ثم خرجنا لنكمل صعودنا إلى مبتغانا ، فإذا طريق الأحلام السينيمائية ، الضيق الملتوي المتصاعد المحفوف بالأشجار الطويلة والقصيرة ، الغريبة ، التي لم تمر بخيال فلاح مصري ، ولا سيما أشجار الشاي التي كست المساحات الشاسعة الصاعدة بالمرتفعات ، الهابطة بالمنخفضات ؛ حتى بلغنا باحة واسعة فيها موقف سيارات نقل ركاب غريبة ، في مثل حجم حاملات البضائع بشارع عبد العزيز من القاهرة ، ولكنها مفتوحة من خلف غرفة القيادة كما تنفتح سيارات حمل ألواح الزجاج ، أو سيارات حمل صناديق البيبسي ، ولكن فيها الكراسي بدلا من الصناديق والزجاج ، فركبناها ، فصعدت بنا أكثر ؛ حتى ظننت أنها ينقطع نفسها ، ولكنها وصلت إلى القمة ، فإذا باحة أخرى كبيرة ، فيها باعة أشكال غريبة من المنسوجات ، ومن الخشبيات ، ومن الصخريات ، فتلقفني شاب منهم يبيع تَكْوينَيْنِ على هيئة نابَيْ فيلٍ صَغيرٍ ، يدعي أنهما من صخر البركان ، مكتوبا على أحدهما " لا إله إلى الله " – سبحانه ، وتعالى ! - وعلى الآخر " محمد رسول الله " – صلى الله عليه ، وسلم ! – سألته أول ما نزلت من سيارة القمة :
- بكم ؟
- بمئتي ألف روبية .
- لا أريد .
لم يقتنع الشاب بأنني لا أريد ، ولزمني حيثما ذهبت ، ينبهني على ما ينبغي أن أعتني به من المظاهر السياحية ، ويُسَرِّبُ إليَّ توسلاته أن أشتري منه ، ولولا رغبتي في شراء أشياء أخرى ، لربما أرضيتُه !
وأغرب ما في تلك الأشكال الغريبة ، تَكْوينٌ من عيدان الغاب ( قصب البوص ) ، كسفينة ذات صاريَيْن ، يمتد بين صارِيَيْها حَبْلٌ ، تَعَلَّقَتْ مُنْخَرِمَةً به تَكْويناتٌ صغيرة متدرجة الأحجام ، فيها قصب قائم وقصب نائم ، تخرج من القصب النائم عيدان ، يضرب البائع العود بعد العود بعد العود ، متدرجة ؛ فتخرج أصوات السلم الموسيقي ( دو... ري... مي... فا... صو... لا... سي... دو... ) - ثم أجزاء من علب بلاستيكية صغيرة ، مقطوعة من أسفل فُوَّهاتها ، مسدودة الفوهات بسِدادات مطاطية مشقوقة شقوقا خاصة ، إذا نفخها النافخ بطريقة ما صَوَّتَتْ كما يبكي الرضيع ، وإذا نفخها بطريقة أخرى صَوَّتَتْ كما يضحك ! - ثم أجزاء قصبية ، فيها عيدان دقيقة طويلة ، إذا نُفِخَتِ القَصْباءُ وحُرِّكَتِ العيدانُ من خارج لداخل فخارج فداخل ، صَوَّتَتْ كما يصدح بلبل !
ثم تمشينا إلى جهات المكان المختلفة ؛ فجهة إلى مُطَّلَعٍ على مهوى البركان الخامد منذ سنة تسع وستين وتسعمئة وألف الميلادية ، والدخان الباقي يتصاعد من جانبه ، برائحته النتنة كرائحة سوائل مصارف المنازل ، حتى إن الأندونيسيين أنفسهم ليحمون منها آنافهم – وجهة إلى سلالم إلى عُلّيَّةٍ مسقوفة بشجر القصب ، يُطَّلَعُ منها على الفضاء المطلق من فوق البركان وما حوله – وجهة إلى زقاق طويل ملتو تتوالى فيه المحال الضيقة عن يمين وشمال ، بكل ما يُظَنُّ أن ينجذب إليه السائح ، وأغرب ما انجذبتُ إليه محل على عتبته أقفاص حديدية صغيرة ، حُبِسَ في كل قفص فأر كالكتكوت الإنجليزي ، مع أرجوحة لا يمل من الدوران فيها ، ولا يدوخ ، اقتربت منها لأصورها ، فقال بائعها بعربية مكسرة :
- هذا ركيص ( رخيص ) ، ما في أكل ( لا يأكل ) !
ولا أدري من – لا ما - هذا الفأر الذي لا يأكل مهما يكن ضئيلا - ليتني مثله – وعهدي بالفأر من فئراننا ، لا يترك لنا ما نأكل !
