الإذاعة
الإذاعة
الخويطر

اَلِاطِّرادُ وَالشُّذوذُ

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    اَلِاطِّرادُ وَالشُّذوذُ

    اَلِاطِّرادُ وَالشُّذوذُ
    للدكتور محمد جمال صقر
    تنازع بحث نظام اللغة قديما صنفان من الباحثين :
    أما أولهما فكان منطق العلم والتعليم أغلب عليه منه على الآخِر . وأما الآخر فكان منطق الفن والإدهاش أغلب عليه منه على الأول .
    ولقد أقبلا جميعا معا على الكلام العربي ، استيعابا ونقدا ؛ فكان صنفهم الآخِر أكثر رواية وحفظا ؛ ففي حين يجمع الصنف الأول منهم النظير من الكلام العربي ، إلى نظيره ، وينفي عنهما من الكلام العربي نفسه غيرهما ، موجبا على المتلقي عنه مراعاة ما جمعه ، مانعا منه مراعاة ما نفاه - يورد الصنف الآخر منهما المثال من الكلام العربي ، كيف مثل له ، ويشفعه بغيره ، مغريا المتلقي عنه بما أورده .
    " وهما الطائفتان اللتان عَصَبَ بهما طُلّابُ العربية ، وقد تضافرتا جميعا على استخراج هذه العلوم بعد أن كانت السابقة فيها للبصريين بما أصلوا وفرعوا ؛ وكان في هؤلاء غريزة التحقيق والتمحيص دون الكوفين ، فبغت لذلك إحدى الطائفتين على الأخرى نفاسة وحسدا ، ثم استطار الجدال بينهم فوقعوا من المناظرة في أمر مستدير ، وتباين ما بين الفئتين إلا حيث تتصلان في الكلام لتدفع إحداهما الأخرى ؛ ومن ثم جعل الكوفيون يَتَمَرَّؤونَ ( تَمَرَّأَ بِه : إِذا طَلَبَ الْمُروءَةَ بِنَقْصِه ) فينتقصونهم ليعد ذلك منهم قدرة على الكمال ، ويعيبون الرجال ليكونوا هم وحدهم الرجال ! أما البصريون فكانوا يريدون أن أصحابهم لو رُكِّبوا في نصاب رجل واحد ما بلغوا أن يعدلوا أضعف رجل في البصرة ، وقد رموهم في باب من الكذب بقَمْصِ الحناجر ، والأخذ عن كل بَرٍّ وفاجر ، وجعلوهم من علماء الأسواق ، وتلامذة الأوراق ، ولَشَدَّ ما انْدَرَؤوا جميعا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ بمثل هذا الكلام ، وقاموا في المناظرة كل مقام ؛ على أن العلم منذ وجد إنما تخلص حقائقه بالجدال ، فرحم الله الغالب فيه والمغلوب (...) .
    ومن لدن الكسائي غلب أهل الكوفة على بغداد ، لخدمتهم الخلفاء وتقديمهم إياهم كماعلمت ، فغلبوا بذلك البصريين على أمرهم ، ورغب الناس من يومئذ في الروايات الشاذة ، وتفاخروا بالنوادر ، وتباهوا بالترخيصات ، وتركوا الأصل ، واعتمدوا على الفروع ؛ ومن ذلك بدأ اختلاط المذاهب الذي عده البصريون اختلاطا للعلم ، لأن مذاهب الكوفيين ليست عندهم من العلم الصحيح " 1 !
    ثم كان الصنفان إذا ما تناظرا ، قدح الآخر في استقامة ضبط الأول ، بما يورده عليه من رواية ما يخل بتنسيقه ، وقدح الأول في استقامة حفظ الآخر ، بما يُبَهْرِجُ به روايته ، حتى سَفَرَ بينهما مصطلحا الاطراد والشذوذ ؛ " فجعل أهل علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردا ، وجعلوا ما فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذا " 2 .
