هَلْهَـلَةُ الشِّـعْرِ الْعَرَبـيِّ الْقَـديمِ=1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    هَلْهَـلَةُ الشِّـعْرِ الْعَرَبـيِّ الْقَـديمِ=1

    هَلْهَـلَةُ الشِّـعْرِ الْعَرَبـيِّ الْقَـديمِ
    جَزالَةٌ أَوْ رَكاكَةٌ
    مُقَدِّمَةٌ
    هَلْهَلَةُ الشِّعْرِ
    [1] عَديُّ مُهَلْهِلٍ بنُ رَبيعةَ التَّغْلَبيُّ أخو وائل كُلَيْبٍ ، شاعرٌ جاهلي قديم ، عاش آخرَ القرن الميلادي الخامس وأولَ السادس 1 ، وذَكَرَه بأوَّليَّةِ الشُّعراءِ ، لبيدُ بن ربيعة ، وحارثةُ بن بدر الغداني – وهما مخضرمان – وسراقةُ البارقي ، والفرزدقُ - وهما إسلاميان – من الشعراء ، وذكره بأولية المُقَصِّدين ابنُ سلام الجمحي ، وابنُ قتيبة ، وثعلبٌ ، وأبو حاتم الرازي ، والأصفهانيُّ ، وأبو هلال العسكري ، وابنُ رشيق القيرواني ، والقلقشنديُّ ، وأبو علي القالي ، من العلماء ، وخالفهم امرؤ القيس بن حجر الكندي – وهو ابن أخت مهلهل – من الشعراء ، ومحمدُ بن إسحاق ، ومصعبٌ الزبيري ، وأبو حاتم السجستاني ، وأبو زيد القرشي ، والآمديُّ ، وأبو أحمد العسكري ، والمرزبانيُّ ، وأبو عبيد البكري ، والميدانيُّ ، وابنُ سعيد الأندلسي ، وأبو عبد الله الشبلي ، وأبو بكر الحنبلي ، والسيوطيُّ ، من العلماء 2 .
    بتلك الأولية تفاخرتِ العربُ ، فزَعَمَتْها لشعرائها القدماء ، قبائلُ منها مختلفة ؛ فلا عجب أن يختلف في مهلهل أخذًا عنهم العلماءُ والشعراء !
    [2] ولكن " هناك ما يشبه الإجماع على أن الشعراء الأوائل جيلان : الجيل الأول يتقدم الثاني ، ولكن ممثليه لا يعدون ، في عرف بعض العلماء ، شعراء ، لأنهم لم يقولوا الشعر بعد الشعر ، ومنهم : خُزيمة بن نهد ، ودُويد بن زيد ، وأعْصُرُ بن سعد بن قيس عيلان ... إلخ ، أما الجيل الثاني فهو الذي قَصَّدَ القصيد ، وأبرز ممثليه : مهلهل ، وزهير بن جناب ، وعبيد بن الأبرص ، وأبو قِلابة الهذلي ، وسعد بن مالك ، والفِند الزِّمّاني ... إلخ . وهؤلاء متقاربون في أزمانهم ، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة النبوية الشريفة بمئة وخمسين سنة ، أو مئتي سنة في أبعد تقدير " 3 .
    ولم يكن تَقْصيدُ القَصيدِ المجمع عليه فيما سبق ، لمهلهل وجيله ، إلا هذه الثلاثةَ جميعا معا : النظمَ مما يلائم غناءَ الرُّكْبانِ من العَروض ، والإطالةَ ، والإكثارَ - قياسًا إلى حالِ مَن قَبْلَهم 4 .
    [3] ولكن من العلماء من نسب عديًّا إلى هَلْهَلَة الشِّعر رادًّا إليها لَقَبَه :
    - قادِحًا :
    " فإنما سُمّي مُهَلْهِلاً لأنه كان يُهَلْهِلُ الشِّعْرَ أي يُرَقِّقُهُ ولا يُحْكِمُهُ " ، كما قال الأصمعي الجليل ، وذكره ابنُ دريد العالمُ الشاعرُ 5 ، و" لِهَلْهَلَةِ شِعْرِهِ كَهَلْهَلَةِ الثَّوْبِ ، وَهُوَ اضطِّرابُهُ وَاخْتِلافُهُ " ، كما قال ابن سلام الجليل 6 ، ثم نقل المرزباني كلامه 7 ، و" لِرَداءَةِ شِعْرِهِ " ، كما روى ابن منظور 8 .
