"البيان في روائع القرآن"، في ضوء "اللغة العربية معناها ومبناها"=2/2

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    "البيان في روائع القرآن"، في ضوء "اللغة العربية معناها ومبناها"=2/2

    "البيان في روائع القرآن"، في ضوء "اللغة العربية معناها ومبناها"،
    إطلالة على حركة تفكير الدكتور تمام حسان،
    رحمه الله، وطيب ثراه!
    ج2/2



    ألفُ صفحة تقريبا مقسمةٌ على جزأين: الأول في دراسة التراكيب القرآنية، والثاني في دراسة الأساليب القرآنية -هكذا صنفهما الدكتور تمام حسان نفسه- في الأول خمسة عشر فصلا: الإعراب، والبنية، والرتبة، والتضام، والربط، والسياق، وتأملات في القيم الصوتية، والرخصة، وتنوع معاني مشتقات المادة الواحدة، وفروق في معاني المفردات، والنمط التركيبي، وألفاظ وعبارات مختارة، والعلاقات الملحوظة، والصحة والجمال، وصفات القرآن. وفي الثاني اثنا عشر فصلا: دَلالة الكنائيات، ومفهوم المسافة، والأسلوب العدولي، والمؤشرات الأسلوبية، وأساليب التوجيه، والجانب الخلقي، وأسلوب الدعوة، والنص القرآني يفند أكذوبة الغرانيق، وتأملات في سورتي الرحمن والواقعة، وقصة يوسف -عليه السلام!- كما تعرضها السورة، وبنو إسرائيل، والهيكل البنيوي لبعض السور.
    لقد عرض في الجزء الأول منهما، كثيرا من أفكار كتابه "اللغةُ العربية معناها ومبناها"، عرضًا تعليميا أرحب وأخصب؛ ها هو ذا يقول في "البيان": "لو قارنا معنى [متى] ومعنى ما تدخل عليه في الجمل الآتية: [متى يقوم زيد]، [أقوم متى يقوم زيد]، [متى يقم زيد أقم]- لوجدنا جملة [يقوم زيد] في الجملة الأولى أصلية، وفي الجملة الثانية فرعية، وهي في الجمل الثلاث محفوظة الرتبة بالنسبة لما يصاحبها؛ فلو تأخر الفعل [أقوم] في الجملة الثانية لجُزم، ولو تصدر [أقم] في الثالثة لرُفع، أما [يقوم زيد متى]، فهو أسلوب حوار قلما يُقبل إلا مع القرائن الخارجية في الحوار؛ إذ يغلب أن يكون [يقوم زيد] في هذه الجملة ترديدا لكلام سمعه المتكلم وأنكره في نفسه، أو عجِب له فردده، ثم أراد السؤال عنه؛ فوصله بالجملة السابقة، وجعل ما قبل [متى] دليلا على المحذوف بعدها. وعند نقل الظروف إلى الشرط تُلحق بها [ما] الشرطية، وهذا شبيه باتصال [ما] الاستفهامية بحرف الجر عند إرادة الاستفهام، نحوَ [أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا] -البقرة: 148- وقولِه: [وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره] -البقرة: 144- ويُنقل بعض الظروف إلى الحرفية كما في [إذ] حين تدل على التعليل كما في قوله -تعالى!-: [وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين] -البقرة: 130-131- وقولِه: [وإذ لم يهتدوا فسيقولون هذا إفك قديم] -الأحقاف: 11- أي لأنه قالَ أسلمتُ، ولأنهم لم يهتدوا به" [البيان: 1/63]، وهو الذي لم يتجاوز في "اللغةُ العربية معناها ومبناها"، قولَه: "الصدارة هنا هي الفارق الوحيد في الرتبة بين الأداة وبين الظرف، لأن الظرف يتقدم على مدخوله نحوَ [أزورك متى أهلَّ رمضان]، ولكن هذا الظرف إذا تعدد معناه الوظيفي فأصبح أداة شرط لزم الصدرَ في الجملة فتصيرُ الجملة الشرطية [متى أهلَّ رمضان أزرْك]، ولا تكون [متى] في الشرط إلا في هذا الموضع" [1979، حسان، الدكتور تمام، اللغة العربية معناها ومبناها، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية: 126]، وشَتّان ما جلالُ القَصْر وجمالُ البستان! وقد استمر في "البيان" على ما كان في "اللغة العربية"، من الولع باستحداث الأنواع والأقسام والضوابط والجداول والمُشجَّرات والمدرَّجات -ولعله لو تيسر له استعمال بعض البرامج الحاسوبية لطور ذلك إلى رسوم بيانية ومعادلات رياضية حديثة- حتى ربما قرأنا مرارا مثل قوله: "تقسيم ظاهرة الالتفات على هذا النحو من مبتكرات هذا البحث فلست أعلم من سبقني إليه" [البيان: 2/201]! واستقر لديه في "البيان في روائع القرآن" بعض ما كان قلقا في "اللغة العربية معناها ومبناها"، بمثل تتبعه مظان الترادف وظيفيا ومعجميا، واطمئنانِه إلى موقفه السابق منه [البيان: 1/٢٨٩].
