رِعايَةُ النَّحْوِ الْعَرَبيِّ
لِعُروبَةِ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ
للدكتور محمد جمال صقر
مقدمة
خَفاءُ أَحْوالِ اللُّغَةِ عَلى صاحِبِها
[1] تبدو اللغة للمتأمل ، على مثل ما يبدو له صاحبها : تتطور وتجمد ، وتستقيم وتعوج ، وتقوى وتضعف ، وتَضِح وتغمض ، وتحسن وتقبح ، وهكذا طورا على طور ؛ فلا ينشط لتَِخْطيءِ مقالة الناقد الغربي التي صارت مثلا عالميا " الأسلوب هو الرجل نفسه " .
وأعجب من أحوالها تلك كلها ، أن صاحبها يكاد لا يراها حتى ينبهه غيره إليها ، كما يكاد لا يرى نفسه وإن نظر في مرآته ، حتى ينظر في مرآة غيره !
فَضْلُ عَمَلِ سْتِتْكيفيتْشَ
[2] ولقد تأمل اللغة العربية من كثب وعرف دون غيره كثيرا ، جاروسلاف ستتكيفيتش الأستاذ الجامعي اليوغوسلافي الأمريكي المعاصر ، الذي طوّف في بلادنا مـن شرقيهـا إلى غـربيهـا أستاذا زائرا ؛ فدرس تطور اللغة العربية ألفاظا وتعابير ، وتطور التفكير اللغوي عند العرب في العصر الحديث ، وجهاد رجال النهضة أدباء وعلماء، لتحديث العربية وجعلها وافية بمقتضى الحياة؛ فبحث لذلك مسائل القياس والنحت وتعريب الألفاظ والتعابير وتطور الدلالة وتيسير النحو ، ثم انتهى إلى أن " العربية الحديثة تبتعد الآن عن اللغتين كلتيهما الفصحى والعامية ؛ فبينما تحتفظ بالبناء الصرفي للعربية الفصحى ، تقترب من حيث التركيب النحوي والأسلوبي في الشكل والروح من عائلة اللغات التي تعبر عن الثقافة الغربية، وهذا مشروط بأن تمضي العربية المعاصرة في هذا الطريق إلى مداه، وربما لا يمضي جيلان أو ثلاثة حتى تصبح عضوا متكاملا في عائلة الثقافة الغربية، وحيث تسهم بدور كامل في هذه الجماعة اللغوية الحديثة المشتركة. وسوف يخضع النحو – عندئذٍ – لتغيرات بعيدة الأثر فرضتها عليه ديناميكية الفكر الغربي . إن أنماط الجملة الفعلية والاسمية لن تكون الخواص النحوية الأساسية، وبدلا من ذلك سوف يكون مفهوم النبر الدلالي حاكما لترتيب عناصر الجملة . وسوف يتطلب هذا تغيرا طبيعيّا في الاتجاه من الجانب الشكلي القواعدي إلى الجانب الأسلوبي الديناميكي . إن الجملة العربية سوف تصبح أغنى بالجمل التابعة وسوف يصبح نظامها وترتيب عناصرها مرنا كالعادات الفكرية الحديثة . ومن الملاحظ أن هناك اتجاها واضحا للابتعاد عن البساطة التركيبية . إن النماذج الأسلوبية التي قدمها طه حسين وجيله هي من الوضوح والبساطة بحيث كثر استخدامها حتى بين كتاب وشعراء هذه الأيام ، ومع ذلك فإن الاتجاه إلى تعقيد جديد لن يعود بنا إلى النماذج القديمة ، إن النماذج الجديدة المستمدة من المصادر الخارجية والناتجة عن الاتصال الثقافي واللغوي سوف تأخذ مكانها ... والواقع أن التطورات الثانوية – التي ستكون نتائج لاقتراض المصطلحات – سوف تظهر – وبطريقة طبيعية وبسهولة ويسر – المخزون الأساسي للتعبيرات الحديثة أو قوالب التعبير الحديثة. إن محاكاة الأساليب المعربة سوف يتبعه سلسلة من المشتقات الأسلوبية الفعّالة ، والتي سوف تبدو أصيلة في إطار الروح الجديدة للغة . إن مستقبل اللغة العربية لن يكون في حلول مصطنعة بين المصدرين الأساسيين للغة : الفصحى والعامية والتي تعمل كل واحدة منهما ضد الأخرى ، ولكن سيكون هذا المستقبل في خط مستقيم للتطور غير بعيد عن الصرف السامي القديم متوجها إلى نحو غير سامي تفرضه عادات التفكير أكثر مما تفرضه عادات الحديث اليومي الحي . وعندئذٍ فحسب، سيكون العرب – بامتلاكهم لغة يفكرون بها – قادرين على التغلب على مشكلة الصراع بين الفصحى والعامية . إن الفصحى التقليدية كانت – وسوف تكون – عاجزة عن مواجهة العاميات لأنها لا تعكس العادات الفكرية للذين يستخدمونها . إن العربية الحديثة التي نحاول تحديدها وتعريفها هنا سوف تصبح لغة للفكر المتطور تماما، وسوف تكون مثلا للحيوية والقوة ، وسوف تحل محل اللهجات المنطوقة دون أن تطمسها طمسا مصطنعا " 1 .
