دَلالاتُ فِكْرَةِ سْتِتْكيفيتْشَ الْأولى
[10] لا تخرج دلالة الفكرة الأولى السابق استنباطها من نص ستتكيفيتش في الفقرة الثالثة ، عن أن تكون إحدى ثلاث :
1 أنْ ليست اللغة غير أداة ، ويمكن للتفكير الاستغناء بغيرها عنها ، وهو ما عليه العرب الآن .
2 أنْ لا تفكير دون لغة ، وبعدم اللغة ينعدم التفكير ، وهو ما عليه العرب الآن .
3 أن لا تفكير متزنا بلغة مضطربة ، وباضطراب اللغة يضطرب التفكير ، وهو ما عليه العرب الآن .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الْأولى
[11] فضلا عن شياع وعي علاقة اللغة بالتفكير ، السابق بيانه ، يزيّف قصدَ الدلالة الأولى عدمُ اشتغال ستتكيفيتش ببيان الأداة المستغني بها التفكيرُ عن اللغة ، بل قد اشتغل بعكس ذلك مما يأتي طرف منه في أثناء هذا البحث .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الثّانِيَةِ
[12] ولما كان وجـود الإنسان مشـروطا في الثقافة الغربية الحديثة ، بكونه مفكرا ، أي " قادرا من خلال ملكة اللغة على ممارسة التحليل المنطقي والرياضي واكتساب المعرفة وتوظيفها لتوليد معارف جديدة " 24 – تفضي الدلالة الثانية مما سبق ، إلى دلالة أخرى محتومة : أن لا عرب الآن ، أو هُمْ كما قيل وهمٌ ، والوهم كما سبق في الفقرة السادسة ، لا لغة له !
إنه على رغم جنون هذه الدعوى ، من التغافل عن مقتضى شواهد كثيرة مختلفة أن في العالم الآن – مهما تكن الأحوال والأهواء – عربا ، وأن في العالم الآن - من ثم - لغة وتفكيرا عربيين ، واستحسان أهلنا لنا أن نتغافل عنها قائلين : " إذا كان المتكلم مجنونا فالمستمع عاقل " – يحملنا على تصديق قصد دلالة الدلالة الثانية ، ما صح لدينا على الزمان ، عن الحضارة الغربية – وهو آفتها – من أنها لا ترى إلا نفسها ؛ فلا حياة إلا باعتناق مبادئها ، ولا سيادة إلا باعتماد طرائقها ، وكأن ما كان قبلها من حضارات وما يكون ، حديث خرافة 25 .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الثّالِثَةِ
[13] ينبغي لمن يدافع الظلم ، أن يتحرى العَدْل ؛ فأتجاوز إلى الدلالة الثالثة الأخيرة المحتملة ، بل أورد قول الجابري وكأنه يفصّلها : " المثقف الذي يتكلم بالضرورة لغة عامية هي " أغنى " بكثير من العربية الفصحى في مجال الأشياء الحضارية لكونها تقتبس أسماءها من لغات أخرى مع بعض " التكسير" – لا يستطيع التعامل بها فكريّا . إن العامية رغم غناها " التكنولوجي " الحضاري لا تتوفر على الأدوات والآليات الضرورية للتفكير ، فهي ليست لغة ثقافة وفكر . ومن هنا فقرها المدقع رغم غناها الظاهري . والنتيجة هي أن المثقف العربي سواء كان طالبا أو أستاذا يعيش عالمين كلاهما قاصر : عالم لغته العامية وعالم اللغة الفصحى . أما الأمي العربي – وهو الذي يشكّل الأغلبية – فهو مسجون في عاميته يتعامل مع أشياء لا يسميها، وإذا فعل سمّاها بأسماء أجنبية مع بعض " التكسير " الضروري الذي لاشك في أنه يترك أثره العميق في عقله ، في بنيته الفكرية . أما ذلك العربي الذي يعرف لغة أجنبية واحدة أو أكثر فهو يعيش ثلاثة عوالم مختلفة : إنه " يملك " ثلاثة تصورات " للعالم " : يفكر بلغة أجنبية ، ويكتب بلغة عربية فصحى ، ويتحدث في البيت والشارع ، بل وفي الجامعة ؛ باللغة العامية " 26 .
كيف يستقيم للعرب الآن تفكير ، وهم يعيشون بلهجتهم الحياة الحديثة ، ويفكرون بلغتهم التفكير القديم ؟ إنها مشكلة اضطراب لغوي تفكيري تؤبّده فكرة ستتكيفيتش الثانية السابقة في الفقرة الثالثة نفسها ، لا مشكلة لغة وتفكير مضطربين. هذا أحسن ما تُحْمل عليه دلالة فكرته الأولى ، لولا العجب من المفكر بلغةٍ غير العربية الذي ذكره الجابري : كيف يكون عربيّا !
