خاتِمَةٌ
يظل المرء في شأنه سادرا حتى يطّلع من غيره على ما ينبهه إلى ما هو عليه مما تخفيه عنه العادة . وربما استفز هو غيره إلى نقده ، أو بدأه غيره . وسواء لديه أصَدَقَه غيره أم كذَبه؛ فسينتبه إلى ما لم يكن لينتبه إليه وحده .
لقد ركن العربي إلى حضارته القوية ، وأخلد إلى غطّة لم ينتزعه منها غير صخب عدوان حضارة غيره ، ففزع إلى ماديات حضارته فوجدها عليلة كليلة ، وإلى معنوياتها فوجد عدوه قد بث ألسنته تنفره منها أو تصغرها عنده بعد أن كان يظنها لا يجترئ عليها أحد : أما عقيدته التي ساح في أرجاء الأرض يدعو إليها ، لا يبتغي إلا أن يهتدي به غيره فيفوز عند ربه فوزا عظيما – فصارت مُنهَزَمَه ، وانبغى له أن يستبدل بها ما لدى غيره من عقائد الانتصار . وأما لغته التي يراها فيرى عقيدته والعلوم والمعارف والخبرات والأقوال والأفعال والإقرارات التي تعلقت بها منذ اعتقدها وإلى وقته الذي هو فيه – فصارت شيخة فانية ، مُتْحَفا مُغْلقا ، وانبغى له أن يستبدل بها ما لدى غيره من لغات الفتوّة .
إنه إذا كان قديما يُجلّ لغته حتى ليرى من لم يتكلمها أعجم بمنزلة العجماوات ، ويستغرب بلاده صارخا " لعن الله بلادا ليس فيها عرب " ، رائيا نفسه فيها " غريب الوجه واليد واللسان " – فقد اطلع حديثا من غيره على أنه مثله ، يرى لغته كما يرى هو لغته ، حتى إنه ليعدّ غيرها نباح كلاب ، ويستحلّ الكذب بها 103 ! وما أطرف دلالة أنه " عندما يكون الرجل الإنجليزي غير مفهوم فإنه يقول لمحدثه : وهل أنا أتكلم العربية . وعندما يكون العربي غير مفهوم فإنه يقول لمحدثه : وهل أنا أتكلم الصينية . وعندما يكون الصيني غير مفهوم يتساءل إن كان يتحدث الإنجليزية " 104 – على تمسك كلٍّ بلغته !
من هذا الباب نفسه أي باب اللغة ( أصل الاتصال البشري الباقي المستمر في وسائله المختلفة ) ، وعلى منهج العولمة ( ظاهرة الاتصال الحضاري المستمرة في محاولاته المختلفة ) ، تطوع حديثا بعض المستشرقين الذين طوفوا في بلادنا العربية من شرقيها إلى غربيها ، وتأملوا من كثب ، وعرفوا دون غيرهم كثيرا ، ودرسوا تطور اللغة العربية ألفاظا وتعابير ، وتطور التفكير اللغوي عند العرب في العصر الحديث ، وجهاد رجال النهضة أدباء وعلماء لتحديث اللغة العربية وجعلها وافية بمقتضى الحياة - بملاحظة اقتراب اللغة العربية من عائلة لغات الثقافة الغربية ، ثم ببيان ما ينبغي للغة العربية - والمراد العرب - أن تصطنعه لتصبح عضوا عاملا مؤثرا في تلك العائلة .
لقد خلط فيما انتهى إليه أفكارا ضعيفة منكَرة وأخرى قوية معجِبة ؛ فحفَزَني إلى النظر فيها وفي لغتنا العربية التي نصَّ منها على نماذج معينة ؛ فانتهيت إلى ما يلي :
• فكرة " اللغةُ أداةٌ " على اختلاف ما هي أداته ، خطأٌ مهما راجت على ألسن الكبار والصغار .
• بين الفَكْر الذي هو إعمال الخاطر في الشيء ، والتفكير الذي هو مبالغة في الفَكْر استُغني بها عنه لكثرة هذا الحدث وتعلق حياة الإنسان به ، والفِكْر الذي هو ثمرة الفَكْر والتفكير - فروق واضحة .
• علاقة اللغة بالفِكْر هم الفلاسفة اللازم .
• علاقة اللغة بالتفكير من هموم النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) .
• علاقة اللغة بالتفكير أساس عمل التقنيين علماء هندسة المعرفة والذكاء الاصطناعي .