    - أو مادِحًا :
    فإنما " سُمِّيَ مُهَلْهِلاً ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَقَّقَ الشِّعْرَ ، وَتَجَنَّبَ الْكَلامَ الْغَريبَ الوَحْشيَّ " ، كما قال ابنُ الأعرابي الجليل ، وذكره المرزباني 9 ، و" لِأَنَّهُ هَلْهَلَ الشِّعْرَ ، أَيْ أَرَقَّهُ . وَكانَ فيهِ خُنْثٌ " ، كما قال ابن قتيبة الجليل 10 ، ثم نقل القالي ثم البغدادي كلامه 11 ، و" لِطيبِ شِعْرِهِ ، وَرِقَّتِهِ ، وَكانَ أَحَدَ مَنْ غَنّى مِنَ الْعَرَبِ في شِعْرِهِ (...) وَكانَ فيهِ خُنْثٌ وَلينٌ ، وَكانَ كَثيرَ الْمُحادَثَةِ لِلنِّساءِ ، فَكانَ كُلَيْبٌ يُسَمّيهِ ( زيرَ النِّساءِ ) " ، كما قال الأصفهاني 12 !
    [4] ولقد انقسمت بينهم كلمات القدح والمدح على النحو العادل التالي في الجدول :
    هَلْهَلَةُ الْقَدْحِ هَلْهَلَةُ الْمَدْحِ
    التَّرْقيقُ وَاطِّراحُ الْإِحْكامِ التَّرْقيقُ وَاطِّراحُ الْغَريبِ الْوَحْشيِّ
    إيقاعُ الِاضْطِرابِ وَالِاخْتِلافِ اَلْإِرْقاقُ
    اَلْإِرْداءُ اَلْإِطابَةُ وَالْإِرْقاقُ
    ليس العطف الوارد في خلال ذلك للمغايرة ، بل للتفصيل ؛ فليس اطراح الإحكام عند القادح ، ولا اطراح الغريب الوحشي عند المادح ، إلا الترقيق ، ولولا ذلك ما استقام بالكلمة نفسها القدحُ والمدحُ جميعا معا .
    وليس معنى زيادة إفعال " الإرقاق " ، غير التعدية التي في زيادة تفعيل " الترقيق " ، قال ابن منظور : " أَرَقَّ الشَّيْءَ ورَقَقَّهُ : جعله رَقيقًا " 13 ، بل التعدية التي في باب " فَعَّلَ " ، محمولة على التي في باب " أَفْعَلَ " 14 - ومن ثم يوشك " إيقاع الاضطراب والاختلاف " في القدح ، ألا يجد في المدح ما يقابله ، إلا أن نستفيد من شَفْع الإرقاق بحديث الخُنْثِ الذي كان في عدي ، عند ابن قتيبة والأصفهاني كليهما . قال ابن منظور : " خَنِثَ الرجلُ خَنَثًا فهو خَنِثٌ ، وتَخَنَّثَ وانْخَنَثَ : تَثَنّى وتَكَسَّرَ (...) وخَنَّثْتُ الشيءَ فتَخَنَّثَ أَي عَطَّفْتُه فتَعَطَّفَ ، والمُخَنَّثُ من ذلك للِينهِ وتَكَسُّره ، وهو الانْخِناثُ ؛ والاسم الخُنْثُ (...) وتَخَنَّثَ في كلامه " 15 .
    ربما كان الإرقاق المقابل لإيقاع الاضطراب والاختلاف ، نمطا من ذلك التخنيث ، خرج به كلام عدي متثنيا متكسرا لينا على مثل كلام النساء من طول معاشرتهن ؛ فتعلق به بعض من يتعلق بهن ، كما تعلق ببعض شعر النابغة وابن قيس الرقيات !
    وبفضل تأملٍ تبدو كلماتُ العلماء المتقابلةُ ، متناميةً معا يؤدي بعضها إلى بعض ؛ فاطراح الإحكام يوقع في الشعر الاضطراب والاختلاف ؛ فيرْدُؤُ - واطراح الغريب الوحشي يرق الشعر ويخنثه - إمّا قَبِلْنا - فَيَطيب .
