البيان في الإدغام في الفعل (تُضَارَّ) في قوله تعالى: ﴿ولا تُضَارَّ والِدةٌ بوَلَدِها﴾

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • شمس
    مشرفة
    • Dec 2014
    • 9079

    #1

    البيان في الإدغام في الفعل (تُضَارَّ) في قوله تعالى: ﴿ولا تُضَارَّ والِدةٌ بوَلَدِها﴾

    أسْرارُ البَيَان في القُرآن:

    البَيانُ في الإدْغَام في الفِعْل(تُضَارَّ) في قَولهِ تعَالَى: ﴿وَلَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾





    ذ. مصطفى بوعزة



    وذلكَ قولُهُ تعَالى في سُورَة (البَقَرَة): ﴿لاَ تُضَارَّ وَالدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾. حيثُ يسْتَوقفُكَ الفعْلُ (تُضَارَّ)،المجْزُومُ في خفاءٍ، وقدْ دَخلتْ عَلَيْه (لَا) النَّاهيَة الجَازمَة. لكنَّ علامَةَ الجَزْم،التي هي السُّكون، لمْ تَظهَرْ بسبَب الإدْغَام، فحُرّك آخرُهُ علَى قاعدَة جَزْمِ الفعْلِ المضَعّف. فالفعْل أصلُهُ مُضَعّف منَ الثّلاثيّ: (ضَرَّ يَضُرُّ)، و زِيدَ بحرْفٍ علَى وزْن (فَاعَل)، فصَارَ (ضَارَّ يُضَارُّ)، وبالفكّ (ضَارَرَ يُضَارِرُ)، مثلُ (نَاصَرَ يُنَاصِرُ). ومنْ جِنسِه: (صَدَّ يَصُدُّ ← صَادَّ يُصَادُّ)، (شَدَّ يَشُدُّ ← شَادَّ يُشَادُّ). وهو الواردُ في قولهِ ،صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم،كما جاءَ في (ريَاض الصَّالحِينَ) للإمَام (النَوَويّ): «لَنْ يُشَادَّ الدِّينُ إلّا غَلَبَهُ»، برَفعِ (الدّينُ) علَى أنّه نائبُ الفاعِلِ منْ (يُشَادَّ) المبنِـيّ للمَجهُول، فأصلُهُ: (لَنْ يُشَادَدَ الدِّينُ). وفي روايَةٍ: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إلّا غَلَبَهُ»، بنَصْب (الدِّينَ) مَفعولاً بهِ للفِعْل (يُشَادَّ) المبنِـيّ للمَعلُوم، فأصلهُ: (لَنْ يُشَادِدَ الدِّينَ). قالَ(الإمامُ النّوَويّ) بعدَ ذِكر الحَديثِ: «قَولُه: (الدِّينُ)، هُو مرْفُوعٌ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. ورُوِي مَنْصُوباً. ورُوِيَ: لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ».

    والزيادَة فيهِ هُنا تُفيدُ المشاركَةَ، وإنْ خَفيَتْ في بَعض السّياقَات. فالثّلاثيّ (ضَرَّ)، يَقعُ (الضَّرُّ) فيهِ من جهَة واحدَةٍ، أمَّا (ضَارَّ)، فيكونُ ذلكَ صادراً منْ طرَفيْن يَتبادَلانهِ. ومنهُ حديثُ النبيّ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». قالَ (ابنُ مَنظُور) في (لسَان العَرَب): «ولكُلّ واحِدٍ منَ اللَّفظَينِ مَعنـىً غيـرُ الآخَر: فمعنَـى قولهِ (لَا ضَرَرَ )،أَيْ لا يَضُرّ الرَّجُل أَخاهُ، وهوَ ضدّ النَّفْع، وقولهُ: (وَلَا ضِرَارَ)، أَيْ لَا يُضَارّ كلُّ واحدٍ منْـهُما صاحبَهُ، فالضِّرَارُ منهُمَا معاً، والضَّرَرُ فِعْلُ واحدٍ». وقالَ (ابنُ الْـمُلقّن) في (الْـمُعين علَى تَفهُّم الأربَعين): «الظَّاهِرُ تَغَايرُ هذَيْن اللَّفظَين، حَمْلاً لهُ علَى التَّأسِيس؛ إذْ هوَ أَوْلَى مِنَ التَّأكِيد، فالضَّررُ مِن وَاحدٍ كالقَتْل، والضِّرارُ مِن اثْنَين كالْقِتَال، مِن حيثُ إنَّ (ضِرَار) مَصدرُ: (ضَارَّ)، و(فاعَلَ) إنَّما يَكونُ من اثْنَين غَالبًا». وأنتَ تجدُ ذلكَ أيضاً في (تَاج العَرُوس)،حيثُ قالَ (المرتَضَى الزَّ بِيدِيّ): «وَالاسمُ (الضَّرَرُ)، فِعْلُ واحِدٍ، وَ(الضِّرارُ )، فِعْلُ اثْنينِ، وبِه فُسِّرَ الحديثُ: ( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ)».