ثم محل فيه شاب يَنْجُرُ قِطَعَ قصب غاب ، ضخمة ، يخرج منها أوعية ربما كان منها ذلك الذي قدم لنا فيه الأرز في المطعم !
ثم ذهبنا عن الجبل ، في سبيل العين الحارة الفوارة ، قال أوجس سلام يقيم علينا الحجة :
- هل تريدون الذهاب إلى العين الحارة الفوارة ؟
- نعم .
- إذن يدفع كل منكم خمسة وثلاثين ألف روبية ، أو ليكملها خمسين ألفا ، لأنه لا ينزل إلى المياه إلا إذا دفع عشرة آلاف أخرى !
جهزت لمحبوب عثمان الذي جاءني يحصل المبلغ ، خمسة وثلاثين ألفا ؛ فلم يكن يخطر لي أن أنزل إلى المياه ، ولا جهزت لمثل هذه المغامرة نفسي ، فطالبني بالخمسين ، فحددت له حدودي ، فتركني إلى أستاذه أجوس سلام ، يستفتيه ، ولم يعد إلي ، ولم يطالبني بقليل ولا كثير ، مكتفيا كما تبين لي ، بما دفعه زملائي ، إلا أنني أظن أنه أخذ مني فيما بعد عشرة الآلاف !
دخلنا حدائق العين الفوارة ، وتركنا الحافلة ناحية ، واتفقنا على ألا نتأخر أكثر من نصف ساعة ، لكي نستطيع أن نعود ، فنتعشى ، ونجهز أنفسنا لحفل افتتاح المؤتمر . ذهبنا نجول في مَرابِعِ المكان ، مستثقلين وسط هذا الجمال الباهر ، أن يَسْتَعْبِدَنا نِصْفُ ساعة !
لقد أقام الأندونيسيون على هذه العين المعدنية الحارة الفوارة ، مرابع من المُسْتَراحات الجميلة المختلفة ، والمماشي والمظاهر المدهشة ؛ فمن بحيرات صغيرة تسبح فيها أسماك كبيرة جميلة غير ملونة ، تُذَكِّرُ على حَرَجٍ أسماك بحيرة مطار سنغافورة - إلى حمامات سباحة كنت أجد بعض الشباب يخرجون منها ، لينطرحوا على بطونهم ، ليعالِجَ أجسامَهم بعضُ المدلِّكين - إلى شلالات بديعة تتهابط بجوارها السلالم إلى المقاعد المخشوشبة البديعة – إلى ممرات حول تلك المظاهر ، ضيقة ، صاعدة هابطة ، غريبة الشأن ، محوطة بالأشجار والأزهار !
أردت أن أصلي الظهر والعصر جمع تأخير ، فتتبعت أوجس سلام ، فعثرت على مسجد المكان وميضأته ، فأقبلت أتوضأ ، فناداني الدكتور نجم الدين أستاذ اللغة العربية بجامعة حسن الدين بولاية ماكاسار :
- تعال توضأ من هنا ، فالمياه هنا من مياه العين الحارة الفوارة !
أقبلت فرحا ، فتوضأت ، فلما مضمضت أحسست بلذعتها الغريبة !
- مياه مُسَكَّرة ، أليس كذلك ؟
- لم أشعر إلا بلَذْعة كلَذْعة الخَلِّ !
- صحيح ، إنها لكذلك .
قامت الصلاة ، فرَجَّحْتُ أن أدرك معهم مُتِمًّا ، العصر التي يصلون ، وأُعَقِّبَ بالظهر منفردا قاصرا ، مخالفا الترتيب حرصا على الجماعة ، تقديرا لعبد السلام العيسوي ، شيخنا بروضة مصر العتيقة !
دائما هنا يؤم إمامُ المسجد ، ولا يجامل أحدا بالتقديم ، وإن كان عربيا ! لا بأس ، ولكن لا يعبأ أحدٌ بأن تكون الكتف في الكتف ، ولا القدم في القدم ، ولا بُنيانُ الصف مَرْصوصًا ، ولا غرو ؛ فلم يعد العرب يعبؤون بذلك !
في خلال هذه الرحلة اشتغل شباب الأساتذة ذهابا وإيابا ، بالتعارف ، والمزاح ، والإِحْماضِ الذي ربما تناسوا معه من في الصحبة من زوجات بعضهم !