• وعي علاقة اللغة بالتفكير ، أصيل في ثقافتنا العربية .
• دلالة بعض الأفكار الاستشراقية على أن العرب الآن يفكرون بغير اللغة ، أو لا يفكرون إذ لا لغة لهم - واهية نظرا وعملا .
• لا وجه لدلالة انقسام اللغة العربية إلى نمطين : مبتذل مستهلك ، وممتنع مصون ، على أن العرب الآن مضطربون لغة وتفكيراً .
• فيما قدم الدكتور علي عبد الواحد وافي من بحثٍ للتطور اللغوي العام ولتطور اللغة العربية قديمًا وحديثا ، بيان شاف كاف في رد وصْمها بالجمود ، وفقهٌ دقيق لمنزلتها حديثا منها قديمًا ، ومنزلتها قديمًا منها حديثا .
• كانت للإسلام والقرآن قديمًا ثم لعلوم الأوائل وسيطًا ثم للفكر الغربي حديثًا ، آثار لغوية تفكيرية بينة الدلالة على الحياة لا الجمود .
• للاستفادة من صحيح الفكر الحديث ، مراحل أربع : الاتباع الأعمى ، ثم الاتباع البصير ، ثم الامتلاك ، ثم الابتداع .
• اطّراح الفكر القديم كاطراح الفكر الحديث ، خسارة فادحة .
• علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، أهم من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها .
• علاقة كلم الجملة ( المعاني ) المجتمعة ، أهم من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها ، وبالقياس تكون علاقة جمل الفقرة المجتمعة أهم من الجمل المنفردات ، وعلاقة فقر النص المجتمعة أهم من الفقر المنفردات ، وعلاقة نصوص الكتاب المجتمعة أهم من النصوص المنفردات ؛ فإن المتأمل يطيل النظر حتى تنكشف له رسالة الكتاب المستولية على نصوصه ؛ فتنكشف بانكشافها قضايا النصوص ، ثم أفكار الفقر ، ثم فُكَيْراتُ الجمل ، فتكون لمعاني الكلم عندئذ قيمة .
• علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة – وكذلك علاقة الجمل والفقر والنصوص - عمل النحو .
• للنحو الفلسفي وجهٌ ظاهر الجدوى على كون التعليق ( إعمالِ النحو ) عملا لغويا تفكيريا ، ووجهٌ غامض الدلالة على مظهر عجيب من مظاهر العولمة .
• في دعوى قدرة التعابير الدخيلة على تفسير الحضارات ، شبهةُ تَعَمُّد إثبات الضعف .
• النحو وحده هو نظام أطوار اللغة والتفكير العربيين .
• في تمسك دعاة التطوير بنظام أطوار اللغة والتفكير العربيين ، وعي واضح لوظيفته الخالدة السابقة .
• نسبة طه حسين إلى الحديث الغربي والرافعي إلى القديم العربي ، تمهيد استشراقي للحكم لمذهب الأول اللغوي التفكيري ، بالنجاح والبقاء ، وعلى مذهب الآخر اللغوي التفكيري ، بالفشل والفناء .
• مذهب طه حسين ومذهب الرافعي طوران من اللغة والتفكير عربيان ، أولهما طور الثورة والعجلة والآخر طور الهدأة والأناة ، نظامهما جميعا معا النحو العربي .
• إنه إذا اقتضت مقالاتُ الحضارة العادية، العربيَّ إحدى خطتي خسف أحلاهما مرٌّ : أن يعتقدها وينتمي إليها، أو أن يموت بحضارته ويمّحيا من الحياة والكون – فحسبها أن نبهته لينظر في نفسه وأمته وحضارته ، حتى إنه إذا ذكر ذاكرٌ مصطلح "عَوْلمة" وسكت، تراءتْ بحُمّى الانتباه ، طوائفُ من المواد العلمية والإعلامية .
لقد تبينتْ لي فيما تطوع به بعض المستشرقين من بيان واقع اللغة العربية وتحديد مستقبلها ، ملامحُ من الأخطاء المتعمدة والدعاوى العريضة ، لا تقبلها أدبيّاتُ الاتصال التي من بَديهيّاتها التفريقُ بين اتصال أهل الأمة الواحدة الذي يحفظ لهم خُصوصيَّتهم ، واتصال أهل الأمم المتعددة الذي يتيح لهم تَنافُعَهم 105 .
