ΠΤΟΛΕΜΑΙΟΥ ΠΡΟΣ ΦΛΩΡΑΝ
"رسالة بطليموس الغنوصي إلى فلورة المسيحية"
"رسالة بطليموس الغنوصي إلى فلورة المسيحية"
(أ) الرسالة
1. مقدمة:
بين أيدينا رسالة كتبها بطليموس الغنوصي (؟ - 180 ميلادي) إلى امرأة مسيحية اسمها فلورة. وتعتبر هذه الرسالة المحررة باللغة اليونانية من أقدم نصوص المذهب الغنوصي التي تناهت إلينا في تلك اللغة. وكانت الكنيسة احتفظت برسالة بطليموس كما احتفظت بغيرها من نصوص المذهب الغنوصي لأنها، أي الكنيسة، كانت ترى في نشر نصوص الهراطقة وتفنيدها أنجع طريقة لمحاربتهم. [1]
والغنوصية [2] (Gnosticism) أو مذهب العرفان هو مذهب نشأ مع نشأة المسيحية في القرن الأول للميلاد وانتشر انتشاراً واسعاً في القرن الثاني. وضع أصول هذا المذهب الشاعر المصري فالانسيوس (الإسكندرية: 110 - 175) الذي كان يرى أن "المعرفة الروحانية" أهم من الإيمان بحد ذاته، وأنه لا سبيل إلى قراءة الكتب المقدسة عموماً وأسفار العهد القديم خصوصاً قراءة ظاهرية بل لا بد من تأويلها تأويلاً ميتافيزيقياً لفهمها، محاولاً في الوقت نفسه التوفيق بين تعاليم المسيح من جهة والفلسفات اليونانية والشرقية من جهة أخرى. فكان نقد الكتاب المقدس ورفض تفسيره تفسيراً حرفياً أهم أصل من أصول مذهبهم. ولعل إمعان الغنوصيين في نقد الكتاب المقدس هو الذي جعل الكنيسة تعتبرهم هراطقة. أما هم فكانوا يعتبرون أنفسهم مسيحيين على الصراط المستقيم لأن إيمانهم مبني على "العرفان" وبالتالي على اليقين. [3]
والحقيقة أن مشكلة كتاب العهد القديم الذي اعتمدته الكنيسة كانت من التعقيد بمكان جعل حتى آباء الكنيسة يضطربون تجاهها. والمشكل اللاهوتي العويص كان في محاولة التوفيق بين صورة الإله التي يقدمها كتاب العهد القديم، وصورة الإله التي تقدمها الأناجيل، وهذا باد بجلاء من محاولة قيام بطليموس بالتدليل على التضاد بين الصورتين معتمداً في ذلك على أماكن بعينها من كتب العهد القديم، مبرهناً بطريقته على أن الإله الذي أوحى بالتوراة أو ببعض منها إلى موسى هو غير الإله الآب الرحيم الذي بعث عيسى وأوحى [4] بالأناجيل إلى الرسل، أي إن إله اليهودية ليس هو هو إله المسيحية!
وزاد الجدل في كتاب العهد القديم، وتدخلت الكنيسة لتحكم بين الآراء، فأدى تدخلها في الجدل إلى نشوء آراء كثيرة أدت بدورها إلى تفرع المذهب الغنوصي إلى فرعين رئيسيين: فرع شرقي ومركزه الإسكندرية، وفرع غربي ومركزه رومة. وكان بطليموس من أتباع الفرع الغربي للمذهب، وتعتبر رسالته إلى فلورة، وهي سيدة مسيحية حاول فيها اجتذابها إلى مذهبه، من أقدم نصوص الفرع الغربي للمذهب الغنوصي المحفوظة باللغة اليونانية. [5]
لم تترجم هذه الرسالة المهمة إلى اللغة العربية بعد. من ثمة اهتمامي بها والترجمة التي أنشرها أدناه. وسأردف الترجمة بدراسة مقارنة في معتقد بطليموس في الإله الحق كما يراه هو وكما تراه التوراة موضوع رسالته المهمة إلى فلورة.
2. النص:
1.3. "اعلمي يا أختي الكريمة فلورة أن التوراة التي بشَّر بها موسى لم يفهمها معظم الناس على حقيقتها لأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن المُشرِّع الحق ولا عن حدوده.
2. فهي عند قوم من عند الإله الآب، وعند قوم آخرين يعتقدون اعتقاداً مختلفاً عن الأول، هي من عند العدو، الشيطان الرجيم، تماماً مثلما ينسبون إليه [الشيطان] خلق العالم بزعمهم أنه الآب وأنه خالق كل شيء.
3. ويبدو جلياً أن الفريقين على ضلال لأنهما متناقضان في الرأي ولأنهما لم يوفقا إلى معرفة الحقيقة وفهمها؛
4. إن التوراة ـ نظراً لعدم أهميتها ـ ليست من عند الإله الآب. فهي من جهة ناقصة وتحتاج إلى تكميل، وتحتوي من جهة أخرى على حدود لا تنسجم مع طبيعة الإله الآب وحقيقته.