أما انقسام اللغة إلى نمطين : مُبتذل مستهلك في شؤون الحياة اليومية العادية ، وممتنع مصون لشؤون الحياة العقلية الغير العاديّة – تختلف المسافة بينهما ما اختلفت الثقافات وما اختلف الليل والنهار ، فأمر صحيح ، فيه التكامل الطبيعي ، وليس فيه الاضطراب الذي تشير إليه فكرة ستتكيفيتش الأولى ، ولا التضاد الذي تنبه عليه فكرته الثانية .
لقد فصّل الدكتور وافي مشكلة اختلاف لغة الكتابة ولغة الحديث ( اللهجة ) ، بعد أن بيّن أنه "يقصد بلغة الكتابة أو بلغة الآداب ، اللغة التي تدون بها المؤلفات والصحف والمجلات وشئون القضاء والتشريع والإدارة ، ويدون بها الإنتاج الفكري على العموم ، ويؤلف بها الشعر والنثر الفني ، وتستخدم في الخطابة والتدريس والمحاضرات ، وفي تفاهم الخاصة بعضهم مع بعض وفي تفاهمهم مع العامة إذا كانوا بصدد موضوع يمت إلى الآداب والعلوم. ويقصد بلغة الحديث اللغة العامية التي نستخدمها في شئوننا العادية ، ويجري بها حديثنا اليومي " 27 – وحجج فريقين نظرا في حلها ، قال أحدهما برفع لهجة الحديث إلى لغة الكتابة ، وقال الآخر بخفض لغة الكتابة إلى لهجة الحديث ، ثم رأى هو الحل الأمثل " أن تدع الأمور تجري في مجاريها الطبيعية ؛ فللغة قوانينها وللظواهر الاجتماعية نواميسها التي تسير عليها ، ومن ضياع الوقت في غير جدوى أن نحاول تغيير مجرى هذه القوانين أو صدها عن عملها ؛ إذ لا نستطيع إلى تغييرها سبيلا، ولن نجد لسنتها تبديلا . على أن اختلاف لغة الكتابة عن لغة الحديث لا ينطوي على شيء من الشذوذ حتى نتلمس علاجاً له . بل إنها السنة الطبيعية في اللغات " 28 .
ولقد ثبت أن إهمال تعليم اللغة القديمة الضخمة الغنى، المنبوزة بالجامدة ، سياسة تعليمية سيئة 29 ، فثبتت جدوى استمرار نظام التفكير القديم الخصب ، المنبوز بالجامد على ما في دعوى جمود اللغة والتفكير العربيين من نظر يأتي .
الْمَسْأَلَةُ الثّانِيَةُ : الْجُمودُ وَالتَّطَوُّرُ
بَيانُ التَّطَوُّرِ اللُّغَويِّ الْعامِّ
[14] بنى الدكتور وافي كتابه " علم اللغة " ، على بابين : نشأة اللغة وحياة اللغة . في هذا الباب الثاني عالج ست قضايا: الأولى : تفرع اللغة إلى لهجات ، والثانية : فصائل اللغات ، والثالثة : صراع اللغات، والرابعة : التطور اللغوي العام ، والخامسة : أصوات اللغة حياتها وتطورها، والسادسة : الدلالة وتطورها .
في علاجه القضية الرابعة رَجَعَ تطور اللغة إلى عوامل كثيرة ، أهمها أربع طوائف : الأولى : انتقال اللغة من السلف إلى الخلف ، والثانية : تأثّر اللغة بلغة أو لغات أخرى ، والثالثة : عوامل اجتماعية ونفسية وجغرافية ، كحضارة الأمة ونظمها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها وثقافتها واتجاهاتها الفكرية ومناحي وجدانها ونزوعها وبيئتها الجغرافية ، وما إلى ذلك مما رآه يشترك في أنه من مقومات الحياة الاجتماعية ، والطائفة الرابعة الأخيرة : عوامل أدبية مقصودة تتمثل فيما تنتجه قرائح الناطقين باللغة وما تبذله معاهد التعليم والمجامع اللغوية وما إليها في حمايتها والارتقاء بها 30 .
بَيانُ تَطَوُّرِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْقَديمِ
[15] وبنى الدكتور وافي كتابه " فقه اللغة " الذي عده بمنزلة الجزء الثاني لكتابه السابق ، على ستة أبواب : اللغة الأكادية ، واللغات الكنعانية ، واللغات الآرامية ، واللغات اليمنية القديمة ، واللغات الحبشية السامية ، واللغة العربية .
في هذا الباب الأخير عالج أربع قضايا : الأولى: حياة اللغة العربية ، والثانية : عناصر اللغة العربية ، والثالثة : كفاية اللغة العربية ، والرابعة : صيانة اللغة العربية .