    [5] أتُرى بقيَتْ في أولئك العلماء أَثارةٌ من ذلك التفاخر القديم ؛ فقدح فيه بالهلهلة خُصومُه ؛ فمدحه بها هي نفسِها أصحابُه ، على طريقة من المناظرة عربية قديمة معروفة ، يفخر فيها الفاخر بخَصْلة ، فيُثبتها خَصمُه ثم يُوهِّمُ فَهمَه لها ، على مثل ما روى المرزباني من تقديم صاحبِ جَريرٍ له على الفرزدق ، بنجاته مما سقطَ فيه الفرزدق من التَّعْقيد ، وتَوْهيم صاحب الفرزدق له بقوله : " أنت ، يا أخي ، لا تعقل ؛ سَقَطُ الفرزدق شيءٌ يمتحن الرجالُ فيه عقولها حتى يستخرجوه ، وسَقَطََََََََََََََََََََََََََََََََََُ جريرٍ عِيٌّ " 16- فأخَّرَ مهلهلاً خصمُه ، بهلهلته للشعر ، فأثْبَتَها صاحبُه ، ثم وَهَّمَ فهمَه لها ؟
    ولقد يساعد كلا منهما أصلُ الهلهلة في اللغة ؛ فهذا ابن منظور يقول : " هَلْهَلَ النَّساجُ الثَّوبَ ، إذا أرقَّ نَسْجَه وخَفَّفَه . والهَلْهَلَةُ سُخْفُ النَّسْجِ (...) وثوبٌ هَلهَلٌ رَديءُ النَّسْجِ ، وفيه من اللُّغات جَميعُ ما تقدَّم في الرَّقيق ؛ قال النابغة :
    أتاكَ بقولٍ هَلْهَلِ النَّسْجِ كاذبٍ ولمْ يأتِ بالحقِّ الذي هُوَ ناصِعُ
    (...) والمهلهلة منَ الدُّروع أردؤها نسجًا (...) - قال بعضهم - : هي الحَسَنةُ النَسْجِ ليستْ بصَفيقةٍ " 17 ؛ فهلهلة أيِّ نسجٍ إِرْقاقُ تَخْفيفٍ - وقد عهدناه في الأثواب الفاخرة - أو إِرْقاقُ تَسْخيفٍ ، وقد عهدناه في الأثواب البالية .
    فتكون هلهلةُ مهلهل للشعر عند خصمه ، إرقاق تسخيف ، وعند صاحبه إرقاق تخفيف ، دلالةً بدلالة ، والبادئُ أظلم ، مُحاجَّةً لا طائلَ وراءها ، ولا سيَّما أَلاّ بيانَ لأيٍّ من الدلالتين .
    أمْ تُرى فَرَّقَ بين القادح والمادح ، شعرُه ، وأكثره منحول إليه محمول عليه ، كما قال الأصمعي 18 ؛ فقدح فيه من لم يُمَيِّزْ شعره من شعر غيره ، ومدحه من ميزه ؟
    ولكن أبا حاتم سأل الأصمعيَّ عن مهلهلٍ مرةً ، فأجابه : " ليس بفَحْلٍ ، ولو قال مثل قوله :
    أَلََيْلتَنا بذي حُسُمٍ أنيري ،
    خمسَ قصائد ، لكان أفحلهم " 19 ؛ فدل على أنه ممن ميز شعره من شعر غيره ، وقد مَرَّ أنه من القادحين !
    أم تُرى هذه آثار أوَّليَّةِ التَّقْصيدِ المُسَلَّمَةِ لمهلهل كما سبق : وُجوهٌ طبيعيةٌ من الضَّعْفِ ومن القُوَّة جميعًا معًا ، غَلَبَ عليها لدى القادح الضعفُ ، ولدى المادح القوةُ ؟
    ولكن أين بيان ذلك ؟
    كل أولئك وجوه من الظن لن تستولي على اليقين حتى يدركها البحث بسَبْرِ أَمْرِ الْهَلْهَلَةِ ، ثم فَرْقِ ما بين شعر مُهَلْهِلٍ وشعر غيره المحمول عليه المنحول إليه ، ثم فَرْقِ ما بين شعره وشعر من قبله وشعر من بعده .
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...