أُتْرُجَّةُ دارِ الْعُلومِ
للدكتور محمد جمال صقر
في 22/10/1431هـ=1/10/2010م
ما ماتَ مَنْ جَعَلَ الزَّمانَ لِسانُه يَتْلو مَناقِبَ عُوَّدًا وَبَوادي
فَاذْهَبْ كَما ذَهَبَ الرَّبيعُ وَإِثرُه باقٍ بِكُلِّ خَمــايِلٍ وَنِجاد
الشَّريفُ الرَّضيُّ
" إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ " !
مات أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ؛ فـ" مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ كَيْفَ ذَهابُ الْعِلْمِ فَهكَذا ذَهابُه " ، أو كما قال ابن عباس ترجمان القرآن ، حين مات زيد بن ثابت - رضي الله عنهم ! - كاتب الوحي وجامع القرآن وعالم الأنصار ؛ فصَدَّقَ قَوْلَ رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - : " إِنَّ اللّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُه مِنَ الْعِبادِ ، وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَماءِ ، حَتّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالًا ، فَسُئِلوا ؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ؛ فَضَلّوا ، وَأَضَلّوا " !
لقد درستُ عليه أربع سنوات ، منذ سنة 3/1404هـ=3/1984م ، الجامعية ، دراسة نظامية بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة : أولى دار العلوم ، وفيها كان كتابه " علم اللغة العام " ، وثانيةَ دار العلوم وفيها كانت ترجمته لـ" علم الأصوات " ، كتاب برتيل مالمبرج ، ورابعةَ دار العلوم وفيها كان كتابه " دراسات لغوية " ، وتمهيديةَ قسم علم اللغة وفيها كان كتابه " المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي " . ثم جلستُ إليه مجالس مختلفة ، واطلعتُ على كثير من أعماله اطِّلاعًا حُرًّا ، ولكن لم يقم لمعرفتي به شيء مثلما قامت تلك السنوات الأربع !
لقد كان من علماء القرآن دِرايَةً وتِلاوَةً ، وما مَثَلُه في الناس إلا مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ ، أو طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ ، على رِوايَتَيْ تَمْثيلِ رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - مَثَلَ المؤمن الذي يقرأ القرآن ؛ تَجْذِبُك إليه أحيانا تِلاوَتُه ثم دِرايَتُه : ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ - وتَجْذِبُك إليه أحيانا دِرايَتُه ثم تِلاوَتُه : طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد تأملتُه قريبا وبعيدا ، حتى اجتمعت لي نُقَطُ ملامحه ، وظهرت صورته ؛ فأحسنت رؤيته ، على حين تَلَقَّفَ ناسٌ النقطة من تلك النقط وحدها ، فلم يَرَوْهُ - وأحببتُه : " ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَمْ أَتَكَلَّمِ " ! وربما قيل لي : " ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَتَكَلَّمْتَ " ! وهذا وهم فاسد مفسد ؛ فإن الحب الخالص ، كفيل بأن يفتح العقل لفهم حقيقة المحبوب ؛ ولذلك كان حب رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - شرط كمال الإيمان ؛ فهو من حُبِّ مُرْسِلِه - سبحانه ، وتعالى ! - ومِنْ طريق حُبِّه حُبُّ آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، فأما حديث " حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمي وَيُصِمُّ " ، ففيه ضعف ! ورحم الله عباس محمود العقاد الكاتب الأديب الفذ ! لقد أعرض عن الكتابة عن بعض من تَوَقَّعَ الناس منه الكتابة عنهم في سلسلة عَبْقريّاته ، فلما قيل له في ذلك ، قال : إنما أكتب عَمَّنْ تَرْفَعُه كتابتي ! والحق أنه إنما كان يكتب عمن أحبه حبا خالصا ، أَطْلَعَه على مفتاح شخصيته الذي كان مولعا بالبحث عنه . وليس فرضا عليه أن يحب كل عبقري ؛ فللمحبة كُنْهُها الذي يصعب وَصْفُه ، والكلام هنا إنما هو عن أثر المحبة ، لا عن كنهها !
كان أستاذنا رجلا طويل القامة صحيح البنية أنيقا وسيما ميسور الحال مبسوط اليد صافي القلب مصريا عربيا مسلما عبقريا غيورا طموحا ، يحار الناس فيه ، ولا سيما أصحاب النُّقْطة السابق ذِكْرهم ، تُحَيِّرُهم مناقبه ، لا مثالبه ؛ فلقد نَشَأَ وشَبَّ واكْتَهَلَ وشَيَّخَ راضيا عن حاله ، ساخطا على حال أمته ، وامتحنه الله - سبحانه ، وتعالى ! - بالسجن قريبا من منتهى طلبه الجامعي ومبتدأ انطلاقه المعيشي ؛ فكأنما أَطارَ بالسجن طائِرًا كان في صَدْره ؛ ففَزِعَ كُلَّ مَفْزَعٍ ، واشتغل بأعمال كثيرة ، ينوء بها العصبة أولو القوة ، من غير أن ينخلع في أي منها ، عن رضاه ذاك ولا عن سخطه ؛ فكان في أكثرها كأنما يُثيرُ الناس إليها ، ويغريهم بها ، ليُحَقِّقوا منها ما لم يَتَحَقَّقْ ، ويُدَقِّقوا ما لم يَتَدَقَّقْ ، غيرَ ضائِقٍ بهذه المنزلة !