أَفْكارُ سْتِتْكيفيتْشَ الثَّمانِيَةُ الْخَطيرَةُ
[3] لقد أفضى به تأمله إلى إثبات اقتراب اللغة العربية من عائلة لغات الثقافة الغربية ؛ فتطوع ببيان ما ينبغي للغة العربية - والمراد العرب - أن تصطنعه بنحوها ، لتصبح عضوا عاملا مؤثرا في تلك العائلة ؛ فزادنا إيمانا بمكانة النحو من لغتنا ، وتمسكا بخصائص العروبة فيه .
وربما اعتذرت عن طول النص الآنف إيراده ، أفكاره الكثيرة الخطيرة ، التي خشيت أن أجور عليها أيَّ جور ، وأرجو أن أستخلصها فيما يأتي بضمير الشأن الخطير :
الفكرة الأولى : أنه ليست للعرب الآن لغة يفكرون بها . أما العامّية فلغة عادات الحديثة اليومي الحي ، وأما الفصحى التقليدية فلا هي بهذه المنزلة ولا هي لغة عادات تفكير من يستخدمونها .
الفكرة الثانية : أنه توشك أن تولد بعيدا عن الفصحى التقليدية والعامية المتضادتين، عربية فصحى حديثة تنتمي بتطورها النحوي إلى عائلة اللغات الغربية الثقافة .
الفكرة الثالثة : أنه تعتمد صيرورة العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، عضوا عاملاً مؤثرا في الثقافة اللغوية الغربية ، على بلوغ تطورها النحوي مداه .
الفكرة الرابعة : أنه تقتضي ( ديناميكية ) الفكر الغربي، نحو العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، أن يتخذ النبر الدلالي معيارا لترتيب عناصر جمله ، فيتجه من الجانب الشكلي ( القواعدي ) في العربية الفصحى التقليدية ، إلى الجانب الأسلوبي ( الديناميكي ) في عائلة اللغات الغربية الثقافة .
الفكرة الخامسة : أنه يفضي ذلك متى تَمّ ، إلى غنى الجملة العربية بالجمل التابعة ، وصيرورة نظامها وترتيب عناصرها ، على مثل مرونة العادات الفكرية الحديثة الغربية .
الفكرة السادسة : أنه تفضي محاكاة الأساليب ( التعابير ) الغربية المعربة ، إلى سلسلة من المشتقات الأسلوبية ( التعبيريّة ) الفعّالة ، تبدو أصيلة في إطار الروح اللغوي الحديث الوليد .
الفكرة السابعة : أنه ينجح الأسلوب الغربي السهل المعرب الحديث الوليد متمثلا في أسلوب طه حسين وجيله، بين من تلاه من الكتّاب والشعراء .
الفكرة الثامنة الأخيرة : أنه على رغم اتجاه بعض الأساليب إلى التعقيد ، لن تعود العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، إلى العربية الفصحى القديمة التقليدية .
بعض هذه الأفكار كما لا يخفى، من المأثورات الغربية 2 ، ولكن جدّةَ أكثرِها ودقةً علميةً فيها ، حافزان كافيان إلى تقليبها على وجوهها ، وإدامة النظر فيها ، ومراعاتها فيما يأتي ، بمسائل البحث ، دونما تقليل منها أو من صاحبها ؛ وإلا لم نكن جديرين بالحياة التي تعلقنا بها ، ولا بالحضارة التي تعلقت بنا !
الْمَسْألةُ الْأولَى : اللُّغةُ وَالتَّفْكيرُ
" اللُّغَةُ أَداةٌ "
[4] تروج فتجوز لدينا أفكار ضعيفة ؛ إذ نحن أسرع إلى قبول الحكم ، منا إلى مكابدة تحصيل الحقيقة . من ذلك أن اللغة أداة ، على اختلاف ما هي أداته ، من التفاهم إلى التواصل ، ومن التفكير إلى التعبير ؛ فإن الأداة في لسان العرب آلة المحترف التي تقيم له حرفته 3 . إنه إذا كانت الكتابة أداة الكاتب التي تقيد له في بياض الصفحات سواد الكلمات الكائنة لديه آنفا ، فإن عَجَزَ استبدل بها أُخرى قادرةً ، كتسجيل الصوت مثلا – كان التفاهم والتواصل والتفكير والتعبير ، أَوّلا ، فإن عجزت اللغة التي تؤديها استبدل بها مستعملها أخرى قادرة !