في علاجه القضية الأولى عرض خمس عشرة مسألة : الأولى : شعبيتها ومنزلتها من اللغات السامية ، والثانية : نشأتها وأقسامها ، والثالثة : العربية البائدة أو عربية النقوش ، والرابعة : العربية الباقية كلمة عامة عنها ، والخامسة : صراع لهجاتها بعضها مع بعض وتغلب لهجة قريش ، والسادسة : القرآن والأدب الجاهلي ومجيئهما بلغة قريش ، والسابعة : نهضة لغة قريش وعوامل هذه النهضة ، والثامنة : أثر القرآن والحديث والإسلام في اللغة العربية ، والتاسعة : اللهجات العربية بعد تغلب لغة قريش ، والعاشرة : احتكاك العربية بأخواتها السامية وغيرها وصراعها معها وآثار ذلك ، والحادية عشرة : اللهجات العامية الحديثة عوامل تطورها وصفاتها المشتركة ، والثانية عشرة : طوائف اللهجات العامية ومبلغ بعد كل منها عن الفصحى ، والثالثة عشرة : لغة الكتابة العربية وتطورها وما استقرت عليه في العصر الحاضر ، والرابعة عشرة : بين العامية والفصحى مشكلة اختلاف لغة الكتابة عن لغة الحديث ، والخامسة عشرة الأخيرة : اللهجة المالطية 31 .
بَيانُ تَطَوُّرِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْحَديثِ
[16] ولقد نبّه الدكتور وافي على أن لغة الكتابة التي تمثل في جملتها اللغة القرشية التي نزل بها القرآن ، قد تطورت على السُّنّة اللغوية العامة ، تطورا كبيرا، وأنه انتابها في العصر الحاضر تطورات جديدة ترجع إلى عوامل كثيرة، أهمها خمسة :
1 اقتباس مفردات إفرنجية بعد تعريبها للتعبير عن مخترعات أو آلات حديثة ، أو مصطلحات علمية ، أو نظريات ، أو مبادئ اجتماعية ، أو أحزاب سياسية ... وهلم جرا .
2 ترجمة كثير من المفردات الإفرنجية الدالة على معانٍ خاصة تتصل بمصطلحات العلوم والفلسفة والآداب ... وما إلى ذلك ، إلى مفردات عربية كانت تستعمل من قبل في معانٍ عامة ، فتجردت هذه المفردات من معانيها القديمة وأصبحت مقصورة على المدلولات الاصطلاحية .
3 التأثر بأساليب اللغات الإفرنجية ومناهج تعبيرها وطرق استدلالها في المؤلفات العلمية والقصصية والأدبية وفي الصحف والمجلات .
4 اقتباس كثير من أخيلة هذه اللغات وتشبيهاتها وحكمها وأمثالها ... وما إلى ذلك .
5 إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات القديمة المهجورة . فكثيرا ما لجأ الكتّاب في البلاد العربية إلى هذه الوسيلة للتعبير عن معانٍ لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبّر عنها تعبيرا دقيقا ، أو لمجرد الرغبة في الإغراب أو في الترفع عن المفردات التي لاكتها الألسنة كثيرا . وبكثرة الاستعمال بعثت هذه المفردات خلقا جديدا، وزال ما كان فيها من غرابة ، واندمجت في المتداول المألوف " 32 .
مَنْزِلَةُ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ حَديثًا مِنْ مَنْزِلَتِها قَديمًا
[17] كل ذلك فقه دقيق وثيق لمنزلة اللغة العربية حديثا من اللغة العربية قديما، واللغة العربية قديما من اللغة العربية حديثا ، وأن هذه وتلك لغة واحدة ، وما ثَمّ إلا أحوال الحياة في اللغة التي هي كصاحبها ؛ لو جمدت ماتت ، فلما لم تمت لم تجمد، وهو ما أباه ستتكيفيتش فيما استنبطته عنه في الفقرة الثالثة .
إنه إذا كان انحلال اللغة إلى لهجات ، أهم موضوعات تاريخ سائر اللغات، وأجدرها بالدراسة – فإن بقاء لغتنا عربيةً على رغم لهجاتها وعلى رغم أطوارها ، أجدر موضوعات تاريخها بالدراسة ، وهو ما وعاه الدكتور وافي أتم وعي ، على رغم ما دعا إليه غيره 33 .
أَثَرُ الْإِسْلامِ وَالْقُرْآنِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[18] لقد زلزل الإسلام العرب لغة وتفكيرا، واستحثهم إليه بمثل " إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم " 34 ، الأصل الباقي المشروح بمثل " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن ، حيثما وجدها فهو أحق بها " 35 .
إنه لما سب أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه – غلامه بأمه قائلا : " يا ابن السوداء " ، قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا ذر ، أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية . إخوانكم خَوَلُكُمْ ( خدمكم ) ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمـه ممـا يأكـل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم " 36 ، فانتبـه إلى بقيـة فيه من اللغة والتفكير، جاهلية تعوق إيمانه الجديد، فالتقطها واطّرحها 37 .