    ومن شاء ادعى على الدكتور تمام حسان في "البيان"، أنه نحوي جملي، ولكن مقتضى الإنصاف أن يعترف بأنه في أثناء ذلك بلاغي شديد الجرأة بثقافته القرآنية العامة، كما تجلى في مبحث النمط التركيبي، ولاسيما حين يفجر المعانيَ المتعددة التي يعبر عنها النمطُ الواحد كنمط الشرط ونمط الأمر، وحين يُعلق الأنماطَ المتعددة بالتعبير عن المعنى الواحد ولاسيما معنى الدعاء ومعنى التعجب [البيان: 1/ 357]- وفي مبحث العلاقات الملحوظة، الذي نعى فيه على النحويين حرصهم على تمام الجملة النحوية، مستشهدا بالآية الثانية والثلاثين والمئة من سورة البقرة: "فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، التي لابد من صرفها عن ظاهرها [البيان: 1/ 399]، وإن تعقبتُه بخشيتي من إفضاء التقليل من قيمة تقييد العلاقات النحوية إلى إطلاق العلاقات الخرافية، وإيثاري أن يجعل نعيه على مبتذلي العلاقات، الغافلين عن بداعتها! ونَبَّهَ على اعتياص العلاقات الملحوظة، معترفا بما يبذله في تحصيلها، ومبتهجا بتوفيقه في ذلك إلى ما لم يسبق إليه، ولا بأس به، لولا أن يَشوبه أحيانا بمثل قوله -وفيه نظر!-: "مَثَلُ موقف القرآن من قواعد النحاة مَثَلُ موقف القانون السماوي من القانون الوضعي (...)، الأول من عند من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والثاني صنَعه من لا يصل إلى الحقائق إلا من خلال الظواهر"، [البيان: 1/233]. وقد نعى على المفسرين كذلك تنويهَهم بتفسير القرآن بالقرآن وإهمالَهم له [البيان: 1/ ٤٠٤]؛ فذَكَّرَني قول أحد أفذاذ الدعاة المعاصرين، في توجيه توالي ما ظاهره التنافر من آيات القرآن الكريم: هذا معترك المتفكرين المتدبرين!
    لقد ذكر الدكتور تمام حسان نفسه، أنه جعل الجزء الأول من "البيان"، دراسة تركيبية، والجزء الثاني دراسة أسلوبية، ولكننا نجده يجعل الجزء الثاني مندوحةَ أفكارٍ من الجزء الأول، وبحسبي الإشارة إلى تفريقه بين الترخص والعدول، من حيث الترخصُ فَلْتةٌ مقيدة والعدولُ ممارسة مطلقة؛ فقد كان الترخص من مباحث الجزء الأول، والعدول من مباحث الجزء الثاني [البيان: 2/77]!
    تأمل الدكتور تمام حسان مقدارا هائلا من الآيات، ثم كأنه قال لنفسه: أما آن لي أن أتأمل بعض السور الكاملة! ومن مقام التوسع في بعض أفكار الجزء الأول، انطلق في الجزء الثاني إلى مباحث طريفة، تطلع بها إلى إطلاق أفق الكتاب في فضاء أفق النص، متأتيًا بمثل قوله: "يُنسب الحضور والغيبة إلى الكنائيات نسبة نهائية في حدود النظام، ولكن الاستعمال قد يخرج بها إلى معان أخرى لم ترد في خاطر النحاة، فيتحقق بهذه المعاني الاستعمالية حدودُ الفرق بين نحو الجملة ونحو النص؛ ذلك أن نحو النص ينتفع بمبدأين مهمين في الظاهرة اللغوية، هما مبدأ النقل وتعددُ المعنى، سواء في ذلك المعنى الوظيفيُّ والمعنى المعجمي" [البيان: 2/9]، واستفاد فيما جمَّعه لاحقا مما فرَّقه سابقا، وكرر كثيرا منه، وكانت له في أثناء ذلك لطائف لا تنكر ولا تهمل.
