معالم من الإيحاءات النبوية اللغوية "الإحساس اللغوي" (1)
أ.د. رياض الخوام
الحديث عن لغة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تستوفيها مقالةٌ ولا تحيط بها رسالةٌ، فهو كما قال عن نفسه “أنا أفصح العرب “فلا غرابة أن يكون كلامه بديعاً في تراكيبه ، عجيبًا في تناسقه ، مدهشًا في تأنق مفرداته، حتى دُهش الصحابة رضوان الله عليهم وهم الفصحاء فراحوا يسألونه عن سر ذلك، قال له عمر بن الخطاب “يا رسول الله، مالك أفصحنا ولم تخرجْ من بين أظهرنا، فقال: كانت لغة إسماعيل قد درَستْ فجاءني بها جبريل فحفظتها”[1]، يعني أنه صلى الله عليه وسلم امتلك اللغة كلها مفردات وتراكيب، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشافعي بقوله: ولا نعلمه – أي لسان العرب – يحيط به إلا نبي”[2]، وثمة ظاهرة كانت تتراءى لي حين أقرأ عن بدايات النحو، تبدو في تلك اللمحات الدالة على الإحساس اللغوي الدقيق عند العرب قبل الإسلام، ولعل أوضح مثال على ذلك قصة النابغة مع حسان بن ثابت حين اعترض على بيته الشعري:
لنا الجفناتُ الغُرُّ يلمَعْنَ في الضحى
وأسيافُنا يقطُرْنَ من نجدةٍ دما
قال له النابغة: لقد قللت جفانك وأسيافك ،فقال له حسان: من كلامنا وضعُ القليل موضعَ الكثير[3] فمهما قيل حول هذه القصة فهي تفيد أن هناك إحساسًا ذوقيًّا لغويًّا عند النابغة دفعه إلى ذلك التعليق الذي يدل على قلة جمع المؤنث السالم، وأوزان جمع القلة، حين لم يكن النحاة والصرفيون المتخصصون قد وُلِدوا بعدُ، وفي العصر الإسلامي تبرز قصة الأعرابي مع عمر بن الخطاب شاهدة على هذا التذوق اللغوي أيضاً إذ أحس الأعرابي بأن العطف يفيد التشريك في الحكم ،تقول القصة: إن أعرابيًّا قدِمَ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: مَنْ يُقرِئُني شيئًا مما أنزلَ الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فأقرأه رجل سورةَ براءة، فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِه، بالجر، فقال الأعرابي: أَوَقد بَرِئَ الله من رسوله ؟ إن يكنِ اللهُ بريءٌ من رسوله فأنا أبرأُ منه، فبلغ عمرُ رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه، فقال: يا أعرابي، أتبرأُ من رسول الله؟ فقال: يا أميرَ المؤ منين، إني قدمت المدينة ،ولا عِلْمَ لي بالقرآن، فسألت مَنْ يُقرئُني، فأقرأني هذا سورةَ براءة، فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِه، فقلت أَوَقدْ برئ اللهُ تعالى من رسوله؟ إن يكن بَرِئَ من رسوله، فأنا أبرأُ منه، فقال له عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولَهُ”، فقال الأعرابي: وأنا – والله – أبرأُ ممن برِئَ الله ورسولُه منه، فأمر عمر رضي الله عنه ألّا يُقرئ القرآنَ إلا عالمٌ باللغة، وأمرَ أبا الأسود أن يضعَ النحوَ [4].
ويبدو هذا الإحساس اللغوي أيضًا فيما ذكره سيبويه في كتابه من أخبار؛ كحكاية الأعرابي الذي دعا على غنم جاره بقوله: “اللهم ضبعا وذئبا” وحين سئل عن ناصب ضبعًا أجاب الأعرابي بأن مرادي: اللهم اجمع أو أرسل – أي قدر العامل الناصب للفظة الضبع، فهذا الخبر وأمثاله في كتاب سيبويه تؤكد أن ثمة إحساسًا لغويًّا ذوقيًّا هو الذي يُظهر التركيب اللغوي بشكله الظاهر، ثم لو تتبعنا ما ذكره ابن جني في خصائصه من قصص وأقوال ملتمسين هذا الإحساس لوجدناه ظاهرًا واضحًا أيضًا ولعل أشهر هذه القصص تفسير الأعرابي لقوله: فلان لغوب جاءته كتاب فاحتقرها، فهو إنما أنَّث لأنه شعر أن الكتاب صحيفة لذا أنث من أجلها، ومن ذلك قولهم التنوين ثقيل على ألسنتهم لذا قرأ سابق النهار بنصب النهار مع تركه بنوين سابق، ومن ذلك ما ذكروه حين نقل النحاة تفسير من قرأ “قل يا أيها الكافرون بنصب الكافرون”، فقال: لكي لا أجلُّ الكفرة، فهذه الحكايات وغيرها كثير تؤكد على أن القوم ملكوا أحاسيس لغوية داخلية دفعتهم إلى إنتاج التراكيب اللغوية الشكلية المعبرة عما يجيش في صدورهم، ويجول في خواطرهم.
