خرجنا جميعا من الطائرة إلى المطار ، قبيل الحادية عشرة بتوقيت القاهرة ، من مساء سبت 25/8 ، في احتفال من الزِّحام والرُّكام والسُّخام ، وكنت أسأل لهما ، وأجتهد دون جدوى في مصلحتهما ؛ حتى قالت السيدة وكانت أجرأ على الحوار ، وأعلم بالإنجليزية من زوجها :
- شكرا لك ، its ok !
وقفنا جميعا بين بطاقات البيانات المطلوبة ، المتناثرة ، وكنت قد أخذتها بمطار سنغافورة ، وملأتها ، واشتغلت بمحمولي الذي فتحته من بعد إغلاقه بالطائرة إلزاما ، فإذا رسالة أخي الدكتور فرحان المطيري في بعض المسائل اللغوية ، فأجيبها بعد فوات الأوان ، ثم تغلبني يدي على مهاتفة أسرتي بوصولي وأنا المغرم بالمفاجأة - ثم سلمت البطاقة الضابط المسؤول ، ومضيت أبحث عن مسار الحقائب ، الذي نَحَّوْه بعيدًا ، وأعلمونا أنها حقائب أربع طائرات ، فطمأنت نفسي وبعض الواقفين في هذا الموقف الكريه ؛ حتى رأيت حقيبة يدي ، فأخذتها خارجا ، ثم ذكرت السؤال عما أُخِذَ مني بمطار جاكرتا ، فدللت على مكاتب شركة الطيران السنغافورية ، فتحيرت ؛ حتى وصلت إليها حاملا حقيبة كتفي ، ساحبا وحاملا حقيبة يدي التي كانت قد انكسر عمودها من قبل ، فلم أعثر فيها ولا في المكان كله على أحد ، ولكنني عرفت بعدئذ بالمهاتفة ، أنها ضريبة المطار ، يضيفها مطار القاهرة إلى التذكرة ، ويأخذها غيره وحدها ، مثلما فَعَلَ مَطارُ جاكرتا !
خرجت ، فركبت حافلة المطار ، إلى حيث لاحقتني سيارة ظننتها لأحد زملائي ، رآني في ثَوْبٍ حالٍ ضَيِّقَةٍ ، فأبى إلا أن يَخْلَعَني منها ، ولا سيما أن بدت لي ملامحه قريبة :
- شكرا شكرا !
- إلى أين ؟
- منيل الروضة .
- اركب ، ولن آخذ منك إلا ما تعطيه سائق أي تاكسي .
- نعم !
- كم تعطيه ؟
- عشرين جنيها !
- يا رجل ، حرام عليك !
- خمسة وعشرين !
- سآخذ منك خمسة وثلاثين .
- سأعطيك ثلاثين !
- سأفتح لك المكيف !
- لا أريده !
- فاركب إذن !
- أعجبتني سماحتك ، وبمثلها تعمل ؛ فلا تقف ترعى المواقف !
- هذه سيارتي كما تراها جديدة ، ولدي سيارتا تاكسي عليهما سائقان ، أعامل شركة الليموزين ، فتكلمني في التوصيلة ، فأخرج أنا بسيارتي هذه إليها حرصا عليها .
- يعملان عليهما الأربع والعشرين ساعة ؟
- ولماذا هذا البغي ! يعمل كل على سيارته ، نوبة واحدة ، ثماني ساعات ، فماذا سأستفيد إذا هلكت السيارتان !
- جميل ! ولكن أين السائق المؤتمن !
- مستحيل الوجود ! لا أعني سرقة وارد السيارة ، بل أعني سرقة السيارة نفسها ، وهي أشد ! تُفَكُّ أَجْهِزَتُها ، وتباع قِطَعُها ، وتوضع مكانها قطع أخرى مُسْتَهْلَكَةٌ ، ثم يُسْتَغْنى عنها من دون أن يَظْهَر لهذا سبب !
- آه علينا وعلى بلادنا ! نملك ما يملكه أي شعب متقدم ، ولكننا نحتاج إلى تربية أنفسنا على معاني الإخلاص والإتقان ، في ضوء منهج عام من التخطيط والإدارة والرقابة !
- طبعا نملك ما يملكه أي شعب متقدم ! ماذا تعمل ، يا أستاذ ؟
- أستاذ جامعي .