    من ذلك مثلا قوله في مبحث "قصة يوسف كما تعرضها السورة": "في النفس الإنسانية رقة لأصغر الأبناء ظنا أن الأب الشيخ لن يبقى لهم على قيد الحياة حتى يشِبوا عن الطوق ويبلغوا أشدهم ليستغنوا عنه، وأنه إن تركهم فلن يأمن جور الوصي ولا غائلة الأيام، وهكذا يزداد للصغير رقةً على رقة، وهذا ما كان من يعقوب ليوسف وأخيه"، ثم قولُه: "لقد كان لدى النساء دائما من الفراغ والتزاور مع الجارات والصديقات ما يحملها على شغل وقتها بالخوض في سيرة غيرها ولاسيما إذا وجدت من الموضوعات ما يصلح للتناول وممارسة الغيبة"!
    ومن القصة المنحصرة في سورتها، انتقل الدكتور تمام حسان إلى قصة بني إسرائيل المنتشرة في القرآن الكريم كله، ومن القصة المنتشرة المعروفة المعالم، انتقل إلى الرسالة العامة المستنبطة، التي كانت له فيها لطائف لا تنكر أيضا ولا تهمل، من مثل قوله في مبحث "الجانب الخلقي في تعاليم القرآن الكريم": "قد يظن إنسان أن العفة فضيلة سلبية لأن مضمونها يقوم على مبدأ الامتناع، غير أن هذا الظن خطأ، لأن هناك من الفضائل ما يمثل صراعا مع نزوع النفس إلى نزواتها، ومن هذه الفضائل الصبر والعفة والقناعة، وكلها يمثل انتصارا على النفس، ولا شك أن الانتصار إيجابي لا سلبي" [البيان: ٢/٢٥٨]، وقولِه في مبحث "أسلوب الدعوة في القرآن الكريم": "ذلك بأن القرآن هو ديوان الدعوة الإسلامية -إن صح التعبير- ففيه كل الوسائل الموصلة إلى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن (...) لقد أمرنا الله -سبحانه!- أن نجعل المعروف قرينا للكثير من تصريفنا للعلائق الاجتماعية، حتى لكأن العرف هو قانون التعامل الإسلامي حين لا يكون هناك تشريع (...) لقد نسب بعض الحاقدين على الإسلام إلى الإسلام أنه انتشر بحد السيف؛ فهل يمكن تصديق هذه الفرية مع وجود كل هذه الصفحات المشرقة بآيات الله -سبحانه!- إلى جانب ما يرويه التاريخ من دخول الإسلام في أراض كثيرة لم تطأها قدم جندي مسلم كغرب إفريقيا وشرق آسيا وشمال أوروبا والأمريكتين" [البيان: ٢/ ٢٨٦، 294، 296].
    ولقد انتهى الدكتور تمام حسان بـ"البيان"، إلى مبحث "الهيكل البنيوي لبعض سور القرآن الكريم"، الذي تأمل فيه طوائف الآيات بعد الآيات من سور الفرقان والشعراء والنمل والقصص والعنكبوت، وكلما فرغ من تأمل طوائف آيات السورة منها، نص على المقاصد التي تدور عليها فتتكامل وتتماسك، ولا تدع مقالا لمدعي التفكك على القرآن الكريم، مثلما ينص النصيّون المحترفون على "البنية النصية الكبرى"، وهذا آخر الكتاب، وأقصى ما وصل إليه تطلعه إلى علم النص، ولعله خرج من قلبه فوقع في قلبي؛ فبعد بضعة أعوام كلفتُ بعض طلاب الدكتوراة بإشرافي، داخل مصر وخارجها، أن يجعل موضوعه "الوحدة الموضوعية القرآنية في ضوء نظرية البنية النصية الكبرى".
    أَلَا قد أدى الدكتور تمام حسان ما عليه -رحمه الله، وطيب ثراه!- ألا فَلْنؤدِّ ما علينا، وإنما يُوفَّق من يستحق التوفيق، والحمد لله رب العالمين!
    التعديل الأخير تم بواسطة أ.د. محمد جمال صقر; الساعة 01-29-2026, 02:46 PM.
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...