بَحْرُ الْمَحْمولِ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    بَحْرُ الْمَحْمولِ

    بَحْرُ الْمَحْمولِ
    لِلدُّكْتورِ مُحَمَّدْ جَمالْ صَقْرْ
    كلية دار العلوم * جامعة القاهرة
    mogasaqr@yahoo.com

    كنت قبل شراء هاتفي المحمول ، في مَنْدوحَةٍ وبُحْبوحَةٍ !
    أغيب أغيب أغيب ، ثم أحضر فجأة ؛ فلا يكون أحسن في الغياب من غيابي ، ولا أحسن في الحضور من حضوري !
    ثم ماذا ؟
    ثم لم أجد محيصا ولا مناصا من أن أستعمله ، فاشتريت جهاز نوكيا 6510 - هكذا هو فيما أظن ! - الذي يسمونه " العصفورة " ، ولو سموه " الغراب " ، لكان أشبه ، إلا إذا كانوا لمحوا في تسميتهم معنى التَّجَسُّس والتَّحَسُّس الواضحين في عبارة المصريين كلما عرفوا أمرا خفيا " العَصْفورا قالِتْ لي " ، أو إلا إذا كانوا أشاروا إلى الباب الصحفي الساخر الشهير " العُصْفورَة " ، الذي أظن أننا كنا نَتَفَقَّدُه قديما أول ما نتفقد من صحيفة الوفد المصرية !
    علم ذلك أحد أستاذتي العلماء الفنانين ؛ فكتب لي هذه الرسالة باللهجة المصرية الساخرة ، في أول ما كتب الناس لي :
    " مَبْروكِ الْمَحْمولْ
    عُقْبالِ الْمَحْمولْ فيهْ " !
    هكذا من دون تشكيل ، بلا ريب - وإنْ دَقَّقْتُ به تَسْجيلها - فاستثارني تَوًّا إلى هذه الرسالة باللغة العربية :
    " وَإِذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا أَتْعَبَتْ في مُرادِها الْمَحْمولا " !
    التي سرقتُها من قول سيدنا أبي الطيب - وما أكثر السارقين منه ! - :
    " وَإِذا كانَتِ النُّفوسُ كِبارًا تَعِبَتْ في مُرادِها الْأَجْسامُ " !
    فلسفة بفلسفة ، والبادئ أظلم !
    ثم ضرب الدهر ضَرَبانَه ، حتى سهرنا معا أنا وبعض أساتذي وأصدقائي ، في كرامة أستاذي ذلك العالم الفنان نفسه ؛ فكان بهجةَ المجلس ؛ إذ استطرد بحديثه إلى " شِعْرٍ إِخْوانيٍّ بَريديٍّ " حدث بينه وبين بعض أصدقائه ؛ فاستطردت إلى " شِعْرٍ إِخْوانيٍّ مَحْموليٍّ " حدث بيني وبين بعض أصدقائي ، من مثل رسالة بعضهم :
    " طَفِئَتْ آدابُنا وَانْدَرَسَتْ غَيْرَ ما خَلَّفَ مَحْمودُ بْنُ شاكِرْ " !
    التي جاملني فيها بالثناء على أبي فِهْرٍ محمود محمد شاكر - رحمه الله ! - أستاذي .
    ورسالتي في جوابه :
    " كَيْفَ وَالْعَبْسيُّ يَزْدادُ عَلى ما دَهاهُ الدَّهْرُ نورًا وَنَوادِرْ " !
    التي جاملته فيها بالثناء على أبي مسلم البهلاني - رحمه الله ! - أستاذ أساتذته .
    وبينت وَجْهَ شَبَهِ تلك المراسلات بفنون المساجلة والمماتنة والإجازة ، القديمة التي كان العربيان يتطارحان فيها النظم ، قولا بقول ، وأنه لَمّا زادني صديقي هذا بيتا آخر ، وكنت في عمل لازم ، لم أستطع إلا أن أقول له في رسالة أخيرة رَحِمَني بَعْدَها :
    " أَعْجَزَتْني عَنْ إِجازاتِ الْأَكابِرْ خَطَراتُ الْعِلْمِ في وَهْمِ الْأَصاغِرْ " !
    ثم استطردت ثانيا إلى رسالة أردت أن أعتذر بها عن تقصيري في حق بعض أصدقائي ؛ فلم يتيسر لي غير قول الشاعر المصري عبد الوهاب محمد ، باللهجة المصرية :
    " يا سيدي مَسِّ عَلينا
    أَوْ حَتّى صَبَّحْ بِكِلْمَهْ
    يِعِزِّ زَعَلَكْ عَلينا
    وِتِصْبَحِ الدُّنْيا ضَلْمَهْ " !