بعد هذا التطواف المبين لمعنى الإحساس اللغوي وسيرورته، ندلف إلى الأحاسيس اللغوية التي أُلْهِمَها الرسولُ صلى الله عليه وسلم في أقواله وإرشاداته، فقد لاحت من الملامح الآتية:
(يتبع)
_______
[1] – شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 5/296 رواه أبو نعيم وفي رواية ابن عساكر فحفظنيها أي جبريل.
[2] – الرسالة 49.
[3] – المقاصد الشافية 7/14-17وفي رواية الأغاني 9/384قال النابغة : إنك قللت :الجفنات فقللت العدد ،ولو قلت الجفان لكان أكثر ، وقلت : يلمعن في الضحى ، ولو قلت: يبرقن في الدجى ،لكان أبلغ في المديح ،لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً ، وقلت :يقطرن من نجدة دماً،، فدللت على قلة القتلى ،ولو قلت :يجرين “لكان أكثر لا نصباب الدم ، انظر ما كتبه الدكتور فاروق مواسي حول هذه القصة في مقاله “مشهد من نقد الشعر القديم” موقع ديوان العرب.
[4] – نزهة الألباء ،18 وانظر القصة أيضاً في الجامع للقرطبي ،1/43 والبحر 5/6 وروح المعاني 10/47أما في المزهر 2/302فقال :أخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة.
أ.د. رياض الخوام
الحديث عن لغة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تستوفيها مقالةٌ ولا تحيط بها رسالةٌ، فهو كما قال عن نفسه “أنا أفصح العرب “فلا غرابة أن يكون كلامه بديعاً في تراكيبه ، عجيبًا في تناسقه ، مدهشًا في تأنق مفرداته، حتى دُهش الصحابة رضوان الله عليهم وهم الفصحاء فراحوا يسألونه عن سر ذلك، قال له عمر بن الخطاب “يا رسول الله، مالك أفصحنا ولم تخرجْ من بين أظهرنا، فقال: كانت لغة إسماعيل قد درَستْ فجاءني بها جبريل فحفظتها”[1]، يعني أنه صلى الله عليه وسلم امتلك اللغة كلها مفردات وتراكيب، وقد أشار إلى ذلك الإمام الشافعي بقوله: ولا نعلمه – أي لسان العرب – يحيط به إلا نبي”[2]، وثمة ظاهرة كانت تتراءى لي حين أقرأ عن بدايات النحو، تبدو في تلك اللمحات الدالة على الإحساس اللغوي الدقيق عند العرب قبل الإسلام، ولعل أوضح مثال على ذلك قصة النابغة مع حسان بن ثابت حين اعترض على بيته الشعري:
لنا الجفناتُ الغُرُّ يلمَعْنَ في الضحى
وأسيافُنا يقطُرْنَ من نجدةٍ دما
قال له النابغة: لقد قللت جفانك وأسيافك ،فقال له حسان: من كلامنا وضعُ القليل موضعَ الكثير[3] فمهما قيل حول هذه القصة فهي تفيد أن هناك إحساسًا ذوقيًّا لغويًّا عند النابغة دفعه إلى ذلك التعليق الذي يدل على قلة جمع المؤنث السالم، وأوزان جمع القلة، حين لم يكن النحاة والصرفيون المتخصصون قد وُلِدوا بعدُ، وفي العصر الإسلامي تبرز قصة الأعرابي مع عمر بن الخطاب شاهدة على هذا التذوق اللغوي أيضاً إذ أحس الأعرابي بأن العطف يفيد التشريك في الحكم ،تقول القصة: إن أعرابيًّا قدِمَ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: مَنْ يُقرِئُني شيئًا مما أنزلَ الله على محمد صلى الله عليه وسلم، فأقرأه رجل سورةَ براءة، فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِه، بالجر، فقال الأعرابي: أَوَقد بَرِئَ الله من رسوله ؟ إن يكنِ اللهُ بريءٌ من رسوله فأنا أبرأُ منه، فبلغ عمرُ رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه، فقال: يا أعرابي، أتبرأُ من رسول الله؟ فقال: يا أميرَ المؤ منين، إني قدمت المدينة ،ولا عِلْمَ لي بالقرآن، فسألت مَنْ يُقرئُني، فأقرأني هذا سورةَ براءة، فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولِه، فقلت أَوَقدْ برئ اللهُ تعالى من رسوله؟ إن يكن بَرِئَ من رسوله، فأنا أبرأُ منه، فقال له عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أن الله بريء من المشركين ورسولَهُ”، فقال الأعرابي: وأنا – والله – أبرأُ ممن برِئَ الله ورسولُه منه، فأمر عمر رضي الله عنه ألّا يُقرئ القرآنَ إلا عالمٌ باللغة، وأمرَ أبا الأسود أن يضعَ النحوَ [4].