    الاطراد والشذوذ إذن مصطلحان علميان ( صناعيان ) طبيعيان قديمان باقيان ؛ فهما من لوازم التقعيد حتى قيل : " لِكُلِّ قاعِدَةٍ شَواذُّ " ، وكانت وما زالت ولن تزال ما دام في العلم تقعيد ، بل ربما قاربت نسبة الشاذ نسبة المطرد ، ولا ضير على نظام اللغة والتفكير من ذلك ، ما دام أصل القضية هنا مفهوما ؛ فهو نظام من المطرد والشاذ جميعا معا ، بل في تَشْذيذِ الشّاذِّ طَرْدُ الْمُطَّرِدِ ، أو هو كما يقال ، يثبت القاعدة ولا ينفيها .
    ولا وجه لثورة بعض الباحثين المحدثين ، على الشاذ ، رعايةً للمطرد ، وإِخْراجِه كُلَّ ما له نظائر في القرآن الكريم إو إحدى قراءاته الصحيحة ، أو في الحديث النبوي الصحيح ، وكُلَّ ما اختص بالشعر ، وكُلَّ ما اختص بلهجة عربية ، وكُلَّ ما اختلف فيه النحويون ، وكُلَّ ما كان بتأويل ، وكُلَّ ما اختص بفترة معينة ، وكُلَّ ما اعتمد على سائر القرائن ، وكُلَّ ما كان تجميلا لصياغة لفظ - عن أن يكون شاذا ، وعِفَّتِه عن أن يُسَمِّيَ ما لم يشمله شيء مما سبق ، شاذا ، مقتصرا فيه على عبارة " يُحْفَظُ ، وَلا يُقاسُ عَلَيْهِ " 3 !
    فليس في وصف المظهر من مظاهر نظام اللغة والتفكير بالشذوذ من ضَعَةٍ ، ولا في وصف غيره بالاطراد من رفعة ، إلا أن يُسْتَعْمَلَ المَجازُ ، وهو لا تنبني به القواعد بل بمطرد الحقائق وشاذها اللذين تحكمهما شروط وتحددهما معالم :
    " على أربعة أضرب :
    1 مطرد في القياس والاستعمال جميعا ، وهذا هو الغاية المطلوبة المثابة المنوبة ؛ وذلك نحو : قام زيد ، وضربت عمرا ، ومررت بسعيد .
    2 ومطرد في القياس شاذ في الاستعمال (...) نحو قولك عسى زيد قائما أو قياما ؛ هذا هو القياس ، غير أن السماع ورد بحظره ، والاقتصار على ترك استعمال الاسم هنا ؛ وذلك قولهم : عسى زيد أن يقوم (...) .
    3 والثالث المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس (...)
    4 والرابع الشاذ في القياس والاستعمال ؛ فلا يسوغ القياس عليه ، ولا رد غيره إليه . ولا يحسن أيضا استعماله فيما استعمله فيه إلا على وجه الحكاية .
    واعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس ، فلابد من اتباع السماع الوارد به فيه نفسه ؛ لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره (...)
    فإن كان الشيء شاذا في السماع مطردا في القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك ، وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله " 4 .
    بهذا النص القديم المهم تفصلت مسألة الاطراد والشذوذ ؛ فإنما كان المطرد في القياس والاستعمال جميعا ، هو الغاية المطلوبة والمثابة المنوبة ، من أجل طموح العلماء إليه وتعويلهم عليه ؛ فهو الذي ترسخ به قواعدهم ، وتستطيل ؛ فتقنع المتعلم وتعجز الخصيم .
    ولكن لما لم يمثل ابن جني للضربين الثالث والرابع ، بشيء من مظاهر نظام اللغة والتفكير ( النحو ) ، بل اقتصر على مظاهر صرفية - دل أن الذي يصيب نظام اللغة والتفكير ( النحو ) ، هو شذوذ الاستعمال ، لا شذوذ القياس ، وكأن هذا النظام ( النحو ) كان من وضوح المصادر والموارد ، بحيث مكن العلماء من قياسه وتبويبه وضبطه ، فاستوعب وجوه الاستعمال اطرادا وشذوذا .