كان الإسلام فيما يرى مالك بن نبي ، انفجارا لغويا تفكيريّا مباغتا ، على نحو فريد في تاريخ اللغات ، انبعثت به اللغة العربية كما انبعث به الرسول العربي – صلى الله عليه وسلم – مثالا للثقافة الجديدة والحضارة الوليدة ، وأداة أدبها الجملة المنظمة ، بعد أن كانت البيت الموزون 38 .
ولولا القرآن الذي وقفت عليه الأعمار والأعمال ، ونشأت له واستنبطت منه وصدرت عنه العلوم والمعارف والخبرات ، والأقوال والأفعال والإقرارات – ما كانت عربية ، ولذهبت كما ذهبت اللاتينية أو السنسكريتية 39 .
أَثَرُ عُلومِ الْأَوائِلِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[19] ثم زلزلتهم في عصر بني العباس علوم الأوائل ، فوسعتها لغتهم وتفكيرهم ناصعَيْنِ دقيقَيْنِ بلا عوجٍ ولا تعقيد ، وتطورا من الأسلوب القديم التركيبي ، إلى الأسلوب المولد التحليلي الذي أنشأه طائفة من الكتاب رائدهم ابن المقفع 40 ، لتميل به العربية إلى بسط المعنى وانسياب الصياغة واسترسالها وسهولة اللفظ :
إذا قال القديم : " جَدُّكَ ( حَظُّكَ ) ، لا كدُّك ( عَناؤُكَ ) " ؛ فترك لسامعه أن يحل ما ركب - قال المولَّد: " إذ لم يُساعدْك الجدُّ ، فالحركة ( العَناءُ ) خِذْلانٌ ( خَيْبَةٌ ) " 41 ؛ فأخذ بيد سامعه إلى المراد .
أَثَرُ الْفِكْرِ الْغَرْبيِّ الْحَديثِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[20] ثم زلزلهم الفكر الغربي الحديث لغة وتفكيرا ، فانقسموا إزاءه على خمسة أقسام:منهم من قبله كله وتمسك بالفكر العربي كله ، ومنهم من قبله كله وتمسك ببعض الفكر العربي، ومنهم من قبل بعضه وتمسك بالفكر العربي كله، ومنهم من قبل بعضه وتمسك ببعض الفكر العربي، ومنهم من كاد يرفض الفكرين جميعا 42 !
مَراحِلُ الِاسْتِفادَةِ مِنْ صَحيحِ الْفِكْرِ الْحَديثِ
[21] إنني لموقن من أنها الأقسام المنطقية التاريخية الثائرة كلما زلزل القديم حديث أو المقيم وافد ، حتى إذا ما وُعيتْ حقائق الحديث ، وانماز صحيحه من سقيمه ، ووجب قبول صحيحه وتغيير القديم به ورد سقيمه وحماية القديم منه ، اتحدت تلك الأقسام على قلب قسم واحد لا يقوم له غيره .
هو عمل زمان طويل ، تكون فيه ضروب من التجريب متعاقبة ربما تزامنت ، هي : الاتباع الأعمى ، ثم الاتباع البصير ، ثم الامتلاك ، ثم الابتداع 43 .
وإنّ تأمُّلنا لسيرة ألفاظ وتعابير خاصة ، على مثل ما سبق في الفقرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ، لكفيل بأن يطلعنا على طرف من سيرتنا لغة وتفكيرا. وإن افتقادنا لمثل ذلك على ما ينبغي له من الاستقصاء والوفاء ، لدليل ضآلة علمنا بأنفسنا ، وضعف وعينا لحياتنا الكائنة والمنتظرة 44 .
اطِّراحُ الْفِكْرِ الْقَديمِ كَاطِّراحِ الْفِكْرِ الْحَديثِ
[22] إن استيعاب الفكر الحديث بما فيه من آثار اللغة والتفكير الحديثين ، يزيد من إنسانية الإنسان ، ويخصب من حياته ، وينير من بصيرته ، ولكن اطّراح الفكر القديم بما فيه من آثار اللغة والتفكير القديمين ، ينقص من إنسانية الإنسان ، ويجدب من حياته ، ويطفئ من بصيرته 45 . ولأمر ما قال رسول الإسلام – صلى الله عليه وسلم – في صحابته الذين منهم أبو ذر نفسه – رضي الله عنه - : " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " 46 . من ثم ينبغي ألا نعجب لهنري لوسل أن دعا في مقال نشرته لوموند الفرنسية ، عنوانه " اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية تزودان الدارس لهما بنظرة جديدة إلى العالم " – إلى تدريس اللغة العربية وكتابها الأكبر " القرآن " في المدارس الفرنسية 47 ؛ فلم يرد لأمته إلا الإصلاح . أما العجب العاجب فلستتكيفيتش يدعونا نحن إلى اطراح لغتنا ، بأنها قديمة !
