اَلجَزالَةُ وَالرَّكاكَةُ عِنْدَ الْمُحْدَثينَ الْمُسْتَوْعِبينَ
من المحدثين قِلَّةٌ استوعبت من أمر الجزالة عند القدماء ومَنْزِلَتِها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه عبد القاهر الجرجاني فيما سبق ، كالحسن بن رشيق القيرواني ، وحازم القرطاجني ، و الدكتور عبد العزيز الأهواني ، والدكتور محمد الهادي الطرابلسي .
[16] أما ابن رشيق فقد دل على ذلك قولُه : " العرب لا تنظر في أَعْطاف شعرها بأن تُجَنِّسَ أو تُطابِقَ أو تُقابِلَ ، فَتَتْرُكَ لفظة للفظة ، أو معنًى لمعنى ، كما يفعل المحدثون ، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته ، وبسْط المعنى وإبرازه ، وإتقان بنية الشعر ، وإحكام عقد القوافي ، وتلاحم الكلام بعضه ببعض ، حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة ، حُسْنَ نَسْقِهِ الكلامَ بعضَه على بعض في قوله :
فلا وأبيك ما ظلمـتْ قريعٌ بأن يَبنوا المكارمَ حيث شاؤوا
ولا وأبيك ما ظلمتْ قريعٌ ولا بَرِموا لذاك ولا أساؤوا (...)
وكذلك قول أبي ذؤيب يصف حمر الوحش والصائد :
فوردْنَ والعَيّوقُ مَقْعَدَ رابئِ الضُّرباءِ خَلْفَ النَّجْمِ لا يَتَتَلَّعُ
فَكَرَعْنَ في حجرات عذبٍ بارد حصبِ البِطاحِ تَغيبُ فيه الأَكْرُعُ (...)
فأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له ، ولم ينحل عقده ، ولا اختل بناؤه ، ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه لما تمكن له هذا التمكن " 59 .
إنه عالم ناقد وفنان شاعر ، لم يغب عنه تمسك معاصريه بالبديع دون القدماء ، حتى ليتركون له قَصْدًا أعمالا من الجزالة ، وتمسك القدماء بالجزالة دون معاصريه ، حتى ليتركون له عفوًا أعمالا من البديع . ثم هو يخوض في القدماء لما كان في حديثهم ؛ فيذكر حسن عطف الحطيئة بالواو جُمَلَ البيت الثاني " ما ظلمت قريع " ، و" لا برموا لذاك " ، و" لا أساؤوا " ، على جملة البيت الأول " ما ظلمت قريع (...) شاؤوا " ، وحسن عطف أبي ذؤيب بالفاء جملة البيت الثاني ، على جملة البيت الأول ، وكلتاهما مبسوطتان على أرجاء بيتيهما ، بأجزاء مختلفة مؤتلفة معا ، دون أن يعبأ الأول بحذو أولى المعطوفات على المعطوفة عليها ، أو يتحرى الآخر قياس المعطوفة على المعطوفة عليها .