ولقد طغت على المزاح ، مسألة الاختلاف فيما ينبغي للجنة المؤتمر أن تتولاه هي " على حسابها " ، أو يتولاه كل مشارك في المؤتمر ، هو " على حسابه " – حتى شغلت الدكتور محمد خاقاني أصفهاني ؛ فقال فيها ما غَيَّرْتُ فيه من بعض طريقته في الإملاء ، إلى طريقتي :
" قصيدتي المهداة إلى الأخ أجوس سلام
يا إخوتي ، إن شئتم أن تأکلوا فهو على حسابکم
أو شئتم أن تشربوا فهو على حسابکم
أما إذا صليتم صلاتکم في أرضنا فهي على حسابنا
وإن تغديتم کبابا طازجا بشربة ساخنة
أو بِکُلا غازية باردة
فهو على حسابکم
لکنکم إذا تنشقتم هواء صافيا فهو على حسابنا
ثم إذا أردتم أن تبدأوا بجولة عابرة
إلى جَکَرْتا أو إلى باندونج أو أي مکان آخر
فهي علي حسابکم
أما إذا قررتم البقاء في مکانکم
فهو على حسابنا
مجمل ما أود أن أقوله يا إخوتي أنْ کل ما تلزمه روبية
فهو علي حسابکم
لکنّ ما لا يقتضي روبية
فهو علي حسابنا " !
ولكن أهم ما كان في خلال هذه الرحلة ، هو حديث ذلك الدكتور نجم الدين ، الذي عرف مصر والمصريين ؛ فقد قام بيننا في الحافلة ، يشرح طبيعة أندونيسيا والأندونيسيين ، مستحضرا طبيعة مصر والمصريين ، التي عَرَفها ؛ فتحدث عن العرب والصينيين الذين حلوا أندونيسيا جميعا ، فأما العرب فائتلفوا هم وأهل البلاد ، وذابوا فيهم ، وأما الصينيون فاختلفوا عليهم ؛ حتى رحلوا عنهم - وعن اللغة الأندونيسية ، وأنها كانت تكتب بالحروف العربية ، ثم صارت تكتب بالحروف اللاتينية ، وأنها إحدى مئتي لغة مختلفات بأندونيسيا ، ولكنها أقوى منها وأظهر عليها – وعن طبيعة أندونيسيا الجبلية ، وجوها اللطيف دائما وإن مال بالجبل إلى البرودة ، وسمائها الممطرة دائما ، وعن الزراعة وأنها الأرز والموز والشاي والقرنفل - وعن عادات العائلات ولا سيما في قبيلته هو ، وأنها إكبار الوالدين إلى حد التقديس ، بحيث لا يستطيع الولد أن يتحول عنه منصرفا ، بل يتقهقر إلى الوراء !
وصلنا إلى تلكوم ، فأقبلت على غرفتي أتحمم ، وأتجمَّل للافتتاح ، ثم نزلت إلى العشاء بالمطعم الذي كان بمبنانا نفسه ، فوجدت الدكتور قرني والدكتور حسن بملابس خفيفة ، خارجين وعليهما أثر الغداء :
- إلى أين ؟
- نلبس للافتتاح .
- ما أذكاكما ! هذا أفضل .
دخلت إلى المطعم فوجدت عن يساري طعاما متواضعا جدا على مائدة صغيرة ، لا أعرف فيه شيئا مُشَهِّيًا ؛ فوقفت عليه مع الواقفين مضطرا ، فجاءني المضيف ينبهني بالإشارة وقليل من الأندونيسية المشوبة بالإنجليزية والعربية ، على أن طعامنا بناحية أخرى :
- سيدي ، عربي هناك !
لم أفهم غير إشارته ؛ فذهبت مستبشرا ، فإذا طعام أفضل قليلا : شَرائِحُ بطاطسَ كبيرةٌ سَميكَةٌ قليلا مَقْليَّةٌ ( شِبْس ) ، وأرز ، ولحم ، وشربة خضراوات ، وسلطة ، ومياه ، ويوسفي ، نِعْمة كبيرة !
بهرتني شرائح البطاطس ، فاستكثرت منها ، ثم أقبلت بعد يوم كامل لم أكد آكل فيه ، ولم أتعش قبله ، على رغم استغرابي نكهة الطهو ؛ فلم أتجاوز بشرائح البطاطس القطعة الواحدة ؛ فقد صَدَّني سَهَكُها ( رائحتها السَّمَكيَّة الخاصة ) ، لِأَعْرِفَ مِنْ بعدُ ، أنها أرغفة خبز يختلط فيه طحين الحبوب المعروف لدينا ، وطحين الجَمْبري المجفَّف !