5. أما الرأي الآخر فهو غير مقبول أيضاً، إذ لا يعقل أن يكون مصدرُ التوراة العدوَّ البغيضَ [= الشيطان] لأنها لا تبيح الظلم. وهذا رأي يعتقده هؤلاء الذين لا يستطيعون ـ وفقاً لكلام المخلص ـ أن يروا ببصيرتهم "أن المدينة المنقسمة على نفسها لا يمكن لها أن تعيش"، كما يقول مخلصنا. [6]
6. وفي تضاعيف ذلك يقول الرسول في مسألة الخلق إن ذلك [الخلقَ] خلقُه وإن "كُلٌّ به كُوِّنَ وبغيره لم يُكَوَّن شيء مما كُوِّن" [7] ـ بهذا يفند [الرسولُ يوحنا] حكمة الكذابين الضالة. ليس [خلقُ العالم] خلقَ الإله الشِّرِّير والمُرعِب، بل خلق [إله] عادل يبغض الشر. إن هذا رأي الجهلة الذين لا يأخذون بأسباب عناية الخالق، المصابين بعمى البصر والبصيرة معاً.
7. يبدو مما سبق أن الفريقين لم يوفقا إلى معرفة الحقيقة. ولقد فهم كلٌ منهما الأمر على طريقته، فالفريق لأول [فهمه هكذا] لأنه لا يعرف إله العدل، والفريق الثاني لأنه لا يعرف الإله الآب، وهو الإله الحق!
8. بقي لنا، نحن الذي وفقنا إلى معرفة [الإلهين] الاثنين ... أن نبين لك ماهية الشريعة [= التوراة] وماهية المشرع والجهة التي أوحت بها! ونريد في هذا المجال أن نبرهن لك على ذلك من خلال كلمات مخلصنا، وهي الكلمات التي تكفينا مؤونة اللجوء إلى مفهوم الكائنات. [8]
1.4. يجب أن تعلمي قبل كل شيء أن الشريعة الموجودة في كتب موسى الخمسة ليست من عند إله واحد! أعني أن هذه الشريعة ليست كلها واردة من عند إله واحد، لأن فيها حدوداً أضافها الناس إليها. وتعلمنا كلمات المخلص أن هذه الشريعة ذات ثلاثة مصادر.
2. فالمصدر الأول هو الله وشرعه، والثاني هو موسى ـ ليس بصفته نبياً يوحى إليه، بل بصفته إنساناً أضاف إلى الشريعة [الموحاة إليه] حدوداً من عندياته ـ، والثالث هو أحبار الأمة الذين ارتأوا إضافة حدود بعينها إلى الشريعة [الموحاة]
3. أما كيف يمكن لنا أن نبرهن على ذلك من خلال كلمات المخلص، فهو ما سوف تتعلمينه الآن!
4. تحدث المخلص ذات مرة مع أولئك الذين سألوه عن الطلاق المسموح به [في شريعة التوراة]، وقال: "إن موسى لأجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولم يكن من البدء هكذا"، "لأن الله"، حسب المخلص، "جمع بين الزوجين، وما جمعه الله فلا يفرقه إنسان". [9]
5. يبدو من ذلك أن شرع الله، الذي يحرم انفصال الزوج عن الزوجة، ليس هو شريعة موسى، التي تبيح الطلاق بين الزوجين، بسبب "عنت القلوب".
6. وهكذا أعلن موسى شريعة متناقضة مع شرع الله، لأن "الطلاق" ضد "عدم الطلاق"!
وإذا حاولنا فهم السبب الذي جعل موسى يقوم بذلك، اكتشفنا أنه لم يفعل ذلك بمحض إرادته هو، بل نتيجة للضرورة التي أملاها عليه ضعفُ أولئك الناس المعنيين بتلك الشريعة [= اليهود] ...
7. ... لأنه لم يكن بمقدورهم تحقيق إرادة الله بتحريم الطلاق، وهي الإرادة التي اعترض عليها بعض الناس الذين كانوا يعيشون [أشقياء] مع أزواجهم، ولكي يتم تفادي المزيد من الشقاء ومن ثم الضلال ...
8. ... فإن موسى أراد أن يتفادى هذا الاعتراض وهذا الشقاء والضلال الناتجين عنه؛ لذلك أضاف حكماً ثانياً [= إباحة الطلاق] إلى الحكم الأول [= تحريم الطلاق] مستبدلاً بذلك شراً كبيراً بشرٍ أصغر منه هو إباحة الطلاق! وقد فعل موسى ذلك بمحض إرادته ...
9. ... لأنهم، عندما لم يكن بمقدورهم احترام الحكم الأول، احترموا الحكم الثاني وبذلك لم ينتهوا إلى الظلم والغضب المؤديَيْن إلى الضلال.
10. إن هذا هو رأيه الذي جعلنا نصنفه رجلاً أضاف إلى شرع الله حكماً مضاداً له! ولقد بينا بأن شريعة موسى مغايرة لشرع الله، وهذا أمر واضح غير قابل للجدل حتى وإن اقتصرنا في البرهنة عليه على هذه النقطة الواحدة فقط!
11. أما بالنسبة إلى وجود أحكام قام الأحبار بإضافتها إلى الشريعة [الموحاة]، فهذا واضح من قول المخلص: "أَكْرِمْ أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض [التي يعطيك الربُّ إلهُك]". [10]
12. ويضيف المخلص قائلاً: "لقد قلتَ [موسى]" لحكماء القوم: "من نعمة الله عليكم أنه بعثني إليكم لمساعدتكم؛ ولكنكم عطلتم شريعة الله من أجل سنن الأقدمين"! [11]
13. وهاهو إشعياء يصرخ: "إن هذا الشعب يكرمني بشفتيه وقلبه بعيد مني. إنما مخافته لي وصية بشر تعلموها". [12]
14. وبذلك نكون برهنا أن التوراة مكونة من ثلاثة أجزاء، لأننا نرى فيها شريعة موسى [نفسه]، والشريعة التي أضافها الأحبار، وشريعة الله! [13]
إن هذا التصنيف للتوراة، الذي برهنا عليه، قد أبان الحقيقة الكامنة فيها!