[10] لا تخرج دلالة الفكرة الأولى السابق استنباطها من نص ستتكيفيتش في الفقرة الثالثة ، عن أن تكون إحدى ثلاث :
1 أنْ ليست اللغة غير أداة ، ويمكن للتفكير الاستغناء بغيرها عنها ، وهو ما عليه العرب الآن .
2 أنْ لا تفكير دون لغة ، وبعدم اللغة ينعدم التفكير ، وهو ما عليه العرب الآن .
3 أن لا تفكير متزنا بلغة مضطربة ، وباضطراب اللغة يضطرب التفكير ، وهو ما عليه العرب الآن .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الْأولى
[11] فضلا عن شياع وعي علاقة اللغة بالتفكير ، السابق بيانه ، يزيّف قصدَ الدلالة الأولى عدمُ اشتغال ستتكيفيتش ببيان الأداة المستغني بها التفكيرُ عن اللغة ، بل قد اشتغل بعكس ذلك مما يأتي طرف منه في أثناء هذا البحث .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الثّانِيَةِ
[12] ولما كان وجـود الإنسان مشـروطا في الثقافة الغربية الحديثة ، بكونه مفكرا ، أي " قادرا من خلال ملكة اللغة على ممارسة التحليل المنطقي والرياضي واكتساب المعرفة وتوظيفها لتوليد معارف جديدة " 24 – تفضي الدلالة الثانية مما سبق ، إلى دلالة أخرى محتومة : أن لا عرب الآن ، أو هُمْ كما قيل وهمٌ ، والوهم كما سبق في الفقرة السادسة ، لا لغة له !
إنه على رغم جنون هذه الدعوى ، من التغافل عن مقتضى شواهد كثيرة مختلفة أن في العالم الآن – مهما تكن الأحوال والأهواء – عربا ، وأن في العالم الآن - من ثم - لغة وتفكيرا عربيين ، واستحسان أهلنا لنا أن نتغافل عنها قائلين : " إذا كان المتكلم مجنونا فالمستمع عاقل " – يحملنا على تصديق قصد دلالة الدلالة الثانية ، ما صح لدينا على الزمان ، عن الحضارة الغربية – وهو آفتها – من أنها لا ترى إلا نفسها ؛ فلا حياة إلا باعتناق مبادئها ، ولا سيادة إلا باعتماد طرائقها ، وكأن ما كان قبلها من حضارات وما يكون ، حديث خرافة 25 .
نَقْدُ الدَّلالَةِ الثّالِثَةِ
[13] ينبغي لمن يدافع الظلم ، أن يتحرى العَدْل ؛ فأتجاوز إلى الدلالة الثالثة الأخيرة المحتملة ، بل أورد قول الجابري وكأنه يفصّلها : " المثقف الذي يتكلم بالضرورة لغة عامية هي " أغنى " بكثير من العربية الفصحى في مجال الأشياء الحضارية لكونها تقتبس أسماءها من لغات أخرى مع بعض " التكسير" – لا يستطيع التعامل بها فكريّا . إن العامية رغم غناها " التكنولوجي " الحضاري لا تتوفر على الأدوات والآليات الضرورية للتفكير ، فهي ليست لغة ثقافة وفكر . ومن هنا فقرها المدقع رغم غناها الظاهري . والنتيجة هي أن المثقف العربي سواء كان طالبا أو أستاذا يعيش عالمين كلاهما قاصر : عالم لغته العامية وعالم اللغة الفصحى . أما الأمي العربي – وهو الذي يشكّل الأغلبية – فهو مسجون في عاميته يتعامل مع أشياء لا يسميها، وإذا فعل سمّاها بأسماء أجنبية مع بعض " التكسير " الضروري الذي لاشك في أنه يترك أثره العميق في عقله ، في بنيته الفكرية . أما ذلك العربي الذي يعرف لغة أجنبية واحدة أو أكثر فهو يعيش ثلاثة عوالم مختلفة : إنه " يملك " ثلاثة تصورات " للعالم " : يفكر بلغة أجنبية ، ويكتب بلغة عربية فصحى ، ويتحدث في البيت والشارع ، بل وفي الجامعة ؛ باللغة العامية " 26 .
كيف يستقيم للعرب الآن تفكير ، وهم يعيشون بلهجتهم الحياة الحديثة ، ويفكرون بلغتهم التفكير القديم ؟ إنها مشكلة اضطراب لغوي تفكيري تؤبّده فكرة ستتكيفيتش الثانية السابقة في الفقرة الثالثة نفسها ، لا مشكلة لغة وتفكير مضطربين. هذا أحسن ما تُحْمل عليه دلالة فكرته الأولى ، لولا العجب من المفكر بلغةٍ غير العربية الذي ذكره الجابري : كيف يكون عربيّا !
أما انقسام اللغة إلى نمطين : مُبتذل مستهلك في شؤون الحياة اليومية العادية ، وممتنع مصون لشؤون الحياة العقلية الغير العاديّة – تختلف المسافة بينهما ما اختلفت الثقافات وما اختلف الليل والنهار ، فأمر صحيح ، فيه التكامل الطبيعي ، وليس فيه الاضطراب الذي تشير إليه فكرة ستتكيفيتش الأولى ، ولا التضاد الذي تنبه عليه فكرته الثانية .