ثم ذهبت إلى حيث افتتاح المؤتمر ، فتلقفنا أعضاء اللجنة ؛ يطالبوننا بدفع الاشتراك ، وقد تفاوت ما علينا ؛ إذ قد أُدْخِلَ في التقدير حق الفندق عن زيادات الإقامة ، وكان منا من حضر مبكرا كالدكتور كمال عبد العزيز ، ومنا من حضر متأخرا كمثلي ، فرأيت فتاة اللجنة تطالب الدكتور كمال بمئة وسبعين دولارا ، فيستفسر ، ثم يدفع ، ولم أنتظر أن تطالبني بأكثر من المئة والخمسين المتفق عليها ، فبادرتها إلى التنبيه على موعدَيْ وصولي ورحيلي ، لتنتبه إلى قصر إقامتي ؛ ، فطالبتني بمئة وعشرين فقط ، وأعطتني شيكا بالمبلغ مكتوبا بهيئة غريبة كهيئة المئة والخمسين ؛ فقدمت لها مئة الدولار المختومة التي مَنَعْتُ منها البنك أن يَبْخَسَها ، وأضفت إليها آلاف الروبيات مما غَيَّرْتُه ولم أنفقه بعد ، وأخذت من إحدى زميلاتها حقيبة المؤتمر .
أخذت مكاني من حفل الافتتاح بقصر تلكوم ، وتفقدت حقيبة المؤتمر ؛ فإذا برنامج الجلسات خال مني ومن بحثي ، وإذا حال بعض الأساتذة المشاركين حالي ؛ فاشتكيت إلى الأستاذ أجوس سلام ، فسألني عن الجلسة المناسبة ، فأخبرته ، فأضاف إليها اسمي ، ثم وعدني أن يُعَدَّلَ البرنامج صباح غد ، وقد كان ما وعد .
بدأ الحَفْلُ ؛ فإذا شابان فتى وفتاة ، يقدم أولا الفتى فقرات الحفل بالعربية ، وتترجم ثانيا الفتاة كلامه إلى الأندونيسية :
1 كلمة الحق - سبحانه ، وتعالى ! - للحاج محمد علي ، قارئ القرآن ، الذي صَيَّحَ على طريقة قراء السرادقات المصريين ، في أوائل سورتي العلق ثم يوسف ، ولكنه أبدل خطأً ، من حروف أوائل سورة يوسف التي هي " ألر " ، حروفَ أوائل سورة البقرة التي هي " ألم " ، ولم ينتبه أيُّ أحد !
2 كلمة لجنة المؤتمر للدكتور دودنج رحمت هدايت ، رئيسها ، الذي عبر بالعربية عن سعادته باكتمال المؤتمر ، وأثنى على المشاركات الداخلية والخارجية ، وعلى التمسك باللغة العربية ، أحسن اللغات .
3 كلمة " اتحاد المدرسين للغة العريبة ( imla ) " ، للدكتور محمد لطفي زهدي ، رئيسه ، الذي عبر بالأندونيسية ثم العربية ، عن مكانة اللغة العربية الكبيرة في أندونيسيا ، التي تكبر يوما فيوما ، وأثنى على جهود المشاركين من الباحثين والموظفين .
4 كلمة " جامعة باندونج التربوية ( upi ) " ، لنائب مديرها ، الذي عبر بالأندونيسية معتمدا على مترجم ، عن مكانة جامعة باندونج التربوية بين الجامعات الأندونيسية ، ومكانة اللغة العربية في جامعة باندونج ، وسائر معاهد التعليم بأندونيسيا ، وفي العالم كله ، وعن سعادته بالحاضر العربي النشيط الذي يظهر في مثل فضائية الجزيرة ، وعن تمنيه أن تتمكن اللغة العربية من العلوم والآداب كما كانت دائما . ومن طرائف ترجمة المترجم الفوري إلى العربية ، أنه تعثر في كلمة ؛ فضج لها الأندونيسيون ضحكا ، إلا الوافدين الذين لم يعرفوا لها قَبيلا مِنْ دَبير ، فلما خرجنا سألت فيها الأستاذ أوجوس سلام ، فابتسم ذاكرا أنها كانت طرفة سياسية ؛ خلط فيها المترجم بين اتجاهات السياسيين !
5 كلمة الدعاء ، للدكتور مامات زين الدين ، الذي جمع طائفة من الأدعية النبوية الشريفة ، المشهورة لدينا في القنوت وفيما بعد ختام القرآن الكريم ؛ فلم يملك لجلالها بعض الحاضرين ، غير رفع الأيدي بالتَّأْمين !
6 فاصل موسيقي غنائي مسجل ، استغربت أن يستسيغوه مع روح الابتهال العالية ، التي نشرتها الأدعية النبوية الشريفة - ربما كان من معالم التدين الأَعْجَمي - لمجموعة مصرية تغني صوت فريد الأطرش على ما أظن " يا حبايبي يا غايبين " ، في انتظار فرقة الإنشاد الطلابية ، فلم تأت ؛ فاعتذر عن عدم استعدادها المقدمان .