ويبدو هذا الإحساس اللغوي أيضًا فيما ذكره سيبويه في كتابه من أخبار؛ كحكاية الأعرابي الذي دعا على غنم جاره بقوله: “اللهم ضبعا وذئبا” وحين سئل عن ناصب ضبعًا أجاب الأعرابي بأن مرادي: اللهم اجمع أو أرسل – أي قدر العامل الناصب للفظة الضبع، فهذا الخبر وأمثاله في كتاب سيبويه تؤكد أن ثمة إحساسًا لغويًّا ذوقيًّا هو الذي يُظهر التركيب اللغوي بشكله الظاهر، ثم لو تتبعنا ما ذكره ابن جني في خصائصه من قصص وأقوال ملتمسين هذا الإحساس لوجدناه ظاهرًا واضحًا أيضًا ولعل أشهر هذه القصص تفسير الأعرابي لقوله: فلان لغوب جاءته كتاب فاحتقرها، فهو إنما أنَّث لأنه شعر أن الكتاب صحيفة لذا أنث من أجلها، ومن ذلك قولهم التنوين ثقيل على ألسنتهم لذا قرأ سابق النهار بنصب النهار مع تركه بنوين سابق، ومن ذلك ما ذكروه حين نقل النحاة تفسير من قرأ “قل يا أيها الكافرون بنصب الكافرون”، فقال: لكي لا أجلُّ الكفرة، فهذه الحكايات وغيرها كثير تؤكد على أن القوم ملكوا أحاسيس لغوية داخلية دفعتهم إلى إنتاج التراكيب اللغوية الشكلية المعبرة عما يجيش في صدورهم، ويجول في خواطرهم.
بعد هذا التطواف المبين لمعنى الإحساس اللغوي وسيرورته، ندلف إلى الأحاسيس اللغوية التي أُلْهِمَها الرسولُ صلى الله عليه وسلم في أقواله وإرشاداته، فقد لاحت من الملامح الآتية:
(يتبع)
_______
[1] – شرح الزرقاني على المواهب اللدنية 5/296 رواه أبو نعيم وفي رواية ابن عساكر فحفظنيها أي جبريل.
[2] – الرسالة 49.
[3] – المقاصد الشافية 7/14-17وفي رواية الأغاني 9/384قال النابغة : إنك قللت :الجفنات فقللت العدد ،ولو قلت الجفان لكان أكثر ، وقلت : يلمعن في الضحى ، ولو قلت: يبرقن في الدجى ،لكان أبلغ في المديح ،لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً ، وقلت :يقطرن من نجدة دماً،، فدللت على قلة القتلى ،ولو قلت :يجرين “لكان أكثر لا نصباب الدم ، انظر ما كتبه الدكتور فاروق مواسي حول هذه القصة في مقاله “مشهد من نقد الشعر القديم” موقع ديوان العرب.
[4] – نزهة الألباء ،18 وانظر القصة أيضاً في الجامع للقرطبي ،1/43 والبحر 5/6 وروح المعاني 10/47أما في المزهر 2/302فقال :أخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة.