    لا ريب في أن المطرد يحفظ اللغة والتفكير ، فكيف إذن نجددهما ؟ أم كيف يتجددان بسنة قانون التطور العام ؟ أليس هذا عكس الطبيعة ؟
    ولا ريب في أن اللغة والتفكير العربيين ، كانا من الرحابة والخصب بحيث مكنا العلماء من وضع قياسهم الذي استوعب وجوها من الاستعمال ، تتناوب اطرادا وشذوذا ما اختلف الليل والنهار ، على وفق سنة التطور اللغوي العام ، فما كان مطردا ربما كان شاذا ، وما كان شاذا ربما كان مطردا .
    لقد عرف ابن جني عداوة ما بين اللغة واللبس ؛ فأوصانا أن نتمسك بالمطرد ، وألا نتجاوز في الشاذ حده ، وكأنه يعلمنا أن ليس كل مقيس يستعمل ، على سبيل الحكمة " ليس كل ما يعرف يقال " .
    لقد جعل مجمع اللغة العربي المصري ، هم لجنة الأصول ، ثم لجنة الألفاظ والأساليب " تحرير ما تجري به أقلام الخواص من الكتاب ، مما يخرج عن مألوف اللغة المتعارف ، حريصا على توجيهه الوجهة التي تأنس بها أوضاع الفصحى ، فيما هو مأثور من مسموعها الوثيق ، أو فيما يستنبط من آراء أئمتها الأعلام حول الضوابط والأحكام . وذلك طوعا لما يقتضيه تجدد اللغة ونموها وسيرورتها من التقدير الدقيق لحاجة الاستعمال الحديث ، ومن الوزن الرشيد للحس اللغوي والذوق البياني عند الكاتبين المعاصرين ، في مختلف مجالات الإبانة والإيضاح " 5 .
    هو إذن قياس يحتمل كثيرا من وجوه الاستعمال الحديث وإن كان بعضها شاذا من قبل .
    ( راعى تشومسكي الشاذ وثار به ) .
    للمطرد في الاستعمال إذن سلطان ، وليكف ما قاله فيه ابن جني . ولكن ربما اطرد فيه ما يكاد يخرج من عروبة اللغة ، فكان اصطناع تسويغه فتنة يأباها نفر من المجمعيين أنفسهم
    حسن ( عباس ) " كتاب في أصول اللغة " : 2/73-74 ، وكذلك الأثري ( محمد بهجت ) في مواضع منه .
    ( نحن محتاجون إلى من يفقه اللغة العربية فيوجه الاطراد فنتبعه جميعا ) .
    لا يناط الشذوذ بقلة ولا ندرة ، بل بمخالفة الحال العامة في الباب من اللغة ( المطرد )
    في أصول اللغة 1/128 .
    كنت أريد أن أنبه على ضرورة توجيه اطراد الاستعمال ، وألا نظل متلقين دون إلقاء ، بإشاعة الوجه المراد .
    " يقول برافمن : " أؤكد أننا مضطرون إلى الموافقة على تعريف النحاة العرب كما ورد في أكثر كلامهم ؛ فهم الذين رووا المادة اللغوية بما هي انعكاس أو وصف للتركيب النفسي أو العقلي الذي ترتكز عليه الظواهر التركيبية المختلفة في فكر المعاصرين لهم "
    نحلة ( الدكتور محمود أحمد ) " مدخل إلى دراسة الجملة العربية " .
    كان ذلك في رأي البصريين في الجملة الاسمية الكبرى " عبد الله قام " . وقد علقت على ذلك قديما قولي : " لهذا نبني على أقوالهم ولا نهدمها ، فإن تناولنا كلاما أو حديثا كان اعتماد أقوالهم أحرى لكشف مدى التطور " .

    حَواشي الْمَقالِ
    1 الرافعي ( مصطفى صادق ) " تاريخ آداب العرب " : 1/410 ، 412 .
    2 ابن جني ( أبو الفتح عثمان ) " الخصائص " : 1/97 .
    3 العمروسي ( محمد أحمد ) " الاطراد والشذوذ في النحو العربي بين القدامى والمحدثين " : 246 .
    4 ابن جني " نفسه " : 1/97-98 ، 99 .
    5 أمين (محمد شوقي ) " كتاب الألفاظ والأساليب " : 2/ج من المقدمة .
    6
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...