- أهلا وسهلا ! أنا خريج سياحة وفنادق ، أعرف الإنجليزية والروسية ، عملت بالغردقة ، ثم بدبي ، في شركات دولية ، لم يكن للعامل فيها إلا الإتقان ؛ فقد كان يخاف الرقيب المختفي ، الذي يعاقب المقصر ، ويثيب المجتهد !
- ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ! ركبت مرة مع سائق تاكسي ، من المخترعين ، كان مدعوا حينئذ إلى مؤتمر الشركة العالمية التي قدم لها اختراعه ، ليعرضه !
- يا سلام !
- ولكن ما اسمك ؟
- مصطفى .
- وأين تسكن ؟
- قريبا منك بدار السلام .
- وما رقم محمولك ؟
- هو هذا ... .
- هل أستطيع أن أعتمد عليك في توصيل أولادي إلى مدارسهم قريبا ، بدلا ممن يوصلهم ؟ إنهم ثلاثة ، وربما انضاف إليهم بعض زملائهم ، فكان لك مبلغ لا بأس به ! لقد كانوا أربعة ، ثم تركتهم أختهم إلى مدرسة قريبة من البيت ، ثم يدركهم أخوهم الصغير بعد سنتين - إن شاء الله – فيعيدهم أربعة ، وهكذا ... !
- تحت أمرك ، ولا تفكر في المال !
- بارك الله فيك !
ورأيت ذلك من التوفيق في مختتم الإياب إلى بلادي المُضَيَّعة ، التي لن يقيم حالها إلا الأخلاق الكريمة والهمم العالية !
- جمال ، تعال ، احمل هذه الحقيبة ، وهذه الثلاثون جنيها - يا أستاذ مصطفى - وإن كان ينبغي أن تتفضل عليَّ بالزيارة !
- شكرا ، أكرمك الله !
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- حمدا لله على السلامة ! لم تُطِلِ الغَيْبَة يا دكتور !
- الله يسلمك ! لكن أَطَلْتُ المسافة !
- السلام عليكم ! لا أدري لِمَ لَمْ أصبر حتى أفاجئكم على عادتي !
- عرفنا وصولك من المطار !
- ولكنني أفاجئكم الآن بما حَمَلْتُه لكم من ذكريات !
- وكيف وجدت الوقت !
- بَرَكات مؤتمر باندونج !
- شكرا لك ، its ok !
وقفنا جميعا بين بطاقات البيانات المطلوبة ، المتناثرة ، وكنت قد أخذتها بمطار سنغافورة ، وملأتها ، واشتغلت بمحمولي الذي فتحته من بعد إغلاقه بالطائرة إلزاما ، فإذا رسالة أخي الدكتور فرحان المطيري في بعض المسائل اللغوية ، فأجيبها بعد فوات الأوان ، ثم تغلبني يدي على مهاتفة أسرتي بوصولي وأنا المغرم بالمفاجأة - ثم سلمت البطاقة الضابط المسؤول ، ومضيت أبحث عن مسار الحقائب ، الذي نَحَّوْه بعيدًا ، وأعلمونا أنها حقائب أربع طائرات ، فطمأنت نفسي وبعض الواقفين في هذا الموقف الكريه ؛ حتى رأيت حقيبة يدي ، فأخذتها خارجا ، ثم ذكرت السؤال عما أُخِذَ مني بمطار جاكرتا ، فدللت على مكاتب شركة الطيران السنغافورية ، فتحيرت ؛ حتى وصلت إليها حاملا حقيبة كتفي ، ساحبا وحاملا حقيبة يدي التي كانت قد انكسر عمودها من قبل ، فلم أعثر فيها ولا في المكان كله على أحد ، ولكنني عرفت بعدئذ بالمهاتفة ، أنها ضريبة المطار ، يضيفها مطار القاهرة إلى التذكرة ، ويأخذها غيره وحدها ، مثلما فَعَلَ مَطارُ جاكرتا !
خرجت ، فركبت حافلة المطار ، إلى حيث لاحقتني سيارة ظننتها لأحد زملائي ، رآني في ثَوْبٍ حالٍ ضَيِّقَةٍ ، فأبى إلا أن يَخْلَعَني منها ، ولا سيما أن بدت لي ملامحه قريبة :
- شكرا شكرا !