1.5. أما الجزء الإلهي من شريعة الله، فيُقسَّم بدوره إلى ثلاثة أجزاء: [أ] الشريعة الخالصة، التي لم تختلط بشر ـ والتي يصح تسميتها "بالشريعة الحقة" ـ والتي لم يأت المخلص من أجل حَلِّها بل من أجل إتمامها [14]، لأن ما أتمه المخلص منها لم يكن صادراً عن مصدر آخر لكنه أتمها لأنها كانت ناقصة. [15] [ب] الشريعة المختلطة بالشر والظلم، وهي الشريعة التي حَلَّها المخلص لأنها لا تنسجم مع طبيعته [اللاهوتية].
2. وأخيراً [ج] الشريعة الرمزية التي نشأت نتيجة للعالم الروحاني والغيبي. لقد حوَّل المخلص هذا الجزء من التوراة ونقله من العالم المادي الحسي إلى العالم الروحاني الغيبي. [16]
3. إن شريعة الله الخالصة الحقة، التي لم تمتزج بالشر والظلم، هي "الوصايا العشر"، التي أنزلت [على موسى] في لَوحَيْن لتحريم ما يجب على الإنسان تجنبه، والتحفيزِ على ما ينبغي على الإنسان فعله. مع ذلك احتاجت هذه الشريعة [الإلهية] إلى إتمام المخلص لها، لأنها لم تكن كاملة [17]!
4. إن الجزء الذي اختلط بالشر والظلم، هو تلك الشريعة التي تكافئ الخطيئة بالخطيئة! إنها تنص على مجازاة العين بالعين والسن بالسن، أي معاقبة القاتل بالقتل [18]. إذ يرتكب الذي يعاقب القاتل بالقتل خطيئة لا تقل ظلماً عن خطئية الفاعل الأول إذا تغير ترتيب [القتل]، لأن الفعل في الحالتين واحد! [19]
5. كان هذا الحد، ولا يزال، قصاصاً، لأنه سُنَّ بسبب ضعف هؤلاء، الذين أُنْزِلَتْ الشريعة من أجلهم، فارتكبوا بسَنِّهِ تجاوزاً بحق الشريعة الإلهية الخالصة. إنه حدٌّ لا ينسجم البتة مع طبيعة الإله الآب، ومع رحمته. [20]
6. ربما كان ذلك الحدُّ طبيعياً، وربما كان ضرورةً! لأن الذي لا يبيح القتل تطبيقاً لقوله "لا تَقتُلْ" [21]، يَسْتَنُّ ـ بإعطائه أمر قتل القاتل ـ شريعةً ثانيةَ، ويميز بين قَتلَيْن! بذلك أباح الذي حرَّمَ القتل لنفسه أن يصبح ضحية للضرورة! [22]
7. لذلك قام الابن [= المسيح]، الذي صدر عن [الإله] الآخر، بحلِّ هذا الجزء من الشريعة وذلك على الرغم من تسليمه بأن ذلك الحد [23] من عند الله، وذلك في الوقت الذي يحسب هذا الجزء مع الأجزاء التي تحسب من العهد القديم، خصوصاً عندما يقول: "من لم يكرم أباه أو أمه فليقتل قتلاً". [24]
8. أما الجزء الرمزي من الشريعة، والذي نشأ نتيجة للعالم الروحاني والغيبي، فهو الجزء الذي سُنَّ نتيجة لظروف وحالات معينة. وأعني بذلك الحدود المتعلقة بالقربان والختان والسبت والصوم والفصح والخبز الفطير وما أشبه ذلك من السنن. [25]
9. إن هذه السُّنَن رموزٌ تم تحويلها، بعد ظهور المخلص، تحويلاً؛ فأُلْغِيَتْ ظاهرياً، واحتُفِظَ بها روحانياً! بقيت الأسماء كما هي، ولكن المسميات تغيرت! [26]
10. أجل، أمرنا الله أمرنا بتقريب القرابين، ولكن ليس من خلال البهائم التي لا تعقل، وليس بحرق البخور، بل بواسطة الحمد الروحاني، والتمجيد، والشكر، وإيثار الآخرين والإحسان إليهم!
11. كما يريد الله منا أن نختتن، ولكن ليس بإزالة القُلْفَة عن الذكر ... بل بتطهير القلب بالروح. [27]
12. كما يريد بالسَّبْتِ منا أن نبتعد من كل الأعمال الشريرة!
13. أما بالصوم، فإن الله لا يريد منا أن نصوم صوماً جسدياً، بل يريد منا صوماً بالروح، أي الامتناع عن الشر وما إليه.