ولكنه يجد في معاصريه من يذهب إلى الجزالة مذهب القدماء ؛ فيتأمل شعرهم ؛ فيجده على ثلاثة أصناف :
صنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَصونة ، في موقعها ، ومنه شعر بشار ، كـقوله :
" إذا ما غضبنا غضْبة مُضَريَّةً هَتَكْنا حِجابَ الشَّمْسِ أو قَطَرَتْ دَما
إذا ما أعرْنا سيِّدًا منْ قبيلة ذَرى منبرٍ صلّى عليْنا وسلّما " 60
وصنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَصونة ، في غير موقعها ، ومنه شعر ابن هانئ ، كـقوله :
" أصاختْ فقالتْ وَقْعُ أَجْرَدَ شَيْظَمِ وشامتْ فقالتْ لَمْعُ أبيضَ مِخْذَمِ
وما ذُعِرَتْ إلا لِجَرْسِ حُلِيِّها ولا رَمَقَتْ إلا بُرًى في مُخَـــدَّمِ " 61
وصنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَبْذولة ، في موقعها ، ومنه شعر أبي العتاهية ، كقوله :
" يا ِإخْوَتي إِنَّ الْهَـوى قاتِلي فَيَسِّروا الْأَكْفانَ مِنْ عاجِلِ
وِلا تَلوموا في اتِّباعِ الْهَوى فَإِنَّني في شُغُلٍ شاغِلِ
عَيْني عَلى عُتْبَةَ مُنهَلَّةٌ بِدَمْعِها الْمُنْسَــكِبِ السَّائِلِ
يا مَنْ رَأى قَبْلي قَتيلاً بَكى مِنْ شِـدَّةِ الْوَجْدِ عَلى الْقاتِلِ
بَسَطتُّ كَفّي نَحْوَكُمْ سائِلًا ماذا تَرُدّونَ عَلى السّائِلِ
إِنْ لَمْ تُنيلوهُ فَقولوا لَهُ قَوْلًا جَميــلًا بَدَلَ النّائِلِ
أَوْ كُنْتُــمُ الْعامَ عَلى عُسْرةٍ مِنْهُ فَمَنّوهُ إِلى قابِلِ " 62
لم يَعِبِ ابن رشيق إلا الثاني ، قائلا : " فِرْقةٌ أصحابُ قَعْقَعَةٍ بلا طائلِ معنًى إلا القليلَ النادرَ (...) وليس تحتَ هذا كلِّه إلا الفَسادُ " 63 - وكأني بالمعري يقول في ابن هانئ نفسه : " رَحًى تَطْحَنُ قُرونًا " ! - ولكنه لم ينفه من مذهب الجزالة .
لقد أفسد ابن هانئ على شعره جزالته ، وأَحْنَقَ ابنَ رشيق ، بما تَعمَّد فيه من الإِغْراب ، ونَكَبَهُ أَنْ كان في الغزل الذي تُتَخَيَّرُ فيه أَوانِسُ الألفاظ لأَوانسِ النّاسِ !
قال ابن رشيق فيما قبل ذلك من كتابه : " ليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقا سفسافا ، ولا باردا غثا ، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشيا خشنا ، ولا أعرابيا جافيا ، ولكن حال بين حالين . ولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته ، مع البعد من السخف والركاكة " 64 ؛ فدل على التقاء الرقة والجزالة معا في منزلة وَسَطٍ ، وهو ما سبق أن رأيناه في ترقيق التخفيف ، وعلى التقاء الرقة والركاكة معا في منزلة طَرَفٍ ، وهو ما سبق أن رأيناه في ترقيق التسخيف .
[17] وأما حازم القرطاجني ، فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، قولُه في عقب دلالته معاصرَه الشاعرَ الذي لم يعش زمان عِزَّةِ العربية ، على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها وإجادة وضعها ورصفها : " بقوة التَّهَدّي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة (...) والجزالة تكون بشدة التطالب بين كل كلمة وما يجاورها وبتقارب أنماط الكلم في الاستعمال (...) فهذه إشارة إلى ما يجب أن يتفقده الناظم ويلتفت إليه ، على قدر قوته ، من الجهات التي تحسن منها العبارات أو تقبح ، قد أجملت الكلام فيها ، وجعلتها كالإحالة على ما قدَّمته " 65 .
وعلى " ما قدمته " علق المحقق قوله : " يظهر أن تفصيل ذلك كان في القسم الأول المفقود من هذا الكتاب " .
أما اتخاذ " شدة التطالب " سبيلا إلى الجزالة ، فسديد جدا ؛ فما هي إلا أن يحرص الشاعر في خلال إبداله وترتيبه وحذفه وإضافته ، على اختيار المتناسب المتماسك ، الذي يخرج – وهذا معنى عربي قديم سبق في الفقرة الثانية عشرة ذِكْرُه – كجسمه " في صفة النبي - صلى الله عليه ، وسلم ! - : بادن متماسك ؛ أراد أنه مع بدانته متماسك اللحم ليس بمسترخيه ولامنفضخه ، أي أنه معتدل الخلق كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضا " 66 .