يظل المرء في شأنه سادرا حتى يطّلع من غيره على ما ينبهه إلى ما هو عليه مما تخفيه عنه العادة . وربما استفز هو غيره إلى نقده ، أو بدأه غيره . وسواء لديه أصَدَقَه غيره أم كذَبه؛ فسينتبه إلى ما لم يكن لينتبه إليه وحده .
لقد ركن العربي إلى حضارته القوية ، وأخلد إلى غطّة لم ينتزعه منها غير صخب عدوان حضارة غيره ، ففزع إلى ماديات حضارته فوجدها عليلة كليلة ، وإلى معنوياتها فوجد عدوه قد بث ألسنته تنفره منها أو تصغرها عنده بعد أن كان يظنها لا يجترئ عليها أحد : أما عقيدته التي ساح في أرجاء الأرض يدعو إليها ، لا يبتغي إلا أن يهتدي به غيره فيفوز عند ربه فوزا عظيما – فصارت مُنهَزَمَه ، وانبغى له أن يستبدل بها ما لدى غيره من عقائد الانتصار . وأما لغته التي يراها فيرى عقيدته والعلوم والمعارف والخبرات والأقوال والأفعال والإقرارات التي تعلقت بها منذ اعتقدها وإلى وقته الذي هو فيه – فصارت شيخة فانية ، مُتْحَفا مُغْلقا ، وانبغى له أن يستبدل بها ما لدى غيره من لغات الفتوّة .
إنه إذا كان قديما يُجلّ لغته حتى ليرى من لم يتكلمها أعجم بمنزلة العجماوات ، ويستغرب بلاده صارخا " لعن الله بلادا ليس فيها عرب " ، رائيا نفسه فيها " غريب الوجه واليد واللسان " – فقد اطلع حديثا من غيره على أنه مثله ، يرى لغته كما يرى هو لغته ، حتى إنه ليعدّ غيرها نباح كلاب ، ويستحلّ الكذب بها 103 ! وما أطرف دلالة أنه " عندما يكون الرجل الإنجليزي غير مفهوم فإنه يقول لمحدثه : وهل أنا أتكلم العربية . وعندما يكون العربي غير مفهوم فإنه يقول لمحدثه : وهل أنا أتكلم الصينية . وعندما يكون الصيني غير مفهوم يتساءل إن كان يتحدث الإنجليزية " 104 – على تمسك كلٍّ بلغته !
من هذا الباب نفسه أي باب اللغة ( أصل الاتصال البشري الباقي المستمر في وسائله المختلفة ) ، وعلى منهج العولمة ( ظاهرة الاتصال الحضاري المستمرة في محاولاته المختلفة ) ، تطوع حديثا بعض المستشرقين الذين طوفوا في بلادنا العربية من شرقيها إلى غربيها ، وتأملوا من كثب ، وعرفوا دون غيرهم كثيرا ، ودرسوا تطور اللغة العربية ألفاظا وتعابير ، وتطور التفكير اللغوي عند العرب في العصر الحديث ، وجهاد رجال النهضة أدباء وعلماء لتحديث اللغة العربية وجعلها وافية بمقتضى الحياة - بملاحظة اقتراب اللغة العربية من عائلة لغات الثقافة الغربية ، ثم ببيان ما ينبغي للغة العربية - والمراد العرب - أن تصطنعه لتصبح عضوا عاملا مؤثرا في تلك العائلة .
لقد خلط فيما انتهى إليه أفكارا ضعيفة منكَرة وأخرى قوية معجِبة ؛ فحفَزَني إلى النظر فيها وفي لغتنا العربية التي نصَّ منها على نماذج معينة ؛ فانتهيت إلى ما يلي :
• فكرة " اللغةُ أداةٌ " على اختلاف ما هي أداته ، خطأٌ مهما راجت على ألسن الكبار والصغار .
• بين الفَكْر الذي هو إعمال الخاطر في الشيء ، والتفكير الذي هو مبالغة في الفَكْر استُغني بها عنه لكثرة هذا الحدث وتعلق حياة الإنسان به ، والفِكْر الذي هو ثمرة الفَكْر والتفكير - فروق واضحة .
• علاقة اللغة بالفِكْر هم الفلاسفة اللازم .
• علاقة اللغة بالتفكير من هموم النفسيين اللغويين ( اللغويين النفسيين ) .
• علاقة اللغة بالتفكير أساس عمل التقنيين علماء هندسة المعرفة والذكاء الاصطناعي .