نعم، يصوم الناس عندنا صوماً جسدياً؛ وهذا الصوم مفيد للروح إذا أُعْمِلَ العقل في اتباعه، أي إذا لم يلتزم الناس به من أجل استفزاز الآخرين، أو من أجل العادة، أو إحياء لذكرى يوم ما، حتى وإن كان ذلك اليوم يستحق ذلك! [28]
14. نصوم نحن، في الوقت نفسه، [صوماً ظاهرياً] للتذكير بالصوم الحقيقي، لأن هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يصوموا [صوماً حقيقياً]، يستذكرون بالصوم الجسدي الظاهري، ذلك الصوم الحقيقي الذي نعنيه!
15. الأمر نفسه ينطبق على الفصح والخبز الفطير. لقد أبان القديس بولص ضرورة اعتبارهما صورةً روحانيةً بوضوح حين قال: "فإنه قد ذُبِحَ فِصحُنا، المسيحُ، لكي تصبحوا فطيراً [حلواً] بدون خمير"! ولا يقصد القديس بولص بالخمير "الفطير الحلو" [كما يفهمه اليهود]، بل يقصد الشر! [29]
1.6. إذاً: بذلك تصبح التوراة مكونة من ثلاثة أجزاء مختلفة، أحدها الجزء الذي أكمله المخلص، لأن قوله "لا تقتل، لا تَزنِ ... لا تشهد شهادة الزور" [30]، متضمن في قوله "لا تغضب ... لا تَشْتَهِ ... لا تَحْلِف"! [31]
2. وثانيها هو ذلك الجزء الذي نُسِخَ بأكمله، لأن "العين بالعين والسن بالسن" تتضمن الظلم وفعل الظلم ... لذلك نسخه المخلص وأحلَّ محله نقيضه!
3. لأن "النقيض" ينسخ نفسه بالتساوي: "أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر"! [32]
4. وآخرها هو الجزء الذي حُوِّلَ من العالم الجسماني الظاهري، إلى العالم الروحاني الباطني، صورةً رمزيةً للأشياء الغيبة الخاصة.
5. لأن الصور والرموز تدل على أشياء أخرى، فكانت لها وظيفتها الجيدة في غياب الحقيقة! وبما أن الحقيقة حاضرة الآن، فإنه ينبغي اتباع نور الحقيقة، لا الصور والرموز! [33]
6. لقد أبان رسلُ المسيح، وكذلك بولص الرسول، هذه الحقائق، وذلك بتفسيره [بولص] معاني الفصح والخبز الفطير تفسيراً مجازياً. من ثمة وصفه جزءَ الشريعة الذي امتزج بالظلم بقوله: "وأبطلَ [المسيحُ] ناموسَ الوصايا ..." [34]، وكذلك وصفه جزءَ الشريعة التي لم تمتزح بالظلم بقوله: "فالناموس إذن مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة"! [35]
1.7. ويمكن القول باختصار إني أبنتُ لك بما فيه الكفاية بأن الشريعة [التوراة] التي أضافها الناس أو التي أنزلها الله، مكونة من ثلاثة أجزاء مختلفة!
2. والسؤال المطروح الآن هو: من هو ذلك الإله، الذي أنزل تلك الشريعة؟! وأعتقد بأني أجبت على هذا السؤال في ما تقدم من برهنة، هذا إذا كنتِ أصغيتِ لما تقدم بالتمعن المطلوب!
3. لأنه، إذا لم تكن التوراة من عند الإله الحق، ولم تكن من عند الشيطان [كما يعتقد بعضهم] ـ وهو رأي فاسد ـ فإن النتيجة الحتمية هي أن التوراة من عند شخص ثالث يكون غير الاثنين [= الإله الحق والشيطان]!
4. إنه [= الشخص الثالث] هو خالق هذا العالم وكل ما فيه. هو إله مختلف على الاثنين المذكورين أعلاه [= الإله الحق والشيطان]! إنه إله يكون بين الاثنين، ويقيم في الوسط، لذلك أطلق عليه اسم "الوسط"!
5. فإذا كان الإله الحق إلهاً رحيماً عادلاً بطبعه ـ وهو إله رحيم عادل بطبعه ـ لأن المخلص كان يسمي الإلهَ الحقَّ الرحيمَ "أباه"، وهو الإله الذي أراه بنفسه ...؛ وإذا كان الإله ذو الطبيعة المتناقضة إلهاً شريراً وظالماً، فإن الإلهَ الموجودَ في الوسط، والذي ليس عادلاً ولا ظالماً، الإلهُ الذي يمكن إطلاق اسم "العدل" عليه، الإلهُ الذي يجازي الإحسان بقدره!
6. إن هذا الإله [الذي في الوسط] أَقَلُّ مرتبةً من الإله الحق الكامل، وعدلَه أقلُّ من عدل الإله الحق، لأنه حادث وليس بقديم! إن الإله الحق ـ الآب ـ قديمٌ، وكلُّ شيء يحتاج إليه، لأن كل شيء صدر عنه. وإنه [الإلهُ الحق]، كذلك، أكبر من العدو [الشيطان]، وأَقْوَمُ منه! إن للإله الحق ذاتٍ أخرى غير ذات الاثنَيْن الآخَرَيْن [الإله الذي في الوسط والشيطان]، وطبيعةً أخرى غير طبيعتهما!
7. إن ذات العدو ذات شريرة ومظلمة، لأنه مادي تعتريه التجزئة والقسمة! أما ذات الإله القديم، أبي الكون، فهي بقاءٌ سرمديٌّ، ونورٌ بسيط ومتحد، قائم بذاته. لقد صدر عن طبيعته قوّتان اِثنتان. أما صورته هو، فتبقى خيراً من سائر الصور!