7 كلمة الثقافة الإسلامية الأندونيسية للدكتور هدايت نور وحيد ، الذي عبر عن أَهَميَّةِ تَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ في صِياغَةِ الْفِكْرِ الْإِسْلاميِّ الْوَسَطيِّ الْمُعْتَدِلِ ؛ ففاجأنا جميعا بعربيته الصحيحة الفصيحة ، وأفكاره العالية المنظمة ، وأدهشنا ؛ حتى كتبت في التعليق عليه : لَوْ كُنْتَ مَعي بِرَوْضَةِ مِصْرَ الْعَتيقَةِ حَيْثُ أُقيمُ ، لَغَسَلْتُ عَنْ رِجْلَيْكَ ! ثم أفردت كلمته وحدها بالتسجيل الكامل ، والتفريغ الكتابي ، وشيء من الضبط اللغوي التكميلي ، إجلالا لاجتهاده ، ثم نشرتها وحدها على الملأ :
- بكم ؟
- بمئتي ألف روبية .
- لا أريد .
لم يقتنع الشاب بأنني لا أريد ، ولزمني حيثما ذهبت ، ينبهني على ما ينبغي أن أعتني به من المظاهر السياحية ، ويُسَرِّبُ إليَّ توسلاته أن أشتري منه ، ولولا رغبتي في شراء أشياء أخرى ، لربما أرضيتُه !
وأغرب ما في تلك الأشكال الغريبة ، تَكْوينٌ من عيدان الغاب ( قصب البوص ) ، كسفينة ذات صاريَيْن ، يمتد بين صارِيَيْها حَبْلٌ ، تَعَلَّقَتْ مُنْخَرِمَةً به تَكْويناتٌ صغيرة متدرجة الأحجام ، فيها قصب قائم وقصب نائم ، تخرج من القصب النائم عيدان ، يضرب البائع العود بعد العود بعد العود ، متدرجة ؛ فتخرج أصوات السلم الموسيقي ( دو... ري... مي... فا... صو... لا... سي... دو... ) - ثم أجزاء من علب بلاستيكية صغيرة ، مقطوعة من أسفل فُوَّهاتها ، مسدودة الفوهات بسِدادات مطاطية مشقوقة شقوقا خاصة ، إذا نفخها النافخ بطريقة ما صَوَّتَتْ كما يبكي الرضيع ، وإذا نفخها بطريقة أخرى صَوَّتَتْ كما يضحك ! - ثم أجزاء قصبية ، فيها عيدان دقيقة طويلة ، إذا نُفِخَتِ القَصْباءُ وحُرِّكَتِ العيدانُ من خارج لداخل فخارج فداخل ، صَوَّتَتْ كما يصدح بلبل !
ثم تمشينا إلى جهات المكان المختلفة ؛ فجهة إلى مُطَّلَعٍ على مهوى البركان الخامد منذ سنة تسع وستين وتسعمئة وألف الميلادية ، والدخان الباقي يتصاعد من جانبه ، برائحته النتنة كرائحة سوائل مصارف المنازل ، حتى إن الأندونيسيين أنفسهم ليحمون منها آنافهم – وجهة إلى سلالم إلى عُلّيَّةٍ مسقوفة بشجر القصب ، يُطَّلَعُ منها على الفضاء المطلق من فوق البركان وما حوله – وجهة إلى زقاق طويل ملتو تتوالى فيه المحال الضيقة عن يمين وشمال ، بكل ما يُظَنُّ أن ينجذب إليه السائح ، وأغرب ما انجذبتُ إليه محل على عتبته أقفاص حديدية صغيرة ، حُبِسَ في كل قفص فأر كالكتكوت الإنجليزي ، مع أرجوحة لا يمل من الدوران فيها ، ولا يدوخ ، اقتربت منها لأصورها ، فقال بائعها بعربية مكسرة :
- هذا ركيص ( رخيص ) ، ما في أكل ( لا يأكل ) !
ولا أدري من – لا ما - هذا الفأر الذي لا يأكل مهما يكن ضئيلا - ليتني مثله – وعهدي بالفأر من فئراننا ، لا يترك لنا ما نأكل !
ثم محل فيه شاب يَنْجُرُ قِطَعَ قصب غاب ، ضخمة ، يخرج منها أوعية ربما كان منها ذلك الذي قدم لنا فيه الأرز في المطعم !
ثم ذهبنا عن الجبل ، في سبيل العين الحارة الفوارة ، قال أوجس سلام يقيم علينا الحجة :
- هل تريدون الذهاب إلى العين الحارة الفوارة ؟
- نعم .
- إذن يدفع كل منكم خمسة وثلاثين ألف روبية ، أو ليكملها خمسين ألفا ، لأنه لا ينزل إلى المياه إلا إذا دفع عشرة آلاف أخرى !