    وخَفاءُ المشارَكَة يَأتي منْ أنّ التَّعبِيـر بِـــ(ضارَّهُ) يَقتَضي فَاعلاً لِلضَّرّ، ومَفعُولاً واقعاً عَليهِ، فيَبدُو كأنَّ صُدورَه يَكون من جِهة واحدةٍ، لذلكَ ساوَوْا أحياناً بَينهُ وبينَ (ضَرَّهُ) في المعنَى. قالَ (الفَيُّوميّ) في (المصبَاح الْـمُنير): «وَضَارَّهُ مُضَارَّةً وَضِرَارًا بِمَعْنَى ضَرَّهُ».

    لكنَّ التَّحقيقَ يَكشفُ أنّ التَّعبيـرَ بِــ(ضَارَّ)، يُقصَد بهِ أنَّ فعلَ (الضَّرّ) قدِ اشتدَّ، ابْتِداءً من طرَفٍ، وعلَت المبَالغَةُ فيهِ، حتَّى لَيَصيرَ احتمالُ ردِّ الفعلِ، والْـمُقابَلةِ بالضَّرّ كَبيـراً، إنْ لم يَكُن حَتماً. فإذَا أردْتَ القطعَ بالمشَاركةِ، والجَزمَ بحُدُوثـهَا منَ الطَّرَفيْن، تَبادُلاً للحَدَثِ، منْ غيـرِ تَحديدِ ابتدَاءٍ، قلتَ: (تَضَارَّ الرَّجُلانِ)، كمَا تنتَقلُ من (خاصَمَ) إلى (تَخَاصَم). ولعلَّ أَجلَى مثالٍ يُقرّب المعنَـى، قولكَ: (صَافَحْتُهُ وتَصَافَحْنَا)، (جَادَلْتُهُ و تَجَادَلْنَا)، (حَادَثْتُهُ وتَحَادَثْنَا)… ومثلهُ في القُرآن الكَريم قولهُ تعالَى في سُورَة (الأنعَام): بِالفِعْل (حَاجَّ – حَاجَجَ): ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي في اللهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾. حيثُ حاجُّوا (إبْراهيمَ)، عَليهِ السّلام، ابتداءً، فردَّ عليْـهم بالحُجَج بعدُ. ثمّ بِتَحقُّق المشارَكةِ من الطّرفَين، دونَ بَيان ابْتداءٍ، في قولهِ تعالَى عَن تَخاصُم أَهلِ النَّار، بالفِعْل (تَحَاجَّ – تَحَاجَجَ): ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي ٱلنَّارِ﴾.

