّ خوفَ مُوسى عليهِ السّلامُ قدِ امتَدّ بهِ مُنذُ فِعْلِ القَتْل، حينَ أحسّ أنهُ قدْ ظلَمَ نَفسهُ فاسْتَغفَر ربّه. وبذلكَ فخوفُهُ ليسَ مَحصوراً في طلُوع الصُّبحِ عليْهِ، وإنّما هوَ عامٌّ في كلّ الوقتِ الذي تَلا فَعلَتَهُ. فتكونُ(أصبحَ) هُنا بمعنَى (صَارَ). فكأنَّهُ قالَ: (فَصَارَ خَائفاً يَترقّب). وكأنّ الخوفَ قدْ لازمَهُ وداخلَهُ صفَةً ثابتَةً، لا حالاً طارئَةً، ظهرَتْ معَ الصَّبَاح، ثمَّ تَزولُ بانْقِضاء هذهِ الفَترةِ الزّمنيّة.

    وأنتَ تُدركُ الفرقَ في ذلكَ، كمَا تُدركُهُ في الفرقِ بينَ قولكَ مثلاً: (أَصبَحَ الطَّالبُ نَشيطاً)، و(أصبَحَ الطَّالبُ عالِـماً). حيثُ يُستبعَدُ أنْ تَفهمَ من الجُملةِ الثّانيَة أنَّ الطالبَ طلَعَ عليهِ الصبحُ وهوَ عالــمٌ. بلْ تَفهمُ منهَا أنَّهُ (صَارَ عالـــماً)،أي استقَرّ بهِ هذَا الوصفُ ولازَمهُ ثابِتاً عَليهِ. فكذَلكَ (الخوفُ) في هذهِ الآيَة بالنِّسبةِ لِـمُوسَى عليهِ السّلامُ. وظلَّ الخوفُ مُلازماً لهُ لأيّامٍ حتّى وهو خارجٌ منَ المدينَةِ.

    وأنتَ إذا أمْعنتَ النّظَر ظهرَ لكَ أنَّ التّعبيرَ بلفظِ (بالأمس)، أَبْيَنُ في تَرجيحِ هذَا المعنَى، فيكونُ (الاسْتصرَاخُ) أبعدَ في الزَّمَن منْ صبيحَة الغَد، وأنّ (الاسْتِغاثَة) الأُولَى لمْ تكُنْ (أَمْسِ)المحْصور المحَدَّدَ، وإنّما في أيّ يومٍ سابقٍ،كما يَتّـسع لهُ لفظُ: (بالْأَمْسِ). والّذي يَسنُدُ هذَا مَجيءُ الرَّجلِ يَسعَى، في ذاتِ لحظَةِ الصُّبْح، ليُحذّرَ (موسى) بأنّ ﴿الْـمَلَأَ يَأتَمرُونَ بكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. وهذَا يعْني أنَّـهُم قدْ كَشفُوا فَعْلَةَ (مُوسى)، وهذَا يَستَبعِدُ أنْ يكونَ الكشفُ تَمّ صبيحَة الغَد منَ الحادِثَة، لأنّهُ يَتطلّبُ وقتاً أَطوَل من ذَلكَ،خُصوصاً وأنَّ الحادثَ كانَ في خُلُوٍّ،لمْ يَشهدْهُ أحَدٌ: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وأنَّ (مُوسَى) عليهِ السَّلامُ أَخفَى الجُثَّة، كمَا جاءَ في عدَدٍ منَ التَّفاسِير؛ فقدْ قالَ (مَكّيّ بنُ أبي طالبٍ القَيْسيّ) في (الهِدَايَة إلى بُلُوغ النّهايَة): «وَلَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، فَقَضَى عَليهِ … ورُوِيَ أنَّهُ دَفَنَهُ لَـمَّا مَاتَ في الرَّمْلِ». ومثلُه قالهُ (الطّبريّ) في (جامِع البَيَان)، و(الثَّعلَبيّ) في (الكَشفِ والبَيَان)، و(ابنُ عاشُور) في (التَّحرير والتّنْوير)، و(البَغَويّ) و(الألُوسيّ). وكلُّ ذلكَ يَستلزمُ وقتاً منَ الكَشفِ والتَّحرّي والبَحث. وكلّ ذلك يجعلُ (أَصبَحَ) أَرجحَ في أنْ تكونَ بمَعنَى (صَارَ)، وأنَّ (موسى) امْتدّ به الخوفُ فترةً أطولَ. قالَ (ابنُ عَطيّة) في(المحرَّر الوَجيز): « وقولُهُ تعَالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾، عبارَةٌ عنْ كَونهِ دَائمَ الخوْفِ في كُلِّ أَوْقاتهِ كمَا تَقولُ: (أَصْبَحَ زَيْدٌ عَالِـماً)». فيكونُ اخْتيارُ التَّعبير بِلفظِ: (بِالأَمْسِ) في الآيَتينِ؛ قولِهِ تعَالى: ﴿فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنصَرَهُ بِٱلْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾، وقولهِ عزّ وجلّ: ﴿كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلْأَمْسِ﴾،اختياراً يَفتحُ التَّأويلَ علَى ما ذَكرناهُ، لاتّساعِ المدلُول فيهَا وانْفتاحِه علَى أيِّ يَومٍ منَ الأيّام الّتي مَضَتْ. وهذَا لا يَتأتَّى لوْ عَوّضناهَا بلَفظِ: (أَمْسِ)، فقُلنَا: (اسْتَصرَخَهُ أَمْسِ)، و(قَتَلْتَ نَفْساً أَمْسِ)،فإنّ المعنَى حينئذٍ يَضيقُ ويَنحَصرُ في يَومٍ بعَينهِ، فَلا تَتداعَى لهُ تلكَ المعَاني، ويَقصُرُ عنْ أنْ يَحتويَهَا ويَستَغرقَهَا.



    المصدر

يعمل...