جهزت لمحبوب عثمان الذي جاءني يحصل المبلغ ، خمسة وثلاثين ألفا ؛ فلم يكن يخطر لي أن أنزل إلى المياه ، ولا جهزت لمثل هذه المغامرة نفسي ، فطالبني بالخمسين ، فحددت له حدودي ، فتركني إلى أستاذه أجوس سلام ، يستفتيه ، ولم يعد إلي ، ولم يطالبني بقليل ولا كثير ، مكتفيا كما تبين لي ، بما دفعه زملائي ، إلا أنني أظن أنه أخذ مني فيما بعد عشرة الآلاف !
دخلنا حدائق العين الفوارة ، وتركنا الحافلة ناحية ، واتفقنا على ألا نتأخر أكثر من نصف ساعة ، لكي نستطيع أن نعود ، فنتعشى ، ونجهز أنفسنا لحفل افتتاح المؤتمر . ذهبنا نجول في مَرابِعِ المكان ، مستثقلين وسط هذا الجمال الباهر ، أن يَسْتَعْبِدَنا نِصْفُ ساعة !
لقد أقام الأندونيسيون على هذه العين المعدنية الحارة الفوارة ، مرابع من المُسْتَراحات الجميلة المختلفة ، والمماشي والمظاهر المدهشة ؛ فمن بحيرات صغيرة تسبح فيها أسماك كبيرة جميلة غير ملونة ، تُذَكِّرُ على حَرَجٍ أسماك بحيرة مطار سنغافورة - إلى حمامات سباحة كنت أجد بعض الشباب يخرجون منها ، لينطرحوا على بطونهم ، ليعالِجَ أجسامَهم بعضُ المدلِّكين - إلى شلالات بديعة تتهابط بجوارها السلالم إلى المقاعد المخشوشبة البديعة – إلى ممرات حول تلك المظاهر ، ضيقة ، صاعدة هابطة ، غريبة الشأن ، محوطة بالأشجار والأزهار !
أردت أن أصلي الظهر والعصر جمع تأخير ، فتتبعت أوجس سلام ، فعثرت على مسجد المكان وميضأته ، فأقبلت أتوضأ ، فناداني الدكتور نجم الدين أستاذ اللغة العربية بجامعة حسن الدين بولاية ماكاسار :
- تعال توضأ من هنا ، فالمياه هنا من مياه العين الحارة الفوارة !
أقبلت فرحا ، فتوضأت ، فلما مضمضت أحسست بلذعتها الغريبة !
- مياه مُسَكَّرة ، أليس كذلك ؟
- لم أشعر إلا بلَذْعة كلَذْعة الخَلِّ !
- صحيح ، إنها لكذلك .
قامت الصلاة ، فرَجَّحْتُ أن أدرك معهم مُتِمًّا ، العصر التي يصلون ، وأُعَقِّبَ بالظهر منفردا قاصرا ، مخالفا الترتيب حرصا على الجماعة ، تقديرا لعبد السلام العيسوي ، شيخنا بروضة مصر العتيقة !
دائما هنا يؤم إمامُ المسجد ، ولا يجامل أحدا بالتقديم ، وإن كان عربيا ! لا بأس ، ولكن لا يعبأ أحدٌ بأن تكون الكتف في الكتف ، ولا القدم في القدم ، ولا بُنيانُ الصف مَرْصوصًا ، ولا غرو ؛ فلم يعد العرب يعبؤون بذلك !
في خلال هذه الرحلة اشتغل شباب الأساتذة ذهابا وإيابا ، بالتعارف ، والمزاح ، والإِحْماضِ الذي ربما تناسوا معه من في الصحبة من زوجات بعضهم !
ولقد طغت على المزاح ، مسألة الاختلاف فيما ينبغي للجنة المؤتمر أن تتولاه هي " على حسابها " ، أو يتولاه كل مشارك في المؤتمر ، هو " على حسابه " – حتى شغلت الدكتور محمد خاقاني أصفهاني ؛ فقال فيها ما غَيَّرْتُ فيه من بعض طريقته في الإملاء ، إلى طريقتي :
" قصيدتي المهداة إلى الأخ أجوس سلام
يا إخوتي ، إن شئتم أن تأکلوا فهو على حسابکم
أو شئتم أن تشربوا فهو على حسابکم
أما إذا صليتم صلاتکم في أرضنا فهي على حسابنا
وإن تغديتم کبابا طازجا بشربة ساخنة
أو بِکُلا غازية باردة
فهو على حسابکم
لکنکم إذا تنشقتم هواء صافيا فهو على حسابنا
ثم إذا أردتم أن تبدأوا بجولة عابرة
إلى جَکَرْتا أو إلى باندونج أو أي مکان آخر
فهي علي حسابکم
أما إذا قررتم البقاء في مکانکم
فهو على حسابنا
مجمل ما أود أن أقوله يا إخوتي أنْ کل ما تلزمه روبية
فهو علي حسابکم
لکنّ ما لا يقتضي روبية
فهو علي حسابنا " !