• وعي علاقة اللغة بالتفكير ، أصيل في ثقافتنا العربية .
• دلالة بعض الأفكار الاستشراقية على أن العرب الآن يفكرون بغير اللغة ، أو لا يفكرون إذ لا لغة لهم - واهية نظرا وعملا .
• لا وجه لدلالة انقسام اللغة العربية إلى نمطين : مبتذل مستهلك ، وممتنع مصون ، على أن العرب الآن مضطربون لغة وتفكيراً .
• فيما قدم الدكتور علي عبد الواحد وافي من بحثٍ للتطور اللغوي العام ولتطور اللغة العربية قديمًا وحديثا ، بيان شاف كاف في رد وصْمها بالجمود ، وفقهٌ دقيق لمنزلتها حديثا منها قديمًا ، ومنزلتها قديمًا منها حديثا .
• كانت للإسلام والقرآن قديمًا ثم لعلوم الأوائل وسيطًا ثم للفكر الغربي حديثًا ، آثار لغوية تفكيرية بينة الدلالة على الحياة لا الجمود .
• للاستفادة من صحيح الفكر الحديث ، مراحل أربع : الاتباع الأعمى ، ثم الاتباع البصير ، ثم الامتلاك ، ثم الابتداع .
• اطّراح الفكر القديم كاطراح الفكر الحديث ، خسارة فادحة .
• علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة ، أهم من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها .
• علاقة كلم الجملة ( المعاني ) المجتمعة ، أهم من الكلم ( المعاني ) المنفردات أنفسها ، وبالقياس تكون علاقة جمل الفقرة المجتمعة أهم من الجمل المنفردات ، وعلاقة فقر النص المجتمعة أهم من الفقر المنفردات ، وعلاقة نصوص الكتاب المجتمعة أهم من النصوص المنفردات ؛ فإن المتأمل يطيل النظر حتى تنكشف له رسالة الكتاب المستولية على نصوصه ؛ فتنكشف بانكشافها قضايا النصوص ، ثم أفكار الفقر ، ثم فُكَيْراتُ الجمل ، فتكون لمعاني الكلم عندئذ قيمة .
• علاقة الكلم ( المعاني ) المجتمعة – وكذلك علاقة الجمل والفقر والنصوص - عمل النحو .
• للنحو الفلسفي وجهٌ ظاهر الجدوى على كون التعليق ( إعمالِ النحو ) عملا لغويا تفكيريا ، ووجهٌ غامض الدلالة على مظهر عجيب من مظاهر العولمة .
• في دعوى قدرة التعابير الدخيلة على تفسير الحضارات ، شبهةُ تَعَمُّد إثبات الضعف .
• النحو وحده هو نظام أطوار اللغة والتفكير العربيين .
• في تمسك دعاة التطوير بنظام أطوار اللغة والتفكير العربيين ، وعي واضح لوظيفته الخالدة السابقة .
• نسبة طه حسين إلى الحديث الغربي والرافعي إلى القديم العربي ، تمهيد استشراقي للحكم لمذهب الأول اللغوي التفكيري ، بالنجاح والبقاء ، وعلى مذهب الآخر اللغوي التفكيري ، بالفشل والفناء .
• مذهب طه حسين ومذهب الرافعي طوران من اللغة والتفكير عربيان ، أولهما طور الثورة والعجلة والآخر طور الهدأة والأناة ، نظامهما جميعا معا النحو العربي .
• إنه إذا اقتضت مقالاتُ الحضارة العادية، العربيَّ إحدى خطتي خسف أحلاهما مرٌّ : أن يعتقدها وينتمي إليها، أو أن يموت بحضارته ويمّحيا من الحياة والكون – فحسبها أن نبهته لينظر في نفسه وأمته وحضارته ، حتى إنه إذا ذكر ذاكرٌ مصطلح "عَوْلمة" وسكت، تراءتْ بحُمّى الانتباه ، طوائفُ من المواد العلمية والإعلامية .
لقد تبينتْ لي فيما تطوع به بعض المستشرقين من بيان واقع اللغة العربية وتحديد مستقبلها ، ملامحُ من الأخطاء المتعمدة والدعاوى العريضة ، لا تقبلها أدبيّاتُ الاتصال التي من بَديهيّاتها التفريقُ بين اتصال أهل الأمة الواحدة الذي يحفظ لهم خُصوصيَّتهم ، واتصال أهل الأمم المتعددة الذي يتيح لهم تَنافُعَهم 105 .