قال الدكتور طه حسين : " نزعم أن لنا في هذه اللغة التي نتكلمها ونتخذها أداة للفهم والإفهام ، حظّا يجعلهـا ملكا لنا " 4 . وإننـي على رغم قول أستاذنا محمود محمد شاكر - رحمه الله ! - : " اللغة أداة التفكير، وأداة البيان ، لا يكاد أحد يرتاب في أن هذا حق ، وأنه واضح شديد الوضوح " 5 – أرتاب في أن هذا واضح شديد الوضوح ، وأتمنى أن مجلسه المورود جَديدٌ ، ليوضحه لي ؛ فلابد أن للأداة عنده معنى غير ذلك 6 ، ربما وضحه قليلاً الدكتور مصطفى ناصف ، برؤيته اللغة أداة النمو الإنساني المتميز كله ، وتخطيئه لرؤية بعض الدارسين أو المدرسين ، لها نظامَ إشارات تنبيهية إلى تكوين الصور المتخيلة 7 . وربما زاد ذلك ، الدكتور محمد عابد الجابري ، برؤيته " أن اللغة ليست مجرد أداة الفكر، بل هي أيضا القالب الذي يتشكل فيه الفكر 8 ، وإن لم يفر من ( الأداة ) وهي عامة ، إلا إلى ( القالب ) وهو أداة خاصة . ثم هو قد ترك كلمة ( تفكير) إلى كلمة ( فِكْر ) ، وبينهما فرق لطيف لم يدركه بعض الباحثين 9 .
الْفَكْرُ وَالتَّفْكيرُ وَالْفِكْرُ
[5] إن ( الفِكْر ) في لسان العرب ، نتيجة ( الفَكْر ) الذي هو إعمال الخاطر في الشيء، وهو الحدث الذي مع الزمن في ( فَكَر يَفْكِرُ ) ، وإن ( التفكير ) كثرة ( الفَكْر ) 10 ، وربما غلب استعمال صيغة التفعيل لكثرة هذا الحدث وتعلّق حياة الإنسان به ، قال دي بونو : " التفكير هو التقصي المدروس للخبرة من أجل غرض ما . وقد يكون ذلك الغرض هو الفهم ، أو اتخاذ القرار ، أو التخطيط ، أو حل المشكلات ، أو الحكم على الأشياء ، أو القيام بعمل ما ، وهلم جرا " 11 .
وإنما فهمت معنى النتيجة من كون ( الفِكْر ) اسم المصدر ( فَكْر ) . وقد حرّرتُ من لسان العرب ، أن هذا النوع من اسم المصدر عبارة عن نتيجة إحداث المصدر، مثل ( حِمْل ) المنتوج عن ( حَمْل ) الذي ( تَحْميلٌ ) مبالغته ، ومثل ( مِلء ) المنتوج عن ( مَلء ) الذي ( تَمْليءٌ ) مبالغته ، صياغة واردة وإن لم تطرد .
( الفِكْر ) إذن ثمرة ( التفكير ) ؛ ولذا ينظر فيه الفلاسفة ، فأما ( التفكير ) فينظر فيه النفسيون واللغويون والتِّقنيون . إنّ العالم – مهما يكن علمه – إذا تأمّل أصول علمه واهتدى إلى حكمتها ، كان فيلسوفا اهتدى إلى فلسفة ، ولو بلغ كل عالم في علمه هذا المبلغ ، لاستغنى عن الفيلسوف ، ولو اشتمل كل علم في نفسه على ذلك ، لاستغنى عن الفلسفة .
الْفَلاسِفَةُ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالْفِكْرِ
[6] لقد تأمّل عثار نَهْضة العرب الحديثة، فيلسوفان عربيان معروفان : أما الدكتور زكي نجيب محمود فكتب مقالاته التي جمعها بعدئذٍ في كتابه " تجديد الفكر العربي " ، منبها إلى حاجة الحياة الجديدة إلى فكر جديد، جاعلا اللغة العربية أكبر همّه، حافرا فيها عن أصول الفكر العربي 12 . وهو الذي رد في كتاب آخر ، زعم بعض الناس أن في نفسه معنى لا يستطيع التعبير عنه ، بأنْ ليس فيها من شيء إلا الوهم ! وربط اضطراب العبارة باضطراب الفكرة ، وضرورة ضبط العبارة بضرورة ضبط الفكرة 13 .
وأما الدكتور محمد عابد الجابري فكتب مقالاته التي جمعها في كتبه الثلاثة ذات الإطار الواحد "نقد العقل العربي"، أي " الفِكْر " ، وتأمَّلَ أولا تكوين العقل ( الفِكْر ) العربي، داعيا إلى التحرر من الميت أو المتخشب في كياننا العقلي ( الفِكْري ) ، فسحا للحياة أن تستأنف فينا دورتها وتعيد زرعها ، جاعلا اللغة العربية أوّل همّه قائلا: "سنجد أنفسنا دوما إزاء محدد أساسي، ولربما حاسم ، للعقل العربي من خلال اللغة التي ينتسب إليها وتنتسب إليه " 14 .