- إلى أين ؟
- منيل الروضة .
- اركب ، ولن آخذ منك إلا ما تعطيه سائق أي تاكسي .
- نعم !
- كم تعطيه ؟
- عشرين جنيها !
- يا رجل ، حرام عليك !
- خمسة وعشرين !
- سآخذ منك خمسة وثلاثين .
- سأعطيك ثلاثين !
- سأفتح لك المكيف !
- لا أريده !
- فاركب إذن !
- أعجبتني سماحتك ، وبمثلها تعمل ؛ فلا تقف ترعى المواقف !
- هذه سيارتي كما تراها جديدة ، ولدي سيارتا تاكسي عليهما سائقان ، أعامل شركة الليموزين ، فتكلمني في التوصيلة ، فأخرج أنا بسيارتي هذه إليها حرصا عليها .
- يعملان عليهما الأربع والعشرين ساعة ؟
- ولماذا هذا البغي ! يعمل كل على سيارته ، نوبة واحدة ، ثماني ساعات ، فماذا سأستفيد إذا هلكت السيارتان !
- جميل ! ولكن أين السائق المؤتمن !
- مستحيل الوجود ! لا أعني سرقة وارد السيارة ، بل أعني سرقة السيارة نفسها ، وهي أشد ! تُفَكُّ أَجْهِزَتُها ، وتباع قِطَعُها ، وتوضع مكانها قطع أخرى مُسْتَهْلَكَةٌ ، ثم يُسْتَغْنى عنها من دون أن يَظْهَر لهذا سبب !
- آه علينا وعلى بلادنا ! نملك ما يملكه أي شعب متقدم ، ولكننا نحتاج إلى تربية أنفسنا على معاني الإخلاص والإتقان ، في ضوء منهج عام من التخطيط والإدارة والرقابة !
- طبعا نملك ما يملكه أي شعب متقدم ! ماذا تعمل ، يا أستاذ ؟
- أستاذ جامعي .
- أهلا وسهلا ! أنا خريج سياحة وفنادق ، أعرف الإنجليزية والروسية ، عملت بالغردقة ، ثم بدبي ، في شركات دولية ، لم يكن للعامل فيها إلا الإتقان ؛ فقد كان يخاف الرقيب المختفي ، الذي يعاقب المقصر ، ويثيب المجتهد !
- ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ! ركبت مرة مع سائق تاكسي ، من المخترعين ، كان مدعوا حينئذ إلى مؤتمر الشركة العالمية التي قدم لها اختراعه ، ليعرضه !
- يا سلام !
- ولكن ما اسمك ؟
- مصطفى .
- وأين تسكن ؟
- قريبا منك بدار السلام .
- وما رقم محمولك ؟
- هو هذا ... .
- هل أستطيع أن أعتمد عليك في توصيل أولادي إلى مدارسهم قريبا ، بدلا ممن يوصلهم ؟ إنهم ثلاثة ، وربما انضاف إليهم بعض زملائهم ، فكان لك مبلغ لا بأس به ! لقد كانوا أربعة ، ثم تركتهم أختهم إلى مدرسة قريبة من البيت ، ثم يدركهم أخوهم الصغير بعد سنتين - إن شاء الله – فيعيدهم أربعة ، وهكذا ... !
- تحت أمرك ، ولا تفكر في المال !
- بارك الله فيك !
ورأيت ذلك من التوفيق في مختتم الإياب إلى بلادي المُضَيَّعة ، التي لن يقيم حالها إلا الأخلاق الكريمة والهمم العالية !
- جمال ، تعال ، احمل هذه الحقيبة ، وهذه الثلاثون جنيها - يا أستاذ مصطفى - وإن كان ينبغي أن تتفضل عليَّ بالزيارة !
- شكرا ، أكرمك الله !
- السلام عليكم !
- وعليكم السلام !
- حمدا لله على السلامة ! لم تُطِلِ الغَيْبَة يا دكتور !
- الله يسلمك ! لكن أَطَلْتُ المسافة !
- السلام عليكم ! لا أدري لِمَ لَمْ أصبر حتى أفاجئكم على عادتي !
- عرفنا وصولك من المطار !
- ولكنني أفاجئكم الآن بما حَمَلْتُه لكم من ذكريات !
- وكيف وجدت الوقت !
- بَرَكات مؤتمر باندونج !