    فقال بعض أصدقاء المجلس نفسه : لكن هذا من أغنية " لطيفة " !
    فقلت : هذا لأنني أنا ولطيفة طلعنا معا !
    فضحكوا كثيرا .
    ثم استطردت ثالثا إلى رسائل التهنئة المحمولية ، بمقدم شهر رمضان الكريم هذه السنة 1426 ، التي كانت تصلني ساذجة ، كأن مرسليها مضطرون إليها خشيةَ الإهمال - كيف فكرت في جوابها ، فاستحسنت من تَسْحيرَةٍ باللهجة المصرية للشاعر فؤاد حداد ، قوله :
    " دي لَيالي سِمْحَه
    نُجومْها سِبْحه
    اِصْحَ يا نايِمْ
    يا نايِمِ اصْحَهْ
    وَحِّدِ الرَّزاقْ
    رَمَضانْ كَريمْ " !
    فأحيتْ ذكرى رمضان الموغلة في نفوس المصريين ، وأثرت فيهم وفي غيرهم تأثيرا كبيرا ، حتى راسلوني - ثم قابلوني - بالثناء عليها ! ولكنها عرضتني لظن بعضِ غير المصريين ، أنني أنبهه بـ" اصْحَ يا نايِمْ يا نايِمِ اصْحَهْ " على شيء ؛ فرتَّبَ لي أمسية ، ثم دعاني إليها دعوة رسمية ؛ لعلي أرضى !
    ثم استطردت رابعا إلى رسائل التهنئة بعيد الفطر ، المحمولية الاضطرارية الساذجة كذلك ، كيف عَزَفْتُ عن مجاراتها إلى تدبيج هذه الرسالة الشعرية العربية :
    " عيدٌ سَعيدٌ أَنْتَ لي
    فَلْتَعُدْ
    بِالْعادَةِ الْغالِيَةِ الْوافِيَهْ
    بِزَهَراتِ الْعَفْوِ وَالْعافِيَهْ " !
    ثم أقبلت أشرح كيف أعاني إحكام الرسائل العربية في مساحة سبعين حركة فقط ، لا تَبُثُّني " العصفورة " غيرها ، وأنني أخرجت هذه الرسالة الأخيرة مثلا من بحر السريع ، ثم لما ضاقت المساحة حذفت من حق الشعر العربي العمودي شطر البيت الآخر ، ولا ريب في أنني لم أجد مكانا لاسمي ؛ فلم يكن يعبأ بمعاناتي تلك ، غير من يعرف رقم المرسل !
    فقال بعض أصدقاء المجلس :
    غَيِّرْ مَحْمولَك ، وهات جهازا متطورا يُتيحُ لك مساحة وافية !
    من باب " يا أَخي أَرِحْنا " !
    ولكنني لم أنتبه ، بل رأيت المجلس فرصة علمية مناسبة لطرح نظرية " شِعْرِ الْمَحْمولِ " ، العبارة التي سمعتها من بعض ممثلي مسلسل كويتي ؛ فلم أنسها !
    ربما كتبها كاتب المسلسل عرضا ، ولكنه انتبه بلا ريب ، إلى نوع معاصر من الشعر ينبغي أن يؤصل ويفصل ، كما أُصِّلَتْ تَوْقيعاتُ القُدَماءِ ، وَفُصِّلَتْ !
    أَكْثَرْتُ مرة أخرى حتى أَهْجَرْتُ ؛ فاعتدل أستاذي العالم الفنان ، ثم تَأَنّى حتى يستطيع أن يحفظ كلامَه من شاء ، ثم قال :
    أَنْتَ رَجُلٌ عَروضيٌّ ؛ فَاجْعَلْ هذا الشِّعْرَ الَّذي عانَيْتَه ، مِنْ بَحْرٍ تُسَمّيه " بَحْرَ الْمَحْمولِ " ، ثم سَجِّلْهُ بِاسْمِكَ " !
    ولكنني لم أنتبه ؛ فكتبت هذا المقال ، أُرَوِّجُ لِبَحْرِيَ الْجَديد ، مُسْتَعِدًّا لِتَوْصيلِ الشِّعْرِ مِنْهُ إِلى الْمَنازِل !
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...