علاقة اللغة بالفكر الذي هو ثمرة التفكير إذن هَمُّ الفلاسفة اللازم ، وهي لديهم علاقة وثيقة ، وليس أدل على ذلك من تسميتهم قانون الفكر الذي بحثه لديهم هو لُبُّ الفلسفة ، علمَ المنطق الذي هو في لسان العرب الكلام 15 .
النَّفْسيّونَ اللُّغَويّونَ وَعَلاقةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[7] ولقد تميز من علم نفس الكلام ( سيكولوجية اللغة ) ، علم جعل همه تفكيك الكلام وتركيبه وحال المتكلـم والمخاطب من هذا وذاك ، هو علم النفس اللغوي ( علم اللغة النفسي ) 16 الذي اتسع في ستينيات القرن العشرين بمبادئ نظرية النحو التوليدي ، ليدرس ظاهرة الكلام ( السلوك اللغوي ) : كيف تنشأ وكيف تدرك ؟ 17 فكان من مسائل هذا العلم الجديد علاقة اللغة بالتفكير 18 .
بنظر النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) في هذه المسألة ، وضحت ثلاثة اتجاهات : واحد رأى اللغة والتفكير شيئا واحدا ، وثانٍ رآهما شيئين منفصلين ، وثالث رآهما شيئين متصلين اتصالا وثيقا من حيث ألفاظُ اللغةِ أفكارٌ صوريةٌ أو مجردةٌ ، وتراكيبُ اللغةِ اتجاهاتٌ عامةٌ وأساليبُ تفكيريةٌ . ومن أصحاب هذا الاتجاه الثالث الأخير من رأى التفكير أقوى تأثيرا في اللغة منها فيه ، ومنهم من رأى اللغة أقوى تأثيرا في التفكير منه فيها ، ومنهم من رأى كلًّا منهما مثل الآخر تأثيرا وتأثرا وافتقارا . وهذا الفرع الأخير من الاتجاه الأخير ، أحظى بقبول المعاصرين وأشيع فيهم من سواه 19 .
ولقد استطرد نظرهم إلى بحث اضطراب التفكير . وعلى رغم دلالة الاختبارات الأدائية ( التي تعتمد على الأداء اليدوي أو معاملة الصور أو غير ذلك ) على مبلغ اضطراب التفكير ، رأوها أقل أهمية من دلالة اضطراب اللغة ، وانتهوا إلى أنهما مضطربين مثلهما متزنين ، متصلان اتصالا وثيقا ، حتى لقد عجزوا عن تمييز البادئ منهما من المبدوء ، طامحين إلى زيادة بحث المسألة 20 .
علاقة اللغة بالتفكير الذي ينتج الفكر إذن من هموم النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) ، التي اتضح منها ارتباط علم اللغة بعلم النفس ، وهي لديهم علاقة وثيقة 21 .
التِّقْنيّونَ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[8] أما التِّقنيون علماء هندسة المعرفة والذكاء الاصطناعي ، فأحلامهم التي حققوا بعضها ، قائمة على الإيمان بأفكار بعض فلاسفة اللغة أمثال فيتجينشتين الذي ردّ القول بأدوية اللغة ، ورآها هي العالم ، وحفزهم بمثل مقولته : " كل ما يمكن أن يقال يمكن أن يقال بوضوح " ، إلى تفتيت كل كيان معرفي إلى عدد محدود من العناصر الذريّة ، يمكن أن تبنى منه كل الأشكال المعقدة للبنى المعرفية وآلياتها 22 .
عُلَماؤُنَا الْقُدَماءُ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[9] وعلى رغم تهاويل ما تقدم ، تبرز قضية علاقة اللفظ بالمعنى التي شغلت من قديم إلى حديث ، علماء لغتنا حتى قالوا بالتعليل ، ونقاد أدبنا حتى قالوا بالنَّظْم – علامةً على أصالة وعي علاقة اللغة بالتفكير ، في ثقافتنا العربية 23 ، التي من استوعبها نظرا وعملا ، رأى اللغة مِلاكَ التفكير والتفكير ملاك اللغة ، وقول القائل : قلتُ ، وقوله : فكّرْتُ ، سواءً ، ولم يصرفه عن ذلك ، حال الصم البكم ، الذين يفكرون ولا يتكلمون ؛ إذ هم يتعلمون اللغة من أهلهم كما يتعلمها غيرهم ، ولا شيء إلا أنهم يركِّبونها من كلمات الأصابع ؛ فإن أهلهم يعلمونهم بالإشارة المعنى ( الكلمة ) والفُكَـيْرة ( الجملة ) والفِكْرة ( الفِقْرة ) والقضية ( النَّصّ ) ، على النحو الذي يعيشون ويعايشونهم به . ولم نعرف بعدُ البلد الذي أهله كلهم صم بكم !