لقد فصّل الدكتور وافي مشكلة اختلاف لغة الكتابة ولغة الحديث ( اللهجة ) ، بعد أن بيّن أنه "يقصد بلغة الكتابة أو بلغة الآداب ، اللغة التي تدون بها المؤلفات والصحف والمجلات وشئون القضاء والتشريع والإدارة ، ويدون بها الإنتاج الفكري على العموم ، ويؤلف بها الشعر والنثر الفني ، وتستخدم في الخطابة والتدريس والمحاضرات ، وفي تفاهم الخاصة بعضهم مع بعض وفي تفاهمهم مع العامة إذا كانوا بصدد موضوع يمت إلى الآداب والعلوم. ويقصد بلغة الحديث اللغة العامية التي نستخدمها في شئوننا العادية ، ويجري بها حديثنا اليومي " 27 – وحجج فريقين نظرا في حلها ، قال أحدهما برفع لهجة الحديث إلى لغة الكتابة ، وقال الآخر بخفض لغة الكتابة إلى لهجة الحديث ، ثم رأى هو الحل الأمثل " أن تدع الأمور تجري في مجاريها الطبيعية ؛ فللغة قوانينها وللظواهر الاجتماعية نواميسها التي تسير عليها ، ومن ضياع الوقت في غير جدوى أن نحاول تغيير مجرى هذه القوانين أو صدها عن عملها ؛ إذ لا نستطيع إلى تغييرها سبيلا، ولن نجد لسنتها تبديلا . على أن اختلاف لغة الكتابة عن لغة الحديث لا ينطوي على شيء من الشذوذ حتى نتلمس علاجاً له . بل إنها السنة الطبيعية في اللغات " 28 .
ولقد ثبت أن إهمال تعليم اللغة القديمة الضخمة الغنى، المنبوزة بالجامدة ، سياسة تعليمية سيئة 29 ، فثبتت جدوى استمرار نظام التفكير القديم الخصب ، المنبوز بالجامد على ما في دعوى جمود اللغة والتفكير العربيين من نظر يأتي .
الْمَسْأَلَةُ الثّانِيَةُ : الْجُمودُ وَالتَّطَوُّرُ
بَيانُ التَّطَوُّرِ اللُّغَويِّ الْعامِّ
[14] بنى الدكتور وافي كتابه " علم اللغة " ، على بابين : نشأة اللغة وحياة اللغة . في هذا الباب الثاني عالج ست قضايا: الأولى : تفرع اللغة إلى لهجات ، والثانية : فصائل اللغات ، والثالثة : صراع اللغات، والرابعة : التطور اللغوي العام ، والخامسة : أصوات اللغة حياتها وتطورها، والسادسة : الدلالة وتطورها .
في علاجه القضية الرابعة رَجَعَ تطور اللغة إلى عوامل كثيرة ، أهمها أربع طوائف : الأولى : انتقال اللغة من السلف إلى الخلف ، والثانية : تأثّر اللغة بلغة أو لغات أخرى ، والثالثة : عوامل اجتماعية ونفسية وجغرافية ، كحضارة الأمة ونظمها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها وثقافتها واتجاهاتها الفكرية ومناحي وجدانها ونزوعها وبيئتها الجغرافية ، وما إلى ذلك مما رآه يشترك في أنه من مقومات الحياة الاجتماعية ، والطائفة الرابعة الأخيرة : عوامل أدبية مقصودة تتمثل فيما تنتجه قرائح الناطقين باللغة وما تبذله معاهد التعليم والمجامع اللغوية وما إليها في حمايتها والارتقاء بها 30 .
بَيانُ تَطَوُّرِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْقَديمِ
[15] وبنى الدكتور وافي كتابه " فقه اللغة " الذي عده بمنزلة الجزء الثاني لكتابه السابق ، على ستة أبواب : اللغة الأكادية ، واللغات الكنعانية ، واللغات الآرامية ، واللغات اليمنية القديمة ، واللغات الحبشية السامية ، واللغة العربية .
في هذا الباب الأخير عالج أربع قضايا : الأولى: حياة اللغة العربية ، والثانية : عناصر اللغة العربية ، والثالثة : كفاية اللغة العربية ، والرابعة : صيانة اللغة العربية .