ولكن أهم ما كان في خلال هذه الرحلة ، هو حديث ذلك الدكتور نجم الدين ، الذي عرف مصر والمصريين ؛ فقد قام بيننا في الحافلة ، يشرح طبيعة أندونيسيا والأندونيسيين ، مستحضرا طبيعة مصر والمصريين ، التي عَرَفها ؛ فتحدث عن العرب والصينيين الذين حلوا أندونيسيا جميعا ، فأما العرب فائتلفوا هم وأهل البلاد ، وذابوا فيهم ، وأما الصينيون فاختلفوا عليهم ؛ حتى رحلوا عنهم - وعن اللغة الأندونيسية ، وأنها كانت تكتب بالحروف العربية ، ثم صارت تكتب بالحروف اللاتينية ، وأنها إحدى مئتي لغة مختلفات بأندونيسيا ، ولكنها أقوى منها وأظهر عليها – وعن طبيعة أندونيسيا الجبلية ، وجوها اللطيف دائما وإن مال بالجبل إلى البرودة ، وسمائها الممطرة دائما ، وعن الزراعة وأنها الأرز والموز والشاي والقرنفل - وعن عادات العائلات ولا سيما في قبيلته هو ، وأنها إكبار الوالدين إلى حد التقديس ، بحيث لا يستطيع الولد أن يتحول عنه منصرفا ، بل يتقهقر إلى الوراء !
وصلنا إلى تلكوم ، فأقبلت على غرفتي أتحمم ، وأتجمَّل للافتتاح ، ثم نزلت إلى العشاء بالمطعم الذي كان بمبنانا نفسه ، فوجدت الدكتور قرني والدكتور حسن بملابس خفيفة ، خارجين وعليهما أثر الغداء :
- إلى أين ؟
- نلبس للافتتاح .
- ما أذكاكما ! هذا أفضل .
دخلت إلى المطعم فوجدت عن يساري طعاما متواضعا جدا على مائدة صغيرة ، لا أعرف فيه شيئا مُشَهِّيًا ؛ فوقفت عليه مع الواقفين مضطرا ، فجاءني المضيف ينبهني بالإشارة وقليل من الأندونيسية المشوبة بالإنجليزية والعربية ، على أن طعامنا بناحية أخرى :
- سيدي ، عربي هناك !
لم أفهم غير إشارته ؛ فذهبت مستبشرا ، فإذا طعام أفضل قليلا : شَرائِحُ بطاطسَ كبيرةٌ سَميكَةٌ قليلا مَقْليَّةٌ ( شِبْس ) ، وأرز ، ولحم ، وشربة خضراوات ، وسلطة ، ومياه ، ويوسفي ، نِعْمة كبيرة !
بهرتني شرائح البطاطس ، فاستكثرت منها ، ثم أقبلت بعد يوم كامل لم أكد آكل فيه ، ولم أتعش قبله ، على رغم استغرابي نكهة الطهو ؛ فلم أتجاوز بشرائح البطاطس القطعة الواحدة ؛ فقد صَدَّني سَهَكُها ( رائحتها السَّمَكيَّة الخاصة ) ، لِأَعْرِفَ مِنْ بعدُ ، أنها أرغفة خبز يختلط فيه طحين الحبوب المعروف لدينا ، وطحين الجَمْبري المجفَّف !
ثم ذهبت إلى حيث افتتاح المؤتمر ، فتلقفنا أعضاء اللجنة ؛ يطالبوننا بدفع الاشتراك ، وقد تفاوت ما علينا ؛ إذ قد أُدْخِلَ في التقدير حق الفندق عن زيادات الإقامة ، وكان منا من حضر مبكرا كالدكتور كمال عبد العزيز ، ومنا من حضر متأخرا كمثلي ، فرأيت فتاة اللجنة تطالب الدكتور كمال بمئة وسبعين دولارا ، فيستفسر ، ثم يدفع ، ولم أنتظر أن تطالبني بأكثر من المئة والخمسين المتفق عليها ، فبادرتها إلى التنبيه على موعدَيْ وصولي ورحيلي ، لتنتبه إلى قصر إقامتي ؛ ، فطالبتني بمئة وعشرين فقط ، وأعطتني شيكا بالمبلغ مكتوبا بهيئة غريبة كهيئة المئة والخمسين ؛ فقدمت لها مئة الدولار المختومة التي مَنَعْتُ منها البنك أن يَبْخَسَها ، وأضفت إليها آلاف الروبيات مما غَيَّرْتُه ولم أنفقه بعد ، وأخذت من إحدى زميلاتها حقيبة المؤتمر .