لِعُروبَةِ أَطْوارِ اللُّغَةِ وَالتَّفْكيرِ
للدكتور محمد جمال صقر
مقدمة
خَفاءُ أَحْوالِ اللُّغَةِ عَلى صاحِبِها
[1] تبدو اللغة للمتأمل ، على مثل ما يبدو له صاحبها : تتطور وتجمد ، وتستقيم وتعوج ، وتقوى وتضعف ، وتَضِح وتغمض ، وتحسن وتقبح ، وهكذا طورا على طور ؛ فلا ينشط لتَِخْطيءِ مقالة الناقد الغربي التي صارت مثلا عالميا " الأسلوب هو الرجل نفسه " .
وأعجب من أحوالها تلك كلها ، أن صاحبها يكاد لا يراها حتى ينبهه غيره إليها ، كما يكاد لا يرى نفسه وإن نظر في مرآته ، حتى ينظر في مرآة غيره !
فَضْلُ عَمَلِ سْتِتْكيفيتْشَ
[2] ولقد تأمل اللغة العربية من كثب وعرف دون غيره كثيرا ، جاروسلاف ستتكيفيتش الأستاذ الجامعي اليوغوسلافي الأمريكي المعاصر ، الذي طوّف في بلادنا مـن شرقيهـا إلى غـربيهـا أستاذا زائرا ؛ فدرس تطور اللغة العربية ألفاظا وتعابير ، وتطور التفكير اللغوي عند العرب في العصر الحديث ، وجهاد رجال النهضة أدباء وعلماء، لتحديث العربية وجعلها وافية بمقتضى الحياة؛ فبحث لذلك مسائل القياس والنحت وتعريب الألفاظ والتعابير وتطور الدلالة وتيسير النحو ، ثم انتهى إلى أن " العربية الحديثة تبتعد الآن عن اللغتين كلتيهما الفصحى والعامية ؛ فبينما تحتفظ بالبناء الصرفي للعربية الفصحى ، تقترب من حيث التركيب النحوي والأسلوبي في الشكل والروح من عائلة اللغات التي تعبر عن الثقافة الغربية، وهذا مشروط بأن تمضي العربية المعاصرة في هذا الطريق إلى مداه، وربما لا يمضي جيلان أو ثلاثة حتى تصبح عضوا متكاملا في عائلة الثقافة الغربية، وحيث تسهم بدور كامل في هذه الجماعة اللغوية الحديثة المشتركة. وسوف يخضع النحو – عندئذٍ – لتغيرات بعيدة الأثر فرضتها عليه ديناميكية الفكر الغربي . إن أنماط الجملة الفعلية والاسمية لن تكون الخواص النحوية الأساسية، وبدلا من ذلك سوف يكون مفهوم النبر الدلالي حاكما لترتيب عناصر الجملة . وسوف يتطلب هذا تغيرا طبيعيّا في الاتجاه من الجانب الشكلي القواعدي إلى الجانب الأسلوبي الديناميكي . إن الجملة العربية سوف تصبح أغنى بالجمل التابعة وسوف يصبح نظامها وترتيب عناصرها مرنا كالعادات الفكرية الحديثة . ومن الملاحظ أن هناك اتجاها واضحا للابتعاد عن البساطة التركيبية . إن النماذج الأسلوبية التي قدمها طه حسين وجيله هي من الوضوح والبساطة بحيث كثر استخدامها حتى بين كتاب وشعراء هذه الأيام ، ومع ذلك فإن الاتجاه إلى تعقيد جديد لن يعود بنا إلى النماذج القديمة ، إن النماذج الجديدة المستمدة من المصادر الخارجية والناتجة عن الاتصال الثقافي واللغوي سوف تأخذ مكانها ... والواقع أن التطورات الثانوية – التي ستكون نتائج لاقتراض المصطلحات – سوف تظهر – وبطريقة طبيعية وبسهولة ويسر – المخزون الأساسي للتعبيرات الحديثة أو قوالب التعبير الحديثة. إن محاكاة الأساليب المعربة سوف يتبعه سلسلة من المشتقات الأسلوبية الفعّالة ، والتي سوف تبدو أصيلة في إطار الروح الجديدة للغة . إن مستقبل اللغة العربية لن يكون في حلول مصطنعة بين المصدرين الأساسيين للغة : الفصحى والعامية والتي تعمل كل واحدة منهما ضد الأخرى ، ولكن سيكون هذا المستقبل في خط مستقيم للتطور غير بعيد عن الصرف السامي القديم متوجها إلى نحو غير سامي تفرضه عادات التفكير أكثر مما تفرضه عادات الحديث اليومي الحي . وعندئذٍ فحسب، سيكون العرب – بامتلاكهم لغة يفكرون بها – قادرين على التغلب على مشكلة الصراع بين الفصحى والعامية . إن الفصحى التقليدية كانت – وسوف تكون – عاجزة عن مواجهة العاميات لأنها لا تعكس العادات الفكرية للذين يستخدمونها . إن العربية الحديثة التي نحاول تحديدها وتعريفها هنا سوف تصبح لغة للفكر المتطور تماما، وسوف تكون مثلا للحيوية والقوة ، وسوف تحل محل اللهجات المنطوقة دون أن تطمسها طمسا مصطنعا " 1 .