للدكتور محمد جمال صقر
في 22/10/1431هـ=1/10/2010م
ما ماتَ مَنْ جَعَلَ الزَّمانَ لِسانُه يَتْلو مَناقِبَ عُوَّدًا وَبَوادي
فَاذْهَبْ كَما ذَهَبَ الرَّبيعُ وَإِثرُه باقٍ بِكُلِّ خَمــايِلٍ وَنِجاد
الشَّريفُ الرَّضيُّ
" إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعونَ " !
مات أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين ؛ فـ" مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ كَيْفَ ذَهابُ الْعِلْمِ فَهكَذا ذَهابُه " ، أو كما قال ابن عباس ترجمان القرآن ، حين مات زيد بن ثابت - رضي الله عنهم ! - كاتب الوحي وجامع القرآن وعالم الأنصار ؛ فصَدَّقَ قَوْلَ رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - : " إِنَّ اللّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُه مِنَ الْعِبادِ ، وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَماءِ ، حَتّى إِذا لَمْ يُبْقِ عالِمًا اتَّخَذَ النّاسُ رُؤوسًا جُهّالًا ، فَسُئِلوا ؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ؛ فَضَلّوا ، وَأَضَلّوا " !
لقد درستُ عليه أربع سنوات ، منذ سنة 3/1404هـ=3/1984م ، الجامعية ، دراسة نظامية بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة : أولى دار العلوم ، وفيها كان كتابه " علم اللغة العام " ، وثانيةَ دار العلوم وفيها كانت ترجمته لـ" علم الأصوات " ، كتاب برتيل مالمبرج ، ورابعةَ دار العلوم وفيها كان كتابه " دراسات لغوية " ، وتمهيديةَ قسم علم اللغة وفيها كان كتابه " المنهج الصوتي للبنية العربية : رؤية جديدة في الصرف العربي " . ثم جلستُ إليه مجالس مختلفة ، واطلعتُ على كثير من أعماله اطِّلاعًا حُرًّا ، ولكن لم يقم لمعرفتي به شيء مثلما قامت تلك السنوات الأربع !
لقد كان من علماء القرآن دِرايَةً وتِلاوَةً ، وما مَثَلُه في الناس إلا مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ ، أو طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ ، على رِوايَتَيْ تَمْثيلِ رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - مَثَلَ المؤمن الذي يقرأ القرآن ؛ تَجْذِبُك إليه أحيانا تِلاوَتُه ثم دِرايَتُه : ريحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها طَيِّبٌ - وتَجْذِبُك إليه أحيانا دِرايَتُه ثم تِلاوَتُه : طَعْمُها طَيِّبٌ وَريحُها طَيِّبٌ !
رَحِمَ اللّهُ أُسْتاذَنَا الدُّكْتورَ عَبْدِ الصَّبورْ شاهينْ !
لقد تأملتُه قريبا وبعيدا ، حتى اجتمعت لي نُقَطُ ملامحه ، وظهرت صورته ؛ فأحسنت رؤيته ، على حين تَلَقَّفَ ناسٌ النقطة من تلك النقط وحدها ، فلم يَرَوْهُ - وأحببتُه : " ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَمْ أَتَكَلَّمِ " ! وربما قيل لي : " ... وَلَوْلَا الْحُبُّ لَتَكَلَّمْتَ " ! وهذا وهم فاسد مفسد ؛ فإن الحب الخالص ، كفيل بأن يفتح العقل لفهم حقيقة المحبوب ؛ ولذلك كان حب رسول الله - صلى الله عليه ، وسلم ! - شرط كمال الإيمان ؛ فهو من حُبِّ مُرْسِلِه - سبحانه ، وتعالى ! - ومِنْ طريق حُبِّه حُبُّ آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، فأما حديث " حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمي وَيُصِمُّ " ، ففيه ضعف ! ورحم الله عباس محمود العقاد الكاتب الأديب الفذ ! لقد أعرض عن الكتابة عن بعض من تَوَقَّعَ الناس منه الكتابة عنهم في سلسلة عَبْقريّاته ، فلما قيل له في ذلك ، قال : إنما أكتب عَمَّنْ تَرْفَعُه كتابتي ! والحق أنه إنما كان يكتب عمن أحبه حبا خالصا ، أَطْلَعَه على مفتاح شخصيته الذي كان مولعا بالبحث عنه . وليس فرضا عليه أن يحب كل عبقري ؛ فللمحبة كُنْهُها الذي يصعب وَصْفُه ، والكلام هنا إنما هو عن أثر المحبة ، لا عن كنهها !
كان أستاذنا رجلا طويل القامة صحيح البنية أنيقا وسيما ميسور الحال مبسوط اليد صافي القلب مصريا عربيا مسلما عبقريا غيورا طموحا ، يحار الناس فيه ، ولا سيما أصحاب النُّقْطة السابق ذِكْرهم ، تُحَيِّرُهم مناقبه ، لا مثالبه ؛ فلقد نَشَأَ وشَبَّ واكْتَهَلَ وشَيَّخَ راضيا عن حاله ، ساخطا على حال أمته ، وامتحنه الله - سبحانه ، وتعالى ! - بالسجن قريبا من منتهى طلبه الجامعي ومبتدأ انطلاقه المعيشي ؛ فكأنما أَطارَ بالسجن طائِرًا كان في صَدْره ؛ ففَزِعَ كُلَّ مَفْزَعٍ ، واشتغل بأعمال كثيرة ، ينوء بها العصبة أولو القوة ، من غير أن ينخلع في أي منها ، عن رضاه ذاك ولا عن سخطه ؛ فكان في أكثرها كأنما يُثيرُ الناس إليها ، ويغريهم بها ، ليُحَقِّقوا منها ما لم يَتَحَقَّقْ ، ويُدَقِّقوا ما لم يَتَدَقَّقْ ، غيرَ ضائِقٍ بهذه المنزلة !