    ويتّضحُ هذَا المعنَـى في غلَبةِ المشارَكة في (فَاعَل)، في قولِ النبيّ، صلّى اللهُ عليهِ وسلّم في حديثِ (الصّيام): «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ». فإنَّ قَصدَ البَادِئِ بالسّبَاب أو القِتَال، هوَ أنْ يَدفعَ غَيـرهُ إلى مُشارَكتهِ فيهِ وجَرّهِ إلَيهِ. وهذَا هوَ الغالبُ المحتَمَل، فكانَ الإرشادُ النبويّ الحَكيمُ، وهديُه البليغُ، يَقضي بِقَطع ذلكَ الاحتِمَال الغَلّاب بصَرْف الهِمَم إلَى التَّرفُّع عن المشارَكَة، وعنْ مُقابَلَة السَّبِّ بِسَبٍّ مِثْله، أَنْ يَصيرَ سِبَاباً. وكأنَّ الفعلَ تَرتَقي دَلالتُهُ: (سَبَّ ←سَابَّ ←تَسَابَّ). وعلَى نَسجهِ، تقولُ: (ضَرَّ ←ضَارَّ ←تَضَارَّ).

    أمّا تلكَ الفتحةُ في(تُضَارَّ)، فهيَ من قاعدَة المضارعِ المضعَّف إذا كانَ مَجزوماً، فتكونُ الفتحةُ فيه إمّا إتْبَاعاً لما قبلَها من فَتحٍ أوْ أَلفٍ، تَخلُّصاً من التقَاء السّاكنَين: سُكون الرّاء الأُولى بسببِ الإدْغَام، وسُكون الرّاء الثّانيَة بسببِ الجَزْم؛ قالَ (ابنُ يَعيش) في (شَرح المفَصّل): « وتقولُ: (عَضَّ)، فتُتْبعُ الفَتحَ الفَتحَ. ومنهُ قولهُ تعالَى: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفَتح، أتْبَعُوا الفَتحَ الفَتحَ الَّذي قبلهُ وصَوتَ الألفِ، لأنّهُ مَجزُومٌ بالنَّهـي».

    و هناكَ من ذهبَ إلى أنَّ اختيَار الفَتح كانَ لأنّه أخفُّ الحَركَات، قالَ (أبو حَفصٍ النّسَفيّ) في (التَّيسير في التَّفْسير): «وَقرأَ (نافعٌ) وأهلُ الكُوفَة بالنَّصبِ على النَّهْـي، لأنَّ أصلَهُ الجَزمُ، وحُرِّكَ لاجتماعِ السَّاكنَين، واخْتِيـر الفَتحُ لأنَّهُ أخفُّ الحَركات». واجتماعُ السّاكنَين في (تُضَارَّ) يَأتي من حُدوث الإدغَام الّذي يَستلزمُ تَسكينَ الحرفِ الأوّل، فأنتَ إذا تَتبّعتَ المراحِل خَلَصتَ إلَى هذَا: (تُضَارُّ أصلُها تُضارِرُ)، فإذَا دخلَ حرفُ الجزمِ، وهوَ هُنا (لا النَّاهيَة) سُكِّن آخرُ الفِعل: (لا تُضَارِرْ)، ثمّ تُسكَّن الرّاء الأُولى لأَجْل الإدْغَام: (تُضَارْرْ)، فيَلتَقي سَاكنانِ فيُحرَّك الثّاني منهُما، فاخْتِيرَ التَّحريكُ بالفَتح: (لا تُضارَّ).

    أمّا عن الإدْغام فأنتَ بالخِيار، إنْ شِئتَ أدغَمتَ، وإنْ شئتَ فكَكْت. وكلُّ ذلكَ عربيّة فصيحةٌ. وبذلكَ جاءَ التّعبيـرُ في القُرآن الكَريم، تجدُ ذلك مثلاً في الفِعل (شَاقَّ)، فقدْ وردَ في سورة (الأنْفَال) بالفَكّ، فقالَ تعالَى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾، بينمَا جاءَ بالإدْغام في قولهِ تعَالى في سُورة (الحَشْر): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾، ووَقع ذلكَ في الفِعل (حَلَّ) في آيَة واحدةٍ إدغاماً وفَكّاً، في قولهِ عزّ وجلّ في سُورة (طه): ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِـي فَقَدْ هَوَى﴾. ومِن اخْتلاف القِراءَات، علَى هذا النَّحْو، الآيَةُ الّتـي في سورَة (المائِدَة)، حيثُ قَرَأَ بعضُهم: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ بِالْفَكِّ، وقرَأَ آخرُونَ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، بالإدْغام.