أَفْكارُ سْتِتْكيفيتْشَ الثَّمانِيَةُ الْخَطيرَةُ
[3] لقد أفضى به تأمله إلى إثبات اقتراب اللغة العربية من عائلة لغات الثقافة الغربية ؛ فتطوع ببيان ما ينبغي للغة العربية - والمراد العرب - أن تصطنعه بنحوها ، لتصبح عضوا عاملا مؤثرا في تلك العائلة ؛ فزادنا إيمانا بمكانة النحو من لغتنا ، وتمسكا بخصائص العروبة فيه .
وربما اعتذرت عن طول النص الآنف إيراده ، أفكاره الكثيرة الخطيرة ، التي خشيت أن أجور عليها أيَّ جور ، وأرجو أن أستخلصها فيما يأتي بضمير الشأن الخطير :
الفكرة الأولى : أنه ليست للعرب الآن لغة يفكرون بها . أما العامّية فلغة عادات الحديثة اليومي الحي ، وأما الفصحى التقليدية فلا هي بهذه المنزلة ولا هي لغة عادات تفكير من يستخدمونها .
الفكرة الثانية : أنه توشك أن تولد بعيدا عن الفصحى التقليدية والعامية المتضادتين، عربية فصحى حديثة تنتمي بتطورها النحوي إلى عائلة اللغات الغربية الثقافة .
الفكرة الثالثة : أنه تعتمد صيرورة العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، عضوا عاملاً مؤثرا في الثقافة اللغوية الغربية ، على بلوغ تطورها النحوي مداه .
الفكرة الرابعة : أنه تقتضي ( ديناميكية ) الفكر الغربي، نحو العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، أن يتخذ النبر الدلالي معيارا لترتيب عناصر جمله ، فيتجه من الجانب الشكلي ( القواعدي ) في العربية الفصحى التقليدية ، إلى الجانب الأسلوبي ( الديناميكي ) في عائلة اللغات الغربية الثقافة .
الفكرة الخامسة : أنه يفضي ذلك متى تَمّ ، إلى غنى الجملة العربية بالجمل التابعة ، وصيرورة نظامها وترتيب عناصرها ، على مثل مرونة العادات الفكرية الحديثة الغربية .
الفكرة السادسة : أنه تفضي محاكاة الأساليب ( التعابير ) الغربية المعربة ، إلى سلسلة من المشتقات الأسلوبية ( التعبيريّة ) الفعّالة ، تبدو أصيلة في إطار الروح اللغوي الحديث الوليد .
الفكرة السابعة : أنه ينجح الأسلوب الغربي السهل المعرب الحديث الوليد متمثلا في أسلوب طه حسين وجيله، بين من تلاه من الكتّاب والشعراء .
الفكرة الثامنة الأخيرة : أنه على رغم اتجاه بعض الأساليب إلى التعقيد ، لن تعود العربية الفصحى الحديثة الوليدة ، إلى العربية الفصحى القديمة التقليدية .
بعض هذه الأفكار كما لا يخفى، من المأثورات الغربية 2 ، ولكن جدّةَ أكثرِها ودقةً علميةً فيها ، حافزان كافيان إلى تقليبها على وجوهها ، وإدامة النظر فيها ، ومراعاتها فيما يأتي ، بمسائل البحث ، دونما تقليل منها أو من صاحبها ؛ وإلا لم نكن جديرين بالحياة التي تعلقنا بها ، ولا بالحضارة التي تعلقت بنا !
الْمَسْألةُ الْأولَى : اللُّغةُ وَالتَّفْكيرُ
" اللُّغَةُ أَداةٌ "
[4] تروج فتجوز لدينا أفكار ضعيفة ؛ إذ نحن أسرع إلى قبول الحكم ، منا إلى مكابدة تحصيل الحقيقة . من ذلك أن اللغة أداة ، على اختلاف ما هي أداته ، من التفاهم إلى التواصل ، ومن التفكير إلى التعبير ؛ فإن الأداة في لسان العرب آلة المحترف التي تقيم له حرفته 3 . إنه إذا كانت الكتابة أداة الكاتب التي تقيد له في بياض الصفحات سواد الكلمات الكائنة لديه آنفا ، فإن عَجَزَ استبدل بها أُخرى قادرةً ، كتسجيل الصوت مثلا – كان التفاهم والتواصل والتفكير والتعبير ، أَوّلا ، فإن عجزت اللغة التي تؤديها استبدل بها مستعملها أخرى قادرة !