في علاجه القضية الأولى عرض خمس عشرة مسألة : الأولى : شعبيتها ومنزلتها من اللغات السامية ، والثانية : نشأتها وأقسامها ، والثالثة : العربية البائدة أو عربية النقوش ، والرابعة : العربية الباقية كلمة عامة عنها ، والخامسة : صراع لهجاتها بعضها مع بعض وتغلب لهجة قريش ، والسادسة : القرآن والأدب الجاهلي ومجيئهما بلغة قريش ، والسابعة : نهضة لغة قريش وعوامل هذه النهضة ، والثامنة : أثر القرآن والحديث والإسلام في اللغة العربية ، والتاسعة : اللهجات العربية بعد تغلب لغة قريش ، والعاشرة : احتكاك العربية بأخواتها السامية وغيرها وصراعها معها وآثار ذلك ، والحادية عشرة : اللهجات العامية الحديثة عوامل تطورها وصفاتها المشتركة ، والثانية عشرة : طوائف اللهجات العامية ومبلغ بعد كل منها عن الفصحى ، والثالثة عشرة : لغة الكتابة العربية وتطورها وما استقرت عليه في العصر الحاضر ، والرابعة عشرة : بين العامية والفصحى مشكلة اختلاف لغة الكتابة عن لغة الحديث ، والخامسة عشرة الأخيرة : اللهجة المالطية 31 .
بَيانُ تَطَوُّرِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْحَديثِ
[16] ولقد نبّه الدكتور وافي على أن لغة الكتابة التي تمثل في جملتها اللغة القرشية التي نزل بها القرآن ، قد تطورت على السُّنّة اللغوية العامة ، تطورا كبيرا، وأنه انتابها في العصر الحاضر تطورات جديدة ترجع إلى عوامل كثيرة، أهمها خمسة :
1 اقتباس مفردات إفرنجية بعد تعريبها للتعبير عن مخترعات أو آلات حديثة ، أو مصطلحات علمية ، أو نظريات ، أو مبادئ اجتماعية ، أو أحزاب سياسية ... وهلم جرا .
2 ترجمة كثير من المفردات الإفرنجية الدالة على معانٍ خاصة تتصل بمصطلحات العلوم والفلسفة والآداب ... وما إلى ذلك ، إلى مفردات عربية كانت تستعمل من قبل في معانٍ عامة ، فتجردت هذه المفردات من معانيها القديمة وأصبحت مقصورة على المدلولات الاصطلاحية .
3 التأثر بأساليب اللغات الإفرنجية ومناهج تعبيرها وطرق استدلالها في المؤلفات العلمية والقصصية والأدبية وفي الصحف والمجلات .
4 اقتباس كثير من أخيلة هذه اللغات وتشبيهاتها وحكمها وأمثالها ... وما إلى ذلك .
5 إحياء الأدباء والعلماء لبعض المفردات القديمة المهجورة . فكثيرا ما لجأ الكتّاب في البلاد العربية إلى هذه الوسيلة للتعبير عن معانٍ لا يجدون في المفردات المستعملة ما يعبّر عنها تعبيرا دقيقا ، أو لمجرد الرغبة في الإغراب أو في الترفع عن المفردات التي لاكتها الألسنة كثيرا . وبكثرة الاستعمال بعثت هذه المفردات خلقا جديدا، وزال ما كان فيها من غرابة ، واندمجت في المتداول المألوف " 32 .
مَنْزِلَةُ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ حَديثًا مِنْ مَنْزِلَتِها قَديمًا
[17] كل ذلك فقه دقيق وثيق لمنزلة اللغة العربية حديثا من اللغة العربية قديما، واللغة العربية قديما من اللغة العربية حديثا ، وأن هذه وتلك لغة واحدة ، وما ثَمّ إلا أحوال الحياة في اللغة التي هي كصاحبها ؛ لو جمدت ماتت ، فلما لم تمت لم تجمد، وهو ما أباه ستتكيفيتش فيما استنبطته عنه في الفقرة الثالثة .
إنه إذا كان انحلال اللغة إلى لهجات ، أهم موضوعات تاريخ سائر اللغات، وأجدرها بالدراسة – فإن بقاء لغتنا عربيةً على رغم لهجاتها وعلى رغم أطوارها ، أجدر موضوعات تاريخها بالدراسة ، وهو ما وعاه الدكتور وافي أتم وعي ، على رغم ما دعا إليه غيره 33 .
أَثَرُ الْإِسْلامِ وَالْقُرْآنِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[18] لقد زلزل الإسلام العرب لغة وتفكيرا، واستحثهم إليه بمثل " إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم " 34 ، الأصل الباقي المشروح بمثل " الكلمة الحكمة ضالة المؤمن ، حيثما وجدها فهو أحق بها " 35 .
إنه لما سب أبو ذر الغفاري – رضي الله عنه – غلامه بأمه قائلا : " يا ابن السوداء " ، قال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا ذر ، أعيرته بأمه ؟ إنك امرؤ فيك جاهلية . إخوانكم خَوَلُكُمْ ( خدمكم ) ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمـه ممـا يأكـل وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم " 36 ، فانتبـه إلى بقيـة فيه من اللغة والتفكير، جاهلية تعوق إيمانه الجديد، فالتقطها واطّرحها 37 .