1. مقدمة:
بين أيدينا رسالة كتبها بطليموس الغنوصي (؟ - 180 ميلادي) إلى امرأة مسيحية اسمها فلورة. وتعتبر هذه الرسالة المحررة باللغة اليونانية من أقدم نصوص المذهب الغنوصي التي تناهت إلينا في تلك اللغة. وكانت الكنيسة احتفظت برسالة بطليموس كما احتفظت بغيرها من نصوص المذهب الغنوصي لأنها، أي الكنيسة، كانت ترى في نشر نصوص الهراطقة وتفنيدها أنجع طريقة لمحاربتهم. [1]
والغنوصية [2] (Gnosticism) أو مذهب العرفان هو مذهب نشأ مع نشأة المسيحية في القرن الأول للميلاد وانتشر انتشاراً واسعاً في القرن الثاني. وضع أصول هذا المذهب الشاعر المصري فالانسيوس (الإسكندرية: 110 - 175) الذي كان يرى أن "المعرفة الروحانية" أهم من الإيمان بحد ذاته، وأنه لا سبيل إلى قراءة الكتب المقدسة عموماً وأسفار العهد القديم خصوصاً قراءة ظاهرية بل لا بد من تأويلها تأويلاً ميتافيزيقياً لفهمها، محاولاً في الوقت نفسه التوفيق بين تعاليم المسيح من جهة والفلسفات اليونانية والشرقية من جهة أخرى. فكان نقد الكتاب المقدس ورفض تفسيره تفسيراً حرفياً أهم أصل من أصول مذهبهم. ولعل إمعان الغنوصيين في نقد الكتاب المقدس هو الذي جعل الكنيسة تعتبرهم هراطقة. أما هم فكانوا يعتبرون أنفسهم مسيحيين على الصراط المستقيم لأن إيمانهم مبني على "العرفان" وبالتالي على اليقين. [3]
والحقيقة أن مشكلة كتاب العهد القديم الذي اعتمدته الكنيسة كانت من التعقيد بمكان جعل حتى آباء الكنيسة يضطربون تجاهها. والمشكل اللاهوتي العويص كان في محاولة التوفيق بين صورة الإله التي يقدمها كتاب العهد القديم، وصورة الإله التي تقدمها الأناجيل، وهذا باد بجلاء من محاولة قيام بطليموس بالتدليل على التضاد بين الصورتين معتمداً في ذلك على أماكن بعينها من كتب العهد القديم، مبرهناً بطريقته على أن الإله الذي أوحى بالتوراة أو ببعض منها إلى موسى هو غير الإله الآب الرحيم الذي بعث عيسى وأوحى [4] بالأناجيل إلى الرسل، أي إن إله اليهودية ليس هو هو إله المسيحية!
وزاد الجدل في كتاب العهد القديم، وتدخلت الكنيسة لتحكم بين الآراء، فأدى تدخلها في الجدل إلى نشوء آراء كثيرة أدت بدورها إلى تفرع المذهب الغنوصي إلى فرعين رئيسيين: فرع شرقي ومركزه الإسكندرية، وفرع غربي ومركزه رومة. وكان بطليموس من أتباع الفرع الغربي للمذهب، وتعتبر رسالته إلى فلورة، وهي سيدة مسيحية حاول فيها اجتذابها إلى مذهبه، من أقدم نصوص الفرع الغربي للمذهب الغنوصي المحفوظة باللغة اليونانية. [5]
لم تترجم هذه الرسالة المهمة إلى اللغة العربية بعد. من ثمة اهتمامي بها والترجمة التي أنشرها أدناه. وسأردف الترجمة بدراسة مقارنة في معتقد بطليموس في الإله الحق كما يراه هو وكما تراه التوراة موضوع رسالته المهمة إلى فلورة.
2. النص:
1.3. "اعلمي يا أختي الكريمة فلورة أن التوراة التي بشَّر بها موسى لم يفهمها معظم الناس على حقيقتها لأنهم لا يعرفون شيئاً يذكر عن المُشرِّع الحق ولا عن حدوده.
2. فهي عند قوم من عند الإله الآب، وعند قوم آخرين يعتقدون اعتقاداً مختلفاً عن الأول، هي من عند العدو، الشيطان الرجيم، تماماً مثلما ينسبون إليه [الشيطان] خلق العالم بزعمهم أنه الآب وأنه خالق كل شيء.
3. ويبدو جلياً أن الفريقين على ضلال لأنهما متناقضان في الرأي ولأنهما لم يوفقا إلى معرفة الحقيقة وفهمها؛
4. إن التوراة ـ نظراً لعدم أهميتها ـ ليست من عند الإله الآب. فهي من جهة ناقصة وتحتاج إلى تكميل، وتحتوي من جهة أخرى على حدود لا تنسجم مع طبيعة الإله الآب وحقيقته.