قال الدكتور طه حسين : " نزعم أن لنا في هذه اللغة التي نتكلمها ونتخذها أداة للفهم والإفهام ، حظّا يجعلهـا ملكا لنا " 4 . وإننـي على رغم قول أستاذنا محمود محمد شاكر - رحمه الله ! - : " اللغة أداة التفكير، وأداة البيان ، لا يكاد أحد يرتاب في أن هذا حق ، وأنه واضح شديد الوضوح " 5 – أرتاب في أن هذا واضح شديد الوضوح ، وأتمنى أن مجلسه المورود جَديدٌ ، ليوضحه لي ؛ فلابد أن للأداة عنده معنى غير ذلك 6 ، ربما وضحه قليلاً الدكتور مصطفى ناصف ، برؤيته اللغة أداة النمو الإنساني المتميز كله ، وتخطيئه لرؤية بعض الدارسين أو المدرسين ، لها نظامَ إشارات تنبيهية إلى تكوين الصور المتخيلة 7 . وربما زاد ذلك ، الدكتور محمد عابد الجابري ، برؤيته " أن اللغة ليست مجرد أداة الفكر، بل هي أيضا القالب الذي يتشكل فيه الفكر 8 ، وإن لم يفر من ( الأداة ) وهي عامة ، إلا إلى ( القالب ) وهو أداة خاصة . ثم هو قد ترك كلمة ( تفكير) إلى كلمة ( فِكْر ) ، وبينهما فرق لطيف لم يدركه بعض الباحثين 9 .
الْفَكْرُ وَالتَّفْكيرُ وَالْفِكْرُ
[5] إن ( الفِكْر ) في لسان العرب ، نتيجة ( الفَكْر ) الذي هو إعمال الخاطر في الشيء، وهو الحدث الذي مع الزمن في ( فَكَر يَفْكِرُ ) ، وإن ( التفكير ) كثرة ( الفَكْر ) 10 ، وربما غلب استعمال صيغة التفعيل لكثرة هذا الحدث وتعلّق حياة الإنسان به ، قال دي بونو : " التفكير هو التقصي المدروس للخبرة من أجل غرض ما . وقد يكون ذلك الغرض هو الفهم ، أو اتخاذ القرار ، أو التخطيط ، أو حل المشكلات ، أو الحكم على الأشياء ، أو القيام بعمل ما ، وهلم جرا " 11 .
وإنما فهمت معنى النتيجة من كون ( الفِكْر ) اسم المصدر ( فَكْر ) . وقد حرّرتُ من لسان العرب ، أن هذا النوع من اسم المصدر عبارة عن نتيجة إحداث المصدر، مثل ( حِمْل ) المنتوج عن ( حَمْل ) الذي ( تَحْميلٌ ) مبالغته ، ومثل ( مِلء ) المنتوج عن ( مَلء ) الذي ( تَمْليءٌ ) مبالغته ، صياغة واردة وإن لم تطرد .
( الفِكْر ) إذن ثمرة ( التفكير ) ؛ ولذا ينظر فيه الفلاسفة ، فأما ( التفكير ) فينظر فيه النفسيون واللغويون والتِّقنيون . إنّ العالم – مهما يكن علمه – إذا تأمّل أصول علمه واهتدى إلى حكمتها ، كان فيلسوفا اهتدى إلى فلسفة ، ولو بلغ كل عالم في علمه هذا المبلغ ، لاستغنى عن الفيلسوف ، ولو اشتمل كل علم في نفسه على ذلك ، لاستغنى عن الفلسفة .
الْفَلاسِفَةُ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالْفِكْرِ
[6] لقد تأمّل عثار نَهْضة العرب الحديثة، فيلسوفان عربيان معروفان : أما الدكتور زكي نجيب محمود فكتب مقالاته التي جمعها بعدئذٍ في كتابه " تجديد الفكر العربي " ، منبها إلى حاجة الحياة الجديدة إلى فكر جديد، جاعلا اللغة العربية أكبر همّه، حافرا فيها عن أصول الفكر العربي 12 . وهو الذي رد في كتاب آخر ، زعم بعض الناس أن في نفسه معنى لا يستطيع التعبير عنه ، بأنْ ليس فيها من شيء إلا الوهم ! وربط اضطراب العبارة باضطراب الفكرة ، وضرورة ضبط العبارة بضرورة ضبط الفكرة 13 .
وأما الدكتور محمد عابد الجابري فكتب مقالاته التي جمعها في كتبه الثلاثة ذات الإطار الواحد "نقد العقل العربي"، أي " الفِكْر " ، وتأمَّلَ أولا تكوين العقل ( الفِكْر ) العربي، داعيا إلى التحرر من الميت أو المتخشب في كياننا العقلي ( الفِكْري ) ، فسحا للحياة أن تستأنف فينا دورتها وتعيد زرعها ، جاعلا اللغة العربية أوّل همّه قائلا: "سنجد أنفسنا دوما إزاء محدد أساسي، ولربما حاسم ، للعقل العربي من خلال اللغة التي ينتسب إليها وتنتسب إليه " 14 .