كان الإسلام فيما يرى مالك بن نبي ، انفجارا لغويا تفكيريّا مباغتا ، على نحو فريد في تاريخ اللغات ، انبعثت به اللغة العربية كما انبعث به الرسول العربي – صلى الله عليه وسلم – مثالا للثقافة الجديدة والحضارة الوليدة ، وأداة أدبها الجملة المنظمة ، بعد أن كانت البيت الموزون 38 .
ولولا القرآن الذي وقفت عليه الأعمار والأعمال ، ونشأت له واستنبطت منه وصدرت عنه العلوم والمعارف والخبرات ، والأقوال والأفعال والإقرارات – ما كانت عربية ، ولذهبت كما ذهبت اللاتينية أو السنسكريتية 39 .
أَثَرُ عُلومِ الْأَوائِلِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[19] ثم زلزلتهم في عصر بني العباس علوم الأوائل ، فوسعتها لغتهم وتفكيرهم ناصعَيْنِ دقيقَيْنِ بلا عوجٍ ولا تعقيد ، وتطورا من الأسلوب القديم التركيبي ، إلى الأسلوب المولد التحليلي الذي أنشأه طائفة من الكتاب رائدهم ابن المقفع 40 ، لتميل به العربية إلى بسط المعنى وانسياب الصياغة واسترسالها وسهولة اللفظ :
إذا قال القديم : " جَدُّكَ ( حَظُّكَ ) ، لا كدُّك ( عَناؤُكَ ) " ؛ فترك لسامعه أن يحل ما ركب - قال المولَّد: " إذ لم يُساعدْك الجدُّ ، فالحركة ( العَناءُ ) خِذْلانٌ ( خَيْبَةٌ ) " 41 ؛ فأخذ بيد سامعه إلى المراد .
أَثَرُ الْفِكْرِ الْغَرْبيِّ الْحَديثِ اللُّغَويُّ التَّفْكيريُّ
[20] ثم زلزلهم الفكر الغربي الحديث لغة وتفكيرا ، فانقسموا إزاءه على خمسة أقسام:منهم من قبله كله وتمسك بالفكر العربي كله ، ومنهم من قبله كله وتمسك ببعض الفكر العربي، ومنهم من قبل بعضه وتمسك بالفكر العربي كله، ومنهم من قبل بعضه وتمسك ببعض الفكر العربي، ومنهم من كاد يرفض الفكرين جميعا 42 !
مَراحِلُ الِاسْتِفادَةِ مِنْ صَحيحِ الْفِكْرِ الْحَديثِ
[21] إنني لموقن من أنها الأقسام المنطقية التاريخية الثائرة كلما زلزل القديم حديث أو المقيم وافد ، حتى إذا ما وُعيتْ حقائق الحديث ، وانماز صحيحه من سقيمه ، ووجب قبول صحيحه وتغيير القديم به ورد سقيمه وحماية القديم منه ، اتحدت تلك الأقسام على قلب قسم واحد لا يقوم له غيره .
هو عمل زمان طويل ، تكون فيه ضروب من التجريب متعاقبة ربما تزامنت ، هي : الاتباع الأعمى ، ثم الاتباع البصير ، ثم الامتلاك ، ثم الابتداع 43 .
وإنّ تأمُّلنا لسيرة ألفاظ وتعابير خاصة ، على مثل ما سبق في الفقرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة ، لكفيل بأن يطلعنا على طرف من سيرتنا لغة وتفكيرا. وإن افتقادنا لمثل ذلك على ما ينبغي له من الاستقصاء والوفاء ، لدليل ضآلة علمنا بأنفسنا ، وضعف وعينا لحياتنا الكائنة والمنتظرة 44 .
اطِّراحُ الْفِكْرِ الْقَديمِ كَاطِّراحِ الْفِكْرِ الْحَديثِ
[22] إن استيعاب الفكر الحديث بما فيه من آثار اللغة والتفكير الحديثين ، يزيد من إنسانية الإنسان ، ويخصب من حياته ، وينير من بصيرته ، ولكن اطّراح الفكر القديم بما فيه من آثار اللغة والتفكير القديمين ، ينقص من إنسانية الإنسان ، ويجدب من حياته ، ويطفئ من بصيرته 45 . ولأمر ما قال رسول الإسلام – صلى الله عليه وسلم – في صحابته الذين منهم أبو ذر نفسه – رضي الله عنه - : " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " 46 . من ثم ينبغي ألا نعجب لهنري لوسل أن دعا في مقال نشرته لوموند الفرنسية ، عنوانه " اللغة العربية والحضارة العربية الإسلامية تزودان الدارس لهما بنظرة جديدة إلى العالم " – إلى تدريس اللغة العربية وكتابها الأكبر " القرآن " في المدارس الفرنسية 47 ؛ فلم يرد لأمته إلا الإصلاح . أما العجب العاجب فلستتكيفيتش يدعونا نحن إلى اطراح لغتنا ، بأنها قديمة !