5. أما الرأي الآخر فهو غير مقبول أيضاً، إذ لا يعقل أن يكون مصدرُ التوراة العدوَّ البغيضَ [= الشيطان] لأنها لا تبيح الظلم. وهذا رأي يعتقده هؤلاء الذين لا يستطيعون ـ وفقاً لكلام المخلص ـ أن يروا ببصيرتهم "أن المدينة المنقسمة على نفسها لا يمكن لها أن تعيش"، كما يقول مخلصنا. [6]
6. وفي تضاعيف ذلك يقول الرسول في مسألة الخلق إن ذلك [الخلقَ] خلقُه وإن "كُلٌّ به كُوِّنَ وبغيره لم يُكَوَّن شيء مما كُوِّن" [7] ـ بهذا يفند [الرسولُ يوحنا] حكمة الكذابين الضالة. ليس [خلقُ العالم] خلقَ الإله الشِّرِّير والمُرعِب، بل خلق [إله] عادل يبغض الشر. إن هذا رأي الجهلة الذين لا يأخذون بأسباب عناية الخالق، المصابين بعمى البصر والبصيرة معاً.
7. يبدو مما سبق أن الفريقين لم يوفقا إلى معرفة الحقيقة. ولقد فهم كلٌ منهما الأمر على طريقته، فالفريق لأول [فهمه هكذا] لأنه لا يعرف إله العدل، والفريق الثاني لأنه لا يعرف الإله الآب، وهو الإله الحق!
8. بقي لنا، نحن الذي وفقنا إلى معرفة [الإلهين] الاثنين ... أن نبين لك ماهية الشريعة [= التوراة] وماهية المشرع والجهة التي أوحت بها! ونريد في هذا المجال أن نبرهن لك على ذلك من خلال كلمات مخلصنا، وهي الكلمات التي تكفينا مؤونة اللجوء إلى مفهوم الكائنات. [8]
1.4. يجب أن تعلمي قبل كل شيء أن الشريعة الموجودة في كتب موسى الخمسة ليست من عند إله واحد! أعني أن هذه الشريعة ليست كلها واردة من عند إله واحد، لأن فيها حدوداً أضافها الناس إليها. وتعلمنا كلمات المخلص أن هذه الشريعة ذات ثلاثة مصادر.
2. فالمصدر الأول هو الله وشرعه، والثاني هو موسى ـ ليس بصفته نبياً يوحى إليه، بل بصفته إنساناً أضاف إلى الشريعة [الموحاة إليه] حدوداً من عندياته ـ، والثالث هو أحبار الأمة الذين ارتأوا إضافة حدود بعينها إلى الشريعة [الموحاة]
3. أما كيف يمكن لنا أن نبرهن على ذلك من خلال كلمات المخلص، فهو ما سوف تتعلمينه الآن!
4. تحدث المخلص ذات مرة مع أولئك الذين سألوه عن الطلاق المسموح به [في شريعة التوراة]، وقال: "إن موسى لأجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم ولم يكن من البدء هكذا"، "لأن الله"، حسب المخلص، "جمع بين الزوجين، وما جمعه الله فلا يفرقه إنسان". [9]
5. يبدو من ذلك أن شرع الله، الذي يحرم انفصال الزوج عن الزوجة، ليس هو شريعة موسى، التي تبيح الطلاق بين الزوجين، بسبب "عنت القلوب".
6. وهكذا أعلن موسى شريعة متناقضة مع شرع الله، لأن "الطلاق" ضد "عدم الطلاق"!
وإذا حاولنا فهم السبب الذي جعل موسى يقوم بذلك، اكتشفنا أنه لم يفعل ذلك بمحض إرادته هو، بل نتيجة للضرورة التي أملاها عليه ضعفُ أولئك الناس المعنيين بتلك الشريعة [= اليهود] ...
7. ... لأنه لم يكن بمقدورهم تحقيق إرادة الله بتحريم الطلاق، وهي الإرادة التي اعترض عليها بعض الناس الذين كانوا يعيشون [أشقياء] مع أزواجهم، ولكي يتم تفادي المزيد من الشقاء ومن ثم الضلال ...
8. ... فإن موسى أراد أن يتفادى هذا الاعتراض وهذا الشقاء والضلال الناتجين عنه؛ لذلك أضاف حكماً ثانياً [= إباحة الطلاق] إلى الحكم الأول [= تحريم الطلاق] مستبدلاً بذلك شراً كبيراً بشرٍ أصغر منه هو إباحة الطلاق! وقد فعل موسى ذلك بمحض إرادته ...
9. ... لأنهم، عندما لم يكن بمقدورهم احترام الحكم الأول، احترموا الحكم الثاني وبذلك لم ينتهوا إلى الظلم والغضب المؤديَيْن إلى الضلال.
10. إن هذا هو رأيه الذي جعلنا نصنفه رجلاً أضاف إلى شرع الله حكماً مضاداً له! ولقد بينا بأن شريعة موسى مغايرة لشرع الله، وهذا أمر واضح غير قابل للجدل حتى وإن اقتصرنا في البرهنة عليه على هذه النقطة الواحدة فقط!
11. أما بالنسبة إلى وجود أحكام قام الأحبار بإضافتها إلى الشريعة [الموحاة]، فهذا واضح من قول المخلص: "أَكْرِمْ أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض [التي يعطيك الربُّ إلهُك]". [10]
12. ويضيف المخلص قائلاً: "لقد قلتَ [موسى]" لحكماء القوم: "من نعمة الله عليكم أنه بعثني إليكم لمساعدتكم؛ ولكنكم عطلتم شريعة الله من أجل سنن الأقدمين"! [11]
13. وهاهو إشعياء يصرخ: "إن هذا الشعب يكرمني بشفتيه وقلبه بعيد مني. إنما مخافته لي وصية بشر تعلموها". [12]
14. وبذلك نكون برهنا أن التوراة مكونة من ثلاثة أجزاء، لأننا نرى فيها شريعة موسى [نفسه]، والشريعة التي أضافها الأحبار، وشريعة الله! [13]
إن هذا التصنيف للتوراة، الذي برهنا عليه، قد أبان الحقيقة الكامنة فيها!