    لكِنَّ فَضْلَ تدَبُّرٍ يَكشفُ لكَ عنْ لطيفَةٍ بَيَانيّةٍ بَديعةٍ تلُوحُ خلفَ الإدْغَامِ، ذلكَ أنّ الفعلَ (تُضَارَّ) في هذهِ الآيةِ، على هَذا الوَجْهِ، يحتَمِل مَعْنيَيْن: البِناءَ للمَعْلُومِ والبِنَاءَ للمَجْهُول، وذلك لخَفَاء حرَكةِ الحَرف الأوّل المدْغَم في أَصلِها. وأمَّا الفعْل غيْــــــــرُ الـمُضعّف مثْلُ (نَاصَرَ)، فالفَرْقُ فيـــــــــــــهِ بَـيِّــــــــــــنٌ بالحَركَاتِ: تقولُ: (نَاصَرَ العَادِلُ المظلُومَ). فَعَلى البناء للفاعِلِ، تقولُ: (العَادلُ: يُنَاصِرُ) بالكَسر، وأمّا على البِناء للمَفعول، فتقُول: (المظلُومُ: يُنَاصَرُ) بالفَتح. فيَنْمَاز أحدُهما عن الآخَر، باخْتلافِ حركَة ما قبلَ آخِره. لكنْ معَ الإدْغَام في المضعَّف لا يَبِينُ كَسْرٌ منْ فَتْحٍ،إنمّا هيَ كلمَةٌ واحدَةٌ تجْمَعُهُمَا معاً: (تُضَارّ)؛ ففَتَحَتْ، بذلكَ، المعْنَـى علَى احْتِماليْنِ: أمَّا الأوّل، فَأنْ يَكُون (الضَّرّ ) صَادِراً منَ الوالدَةِ تُجاهَ الأبِ، فيكونُ الفعْلُ مبنيّاً للمَعلُومِ: (لا تُضَارِرْ والدَةٌ)، والمعْنَى حينَئِذٍ: أنْ تَأبَى الأمّ إرْضاعَ الوَلدِ لتَضُرّ أبَاهُ، فيكونُ الإعرَاب: (تُضَارَّ = تُضَارِرْ: فعْلٌ مضارعٌ مجزُومٌ – وَالدَةٌ: فَاعلٌ مرفُوعٌ). وأمَّا الثّاني، فأنْ يَكونَ (الضَّرّ) وَاقعاً عَلى الأمِّ، فيكونُ الفعلُ مبْنيّاً للمَفْعُولِ: (لا تُضَارَرْ والدةٌ). والمعْنَى حِينَئذٍ: أنْ يَحرِمَ الأبُ الأمَّ منْ ولدِهَا، ليَضُرّهَا ويُؤذيَها. فيكُونُ الإعرَابُ: (تُضَارَّ = تُضَارَرْ: فعْلٌ مضارعٌ مَجزُومٌ مَبْنيّ للمَجْهُول – وَالدَةٌ: نَائبُ الفَاعِل مَرْفُوع). وقدْ لخَّصَ ذلكَ (ابنُ جُزيّ) في تفسِيرهِ خيـرَ تلخيصٍ فقَالَ: «ويُحتَمَل أنْ يَكونَ الفعلُ مُسنَداً إلَى الفَاعلِ، فيكُون ما قبْلَ الآخِرِ مَكسُوراً قبْلَ الإدْغَام، أوْ يَكُونَ مُسنَداً إلَى المفعُولِ فيكونُ مَفتُوحاً. والمعْنَى عَلى الوجْهَيْن النّهْـيُ عنْ إضْرَار أحَد الوَالدَيْنِ بالآخَر بِسَبَب الوَلَدِ». وقالَ (الفخْرُ الرّازيّ) في (مَفاتيح الغَيب): «قولُه: ﴿لَا تُضَارَّ ﴾ يَحتمِل وَجْهَين، كِلاهُما جائِزٌ في اللُّغَة. وإنّما احتَمل الوَجهَين، نَظراً لِحَال الإدْغَام الوَاقِع في (تُضَارَّ)؛ أحَدُهما: أنْ يكونَ أصْلُه (لَا تُضَارِرْ) بكَسر الرّاء الأُولى، وعلَى هذَا الوجْه تكُون المرْأَة هيَ الفَاعلة للضِّرَار. والثَّاني: أنْ يكونَ أَصلهُ (لا تُضَارَرْ )، بفَتح الرّاء الأُولى، فتكونُ المرأةُ هيَ المفعُول بهَا الضِّرَار».