أخذت مكاني من حفل الافتتاح بقصر تلكوم ، وتفقدت حقيبة المؤتمر ؛ فإذا برنامج الجلسات خال مني ومن بحثي ، وإذا حال بعض الأساتذة المشاركين حالي ؛ فاشتكيت إلى الأستاذ أجوس سلام ، فسألني عن الجلسة المناسبة ، فأخبرته ، فأضاف إليها اسمي ، ثم وعدني أن يُعَدَّلَ البرنامج صباح غد ، وقد كان ما وعد .
بدأ الحَفْلُ ؛ فإذا شابان فتى وفتاة ، يقدم أولا الفتى فقرات الحفل بالعربية ، وتترجم ثانيا الفتاة كلامه إلى الأندونيسية :
1 كلمة الحق - سبحانه ، وتعالى ! - للحاج محمد علي ، قارئ القرآن ، الذي صَيَّحَ على طريقة قراء السرادقات المصريين ، في أوائل سورتي العلق ثم يوسف ، ولكنه أبدل خطأً ، من حروف أوائل سورة يوسف التي هي " ألر " ، حروفَ أوائل سورة البقرة التي هي " ألم " ، ولم ينتبه أيُّ أحد !
2 كلمة لجنة المؤتمر للدكتور دودنج رحمت هدايت ، رئيسها ، الذي عبر بالعربية عن سعادته باكتمال المؤتمر ، وأثنى على المشاركات الداخلية والخارجية ، وعلى التمسك باللغة العربية ، أحسن اللغات .
3 كلمة " اتحاد المدرسين للغة العريبة ( imla ) " ، للدكتور محمد لطفي زهدي ، رئيسه ، الذي عبر بالأندونيسية ثم العربية ، عن مكانة اللغة العربية الكبيرة في أندونيسيا ، التي تكبر يوما فيوما ، وأثنى على جهود المشاركين من الباحثين والموظفين .
4 كلمة " جامعة باندونج التربوية ( upi ) " ، لنائب مديرها ، الذي عبر بالأندونيسية معتمدا على مترجم ، عن مكانة جامعة باندونج التربوية بين الجامعات الأندونيسية ، ومكانة اللغة العربية في جامعة باندونج ، وسائر معاهد التعليم بأندونيسيا ، وفي العالم كله ، وعن سعادته بالحاضر العربي النشيط الذي يظهر في مثل فضائية الجزيرة ، وعن تمنيه أن تتمكن اللغة العربية من العلوم والآداب كما كانت دائما . ومن طرائف ترجمة المترجم الفوري إلى العربية ، أنه تعثر في كلمة ؛ فضج لها الأندونيسيون ضحكا ، إلا الوافدين الذين لم يعرفوا لها قَبيلا مِنْ دَبير ، فلما خرجنا سألت فيها الأستاذ أوجوس سلام ، فابتسم ذاكرا أنها كانت طرفة سياسية ؛ خلط فيها المترجم بين اتجاهات السياسيين !
5 كلمة الدعاء ، للدكتور مامات زين الدين ، الذي جمع طائفة من الأدعية النبوية الشريفة ، المشهورة لدينا في القنوت وفيما بعد ختام القرآن الكريم ؛ فلم يملك لجلالها بعض الحاضرين ، غير رفع الأيدي بالتَّأْمين !
6 فاصل موسيقي غنائي مسجل ، استغربت أن يستسيغوه مع روح الابتهال العالية ، التي نشرتها الأدعية النبوية الشريفة - ربما كان من معالم التدين الأَعْجَمي - لمجموعة مصرية تغني صوت فريد الأطرش على ما أظن " يا حبايبي يا غايبين " ، في انتظار فرقة الإنشاد الطلابية ، فلم تأت ؛ فاعتذر عن عدم استعدادها المقدمان .
7 كلمة الثقافة الإسلامية الأندونيسية للدكتور هدايت نور وحيد ، الذي عبر عن أَهَميَّةِ تَعَلُّمِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ في صِياغَةِ الْفِكْرِ الْإِسْلاميِّ الْوَسَطيِّ الْمُعْتَدِلِ ؛ ففاجأنا جميعا بعربيته الصحيحة الفصيحة ، وأفكاره العالية المنظمة ، وأدهشنا ؛ حتى كتبت في التعليق عليه : لَوْ كُنْتَ مَعي بِرَوْضَةِ مِصْرَ الْعَتيقَةِ حَيْثُ أُقيمُ ، لَغَسَلْتُ عَنْ رِجْلَيْكَ ! ثم أفردت كلمته وحدها بالتسجيل الكامل ، والتفريغ الكتابي ، وشيء من الضبط اللغوي التكميلي ، إجلالا لاجتهاده ، ثم نشرتها وحدها على الملأ :