1.5. أما الجزء الإلهي من شريعة الله، فيُقسَّم بدوره إلى ثلاثة أجزاء: [أ] الشريعة الخالصة، التي لم تختلط بشر ـ والتي يصح تسميتها "بالشريعة الحقة" ـ والتي لم يأت المخلص من أجل حَلِّها بل من أجل إتمامها [14]، لأن ما أتمه المخلص منها لم يكن صادراً عن مصدر آخر لكنه أتمها لأنها كانت ناقصة. [15] [ب] الشريعة المختلطة بالشر والظلم، وهي الشريعة التي حَلَّها المخلص لأنها لا تنسجم مع طبيعته [اللاهوتية].
2. وأخيراً [ج] الشريعة الرمزية التي نشأت نتيجة للعالم الروحاني والغيبي. لقد حوَّل المخلص هذا الجزء من التوراة ونقله من العالم المادي الحسي إلى العالم الروحاني الغيبي. [16]
3. إن شريعة الله الخالصة الحقة، التي لم تمتزج بالشر والظلم، هي "الوصايا العشر"، التي أنزلت [على موسى] في لَوحَيْن لتحريم ما يجب على الإنسان تجنبه، والتحفيزِ على ما ينبغي على الإنسان فعله. مع ذلك احتاجت هذه الشريعة [الإلهية] إلى إتمام المخلص لها، لأنها لم تكن كاملة [17]!
4. إن الجزء الذي اختلط بالشر والظلم، هو تلك الشريعة التي تكافئ الخطيئة بالخطيئة! إنها تنص على مجازاة العين بالعين والسن بالسن، أي معاقبة القاتل بالقتل [18]. إذ يرتكب الذي يعاقب القاتل بالقتل خطيئة لا تقل ظلماً عن خطئية الفاعل الأول إذا تغير ترتيب [القتل]، لأن الفعل في الحالتين واحد! [19]
5. كان هذا الحد، ولا يزال، قصاصاً، لأنه سُنَّ بسبب ضعف هؤلاء، الذين أُنْزِلَتْ الشريعة من أجلهم، فارتكبوا بسَنِّهِ تجاوزاً بحق الشريعة الإلهية الخالصة. إنه حدٌّ لا ينسجم البتة مع طبيعة الإله الآب، ومع رحمته. [20]
6. ربما كان ذلك الحدُّ طبيعياً، وربما كان ضرورةً! لأن الذي لا يبيح القتل تطبيقاً لقوله "لا تَقتُلْ" [21]، يَسْتَنُّ ـ بإعطائه أمر قتل القاتل ـ شريعةً ثانيةَ، ويميز بين قَتلَيْن! بذلك أباح الذي حرَّمَ القتل لنفسه أن يصبح ضحية للضرورة! [22]
7. لذلك قام الابن [= المسيح]، الذي صدر عن [الإله] الآخر، بحلِّ هذا الجزء من الشريعة وذلك على الرغم من تسليمه بأن ذلك الحد [23] من عند الله، وذلك في الوقت الذي يحسب هذا الجزء مع الأجزاء التي تحسب من العهد القديم، خصوصاً عندما يقول: "من لم يكرم أباه أو أمه فليقتل قتلاً". [24]
8. أما الجزء الرمزي من الشريعة، والذي نشأ نتيجة للعالم الروحاني والغيبي، فهو الجزء الذي سُنَّ نتيجة لظروف وحالات معينة. وأعني بذلك الحدود المتعلقة بالقربان والختان والسبت والصوم والفصح والخبز الفطير وما أشبه ذلك من السنن. [25]
9. إن هذه السُّنَن رموزٌ تم تحويلها، بعد ظهور المخلص، تحويلاً؛ فأُلْغِيَتْ ظاهرياً، واحتُفِظَ بها روحانياً! بقيت الأسماء كما هي، ولكن المسميات تغيرت! [26]
10. أجل، أمرنا الله أمرنا بتقريب القرابين، ولكن ليس من خلال البهائم التي لا تعقل، وليس بحرق البخور، بل بواسطة الحمد الروحاني، والتمجيد، والشكر، وإيثار الآخرين والإحسان إليهم!
11. كما يريد الله منا أن نختتن، ولكن ليس بإزالة القُلْفَة عن الذكر ... بل بتطهير القلب بالروح. [27]
12. كما يريد بالسَّبْتِ منا أن نبتعد من كل الأعمال الشريرة!
13. أما بالصوم، فإن الله لا يريد منا أن نصوم صوماً جسدياً، بل يريد منا صوماً بالروح، أي الامتناع عن الشر وما إليه.
نعم، يصوم الناس عندنا صوماً جسدياً؛ وهذا الصوم مفيد للروح إذا أُعْمِلَ العقل في اتباعه، أي إذا لم يلتزم الناس به من أجل استفزاز الآخرين، أو من أجل العادة، أو إحياء لذكرى يوم ما، حتى وإن كان ذلك اليوم يستحق ذلك! [28]
14. نصوم نحن، في الوقت نفسه، [صوماً ظاهرياً] للتذكير بالصوم الحقيقي، لأن هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يصوموا [صوماً حقيقياً]، يستذكرون بالصوم الجسدي الظاهري، ذلك الصوم الحقيقي الذي نعنيه!