علاقة اللغة بالفكر الذي هو ثمرة التفكير إذن هَمُّ الفلاسفة اللازم ، وهي لديهم علاقة وثيقة ، وليس أدل على ذلك من تسميتهم قانون الفكر الذي بحثه لديهم هو لُبُّ الفلسفة ، علمَ المنطق الذي هو في لسان العرب الكلام 15 .
النَّفْسيّونَ اللُّغَويّونَ وَعَلاقةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[7] ولقد تميز من علم نفس الكلام ( سيكولوجية اللغة ) ، علم جعل همه تفكيك الكلام وتركيبه وحال المتكلـم والمخاطب من هذا وذاك ، هو علم النفس اللغوي ( علم اللغة النفسي ) 16 الذي اتسع في ستينيات القرن العشرين بمبادئ نظرية النحو التوليدي ، ليدرس ظاهرة الكلام ( السلوك اللغوي ) : كيف تنشأ وكيف تدرك ؟ 17 فكان من مسائل هذا العلم الجديد علاقة اللغة بالتفكير 18 .
بنظر النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) في هذه المسألة ، وضحت ثلاثة اتجاهات : واحد رأى اللغة والتفكير شيئا واحدا ، وثانٍ رآهما شيئين منفصلين ، وثالث رآهما شيئين متصلين اتصالا وثيقا من حيث ألفاظُ اللغةِ أفكارٌ صوريةٌ أو مجردةٌ ، وتراكيبُ اللغةِ اتجاهاتٌ عامةٌ وأساليبُ تفكيريةٌ . ومن أصحاب هذا الاتجاه الثالث الأخير من رأى التفكير أقوى تأثيرا في اللغة منها فيه ، ومنهم من رأى اللغة أقوى تأثيرا في التفكير منه فيها ، ومنهم من رأى كلًّا منهما مثل الآخر تأثيرا وتأثرا وافتقارا . وهذا الفرع الأخير من الاتجاه الأخير ، أحظى بقبول المعاصرين وأشيع فيهم من سواه 19 .
ولقد استطرد نظرهم إلى بحث اضطراب التفكير . وعلى رغم دلالة الاختبارات الأدائية ( التي تعتمد على الأداء اليدوي أو معاملة الصور أو غير ذلك ) على مبلغ اضطراب التفكير ، رأوها أقل أهمية من دلالة اضطراب اللغة ، وانتهوا إلى أنهما مضطربين مثلهما متزنين ، متصلان اتصالا وثيقا ، حتى لقد عجزوا عن تمييز البادئ منهما من المبدوء ، طامحين إلى زيادة بحث المسألة 20 .
علاقة اللغة بالتفكير الذي ينتج الفكر إذن من هموم النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) ، التي اتضح منها ارتباط علم اللغة بعلم النفس ، وهي لديهم علاقة وثيقة 21 .
التِّقْنيّونَ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[8] أما التِّقنيون علماء هندسة المعرفة والذكاء الاصطناعي ، فأحلامهم التي حققوا بعضها ، قائمة على الإيمان بأفكار بعض فلاسفة اللغة أمثال فيتجينشتين الذي ردّ القول بأدوية اللغة ، ورآها هي العالم ، وحفزهم بمثل مقولته : " كل ما يمكن أن يقال يمكن أن يقال بوضوح " ، إلى تفتيت كل كيان معرفي إلى عدد محدود من العناصر الذريّة ، يمكن أن تبنى منه كل الأشكال المعقدة للبنى المعرفية وآلياتها 22 .
عُلَماؤُنَا الْقُدَماءُ وَعَلاقَةُ اللُّغَةِ بِالتَّفْكيرِ
[9] وعلى رغم تهاويل ما تقدم ، تبرز قضية علاقة اللفظ بالمعنى التي شغلت من قديم إلى حديث ، علماء لغتنا حتى قالوا بالتعليل ، ونقاد أدبنا حتى قالوا بالنَّظْم – علامةً على أصالة وعي علاقة اللغة بالتفكير ، في ثقافتنا العربية 23 ، التي من استوعبها نظرا وعملا ، رأى اللغة مِلاكَ التفكير والتفكير ملاك اللغة ، وقول القائل : قلتُ ، وقوله : فكّرْتُ ، سواءً ، ولم يصرفه عن ذلك ، حال الصم البكم ، الذين يفكرون ولا يتكلمون ؛ إذ هم يتعلمون اللغة من أهلهم كما يتعلمها غيرهم ، ولا شيء إلا أنهم يركِّبونها من كلمات الأصابع ؛ فإن أهلهم يعلمونهم بالإشارة المعنى ( الكلمة ) والفُكَـيْرة ( الجملة ) والفِكْرة ( الفِقْرة ) والقضية ( النَّصّ ) ، على النحو الذي يعيشون ويعايشونهم به . ولم نعرف بعدُ البلد الذي أهله كلهم صم بكم !