    ومَا قيلَ في هَذهِ الآيَةِ الكَريمةِ، يُقالُ عنْ قوْلهِ تعَالى بعْدَ آيَاتٍ في نَفْسِ السُّورَة: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾، فيحتَمِل الفعلُ المعنَيَيْن: إمّا بأنْ يَصدُرَ الضَّرُّ عَنهُما، بأنْ يَكتُب الكاتبُ غيرَ ما أُمليَ عليهِ، فيُحرِّفَه، أو بأَنْ يَشهَد الشَّهيدُ بغَيـرِ الحَقّ، ويُزوّرَ الشَّهَادة، (فَيُضَارِر)، وإمَّا بأنْ يَلحَقهُ هُوَ الضَّرّ ، مِنْ غيْـرِه بأنْ يُشتَطَّ عليهِ، ويُقهَر للكِتابَة أو لِلشّهادَة، (فيُضَارَر). قالَ (الزّجّاج) في (مَعاني القُرآن وإعرَابه): «ومعنَـى ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، قالُوا فيهِ قَولَيْن: قالَ بَعضُهُم: (لَا يُضَارَّ: لا يُضَارِرْ)، فأُدغمَت (الرَّاءُ ) في (الرّاءِ)، وفُتحَت لالتقَاءِ الساكنين، ومعنَـى (لَا يُضَارَّ): لا يَكْتُب الكاتبُ إلا الحَقّ، ولا يَشْهَد الشّاهدُ إلا بالحَقّ. وقالَ قومٌ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: لا يُدْعَى الكاتبُ وهوَ مَشغولٌ، لا يُمكنُهُ تركُ شُغلهِ إلّا بضَرَرٍ يَدخُلُ عليهِ، وكذلكَ لا يُدْعى الشَّاهدُ، ومَجيئُهُ للشَّهادَة يَضُرُّ بهِ».

    فانْظُر إلى هَذا الإيجَازِ الخَفِيّ، وهذَا الإعْجَاز البَيَانيّ اللّطيفِ، كيْفَ اكتَنَفَهُ هذَا اللّفظُ الخَفِيفُ، بلْ كيْفَ ضَامّهُ ذلكَ الإدْغَامُ الكَثِيفُ. فضاقَ بهِ اللّفظُ، واتَّسَع منهُ المعنَـى، ولوْ فُكّ الإدْغامُ كمَا جاءَ في (يُشَاقِق)، لاتَّسعَ اللّفظُ وضاقَ المعنَـى. فإذَا أضفتَ إلى ذَلكَ اسْتِطالَة الْـمَدّ بالأَلف عندَ الإدْغام، بمَا يسمّـى في قَواعدِ التّجويدِ: (الْـمَدّ اللَّازِم)،الّذي يَطولُ معهُ الْـمدّ ستَّ حركاتٍ، أدركْتَ أنّ اختيارَ هذا الفعْل بصِيغَتهِ، في هذَا السّيَاق، منْ أدقِّ ما يُهيَّأُ به اللّفظُ، في صيغَتهِ الصَّرفيّة وبنَائِه الصَّوتيّ، ليحمل القارئَ المتدَبّر إلَى أفيَاءٍ منَ المعَانِي وظِلالٍ منَ الدّلالَات، في حَدائقَ ذَاتِ بَهجَة.



    المصدر
  • احمد الابراهي
    عضو جديد
    • Sep 2025
    • 79

    #2
    شكرا للنشر

    تعليق

    يعمل...