15. الأمر نفسه ينطبق على الفصح والخبز الفطير. لقد أبان القديس بولص ضرورة اعتبارهما صورةً روحانيةً بوضوح حين قال: "فإنه قد ذُبِحَ فِصحُنا، المسيحُ، لكي تصبحوا فطيراً [حلواً] بدون خمير"! ولا يقصد القديس بولص بالخمير "الفطير الحلو" [كما يفهمه اليهود]، بل يقصد الشر! [29]
1.6. إذاً: بذلك تصبح التوراة مكونة من ثلاثة أجزاء مختلفة، أحدها الجزء الذي أكمله المخلص، لأن قوله "لا تقتل، لا تَزنِ ... لا تشهد شهادة الزور" [30]، متضمن في قوله "لا تغضب ... لا تَشْتَهِ ... لا تَحْلِف"! [31]
2. وثانيها هو ذلك الجزء الذي نُسِخَ بأكمله، لأن "العين بالعين والسن بالسن" تتضمن الظلم وفعل الظلم ... لذلك نسخه المخلص وأحلَّ محله نقيضه!
3. لأن "النقيض" ينسخ نفسه بالتساوي: "أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر"! [32]
4. وآخرها هو الجزء الذي حُوِّلَ من العالم الجسماني الظاهري، إلى العالم الروحاني الباطني، صورةً رمزيةً للأشياء الغيبة الخاصة.
5. لأن الصور والرموز تدل على أشياء أخرى، فكانت لها وظيفتها الجيدة في غياب الحقيقة! وبما أن الحقيقة حاضرة الآن، فإنه ينبغي اتباع نور الحقيقة، لا الصور والرموز! [33]
6. لقد أبان رسلُ المسيح، وكذلك بولص الرسول، هذه الحقائق، وذلك بتفسيره [بولص] معاني الفصح والخبز الفطير تفسيراً مجازياً. من ثمة وصفه جزءَ الشريعة الذي امتزج بالظلم بقوله: "وأبطلَ [المسيحُ] ناموسَ الوصايا ..." [34]، وكذلك وصفه جزءَ الشريعة التي لم تمتزح بالظلم بقوله: "فالناموس إذن مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة"! [35]
1.7. ويمكن القول باختصار إني أبنتُ لك بما فيه الكفاية بأن الشريعة [التوراة] التي أضافها الناس أو التي أنزلها الله، مكونة من ثلاثة أجزاء مختلفة!
2. والسؤال المطروح الآن هو: من هو ذلك الإله، الذي أنزل تلك الشريعة؟! وأعتقد بأني أجبت على هذا السؤال في ما تقدم من برهنة، هذا إذا كنتِ أصغيتِ لما تقدم بالتمعن المطلوب!
3. لأنه، إذا لم تكن التوراة من عند الإله الحق، ولم تكن من عند الشيطان [كما يعتقد بعضهم] ـ وهو رأي فاسد ـ فإن النتيجة الحتمية هي أن التوراة من عند شخص ثالث يكون غير الاثنين [= الإله الحق والشيطان]!
4. إنه [= الشخص الثالث] هو خالق هذا العالم وكل ما فيه. هو إله مختلف على الاثنين المذكورين أعلاه [= الإله الحق والشيطان]! إنه إله يكون بين الاثنين، ويقيم في الوسط، لذلك أطلق عليه اسم "الوسط"!
5. فإذا كان الإله الحق إلهاً رحيماً عادلاً بطبعه ـ وهو إله رحيم عادل بطبعه ـ لأن المخلص كان يسمي الإلهَ الحقَّ الرحيمَ "أباه"، وهو الإله الذي أراه بنفسه ...؛ وإذا كان الإله ذو الطبيعة المتناقضة إلهاً شريراً وظالماً، فإن الإلهَ الموجودَ في الوسط، والذي ليس عادلاً ولا ظالماً، الإلهُ الذي يمكن إطلاق اسم "العدل" عليه، الإلهُ الذي يجازي الإحسان بقدره!
6. إن هذا الإله [الذي في الوسط] أَقَلُّ مرتبةً من الإله الحق الكامل، وعدلَه أقلُّ من عدل الإله الحق، لأنه حادث وليس بقديم! إن الإله الحق ـ الآب ـ قديمٌ، وكلُّ شيء يحتاج إليه، لأن كل شيء صدر عنه. وإنه [الإلهُ الحق]، كذلك، أكبر من العدو [الشيطان]، وأَقْوَمُ منه! إن للإله الحق ذاتٍ أخرى غير ذات الاثنَيْن الآخَرَيْن [الإله الذي في الوسط والشيطان]، وطبيعةً أخرى غير طبيعتهما!
7. إن ذات العدو ذات شريرة ومظلمة، لأنه مادي تعتريه التجزئة والقسمة! أما ذات الإله القديم، أبي الكون، فهي بقاءٌ سرمديٌّ، ونورٌ بسيط ومتحد، قائم بذاته. لقد صدر عن طبيعته قوّتان اِثنتان. أما صورته هو، فتبقى خيراً من سائر الصور!

تعليق