وأما " تقارب أنماط الكلم في الاستعمال " ، فقد سبق له أن زاده بيانا في خلال حديثه عن تلاؤم الكلام الذي يقع على أنحاء ، قائلا : " منها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال ؛ فتكون الواحدة في نهاية الابتذال ، والأخرى في نهاية الحوشية " 67 ؛ فلم يَعْدُ ما أَحْنَقَ ابن رشيق على ابن هانئ ، إلا أنَّ ما يقع في غير موقعه ، هو بعضُ الكلام دون بعضٍ عنده ، وهو الكلامُ كلُّه عند ابن رشيق ، وكلاهما يفسد على الشعر جزالته ، ولا ينفيها ، وإن كان ما نبه عليه حازم أشد إفسادا ؛ فإن الناس يتفاوتون في رؤية الكلام واقعا كلُّه في غير موقعه ، على حسب أعرافهم ؛ " فإن الوَحْشيَّ من الكلام يفهمه الوحشيُّ من الناس ، كما يفهم السوقيُّ رَطانةَ السوقيِّ " 68 ، فأما أن يخرج مُلَمَّعًا بعضُه من وادٍ وبعضُه من آخر ، فمِمّا يُتَفَكَّهُ به 69 !
وفيما ذكره الجرجاني في كتابه " أسرار البلاغة " ، من " رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شِرْكٍ من المعنى فيه ، وكونه من أسبابه ودواعيه " 70 ، إشارة إلى " تقارب أنماط الكلم في الاستعمال " ، تؤيد رأيي السابق ؛ إذ لم تجز فيه عنده لا جزالة ولا ركاكة !
[18] وأما الأهواني فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، استيعابـُه لأمر الركاكة ومنزلتها من شعر ابن سناء الملك .
لقد فلسف الظاهرة بقوله : " إن الركاكة في الأساليب أثر من آثار الازدواج اللغوي بغير شك . وينبغي أن نفرق بين الركاكة وبين العامية ، وأن نفرق بينها أيضا وبين السهولة ؛ إذ إن الركاكة تنشأ عن عدم تمكن الأديب من اللغة التي يكتب بها ، لافتقاره إلى معرفة أصولها ، وإدراك أسرارها ، ولقلة بصره بالفروق الدقيقة بين دلائل المفردات ومعاني التراكيب ومناسبات الجمل وروابطها . إن ما نسميه بالركاكة ليس بشرط أن يكون خطأ في نحو اللغة واستعمال مفرداتها فيما وضعت له ، وإنما هو في العجز عن التصرف باللغة بحيث تؤدي الأفكار وتعبر عن الإحساس تعبيرا مرهفا ، وبحيث يكون تأليفها محكما متينا ، ونظمها متساوقا ومنسجما . إن المثل الواقعي للركاكة هو ما يحسه ابن اللغة فيمن يكتب أو يتكلم بلغته من أبناء اللغات الأجنبية ، حين يكون هذا الأجنبي قد درس اللغة بعيدا عن وطنها الأصلي . والركاكة بهذا المعنى لا يحسها إلا من كان حظه من إتقان اللغة عظيما ، بأن يكون قد ولد في بيئة تتكلمها أو يكون قد طالت قراءته لنصوصها الممتازة . فإن استطاع الجمع بين الأمرين ، وكان ذا موهبة لغوية وذوق وحس في التفريق بين جرس الكلمات وتنغيم الجمل وموسيقية العبارات كان الحكم الأول في القضية (...) فالعامية لغة مستقلة لها أساليبها وألفاظها ولها بلاغتها كما أدرك ذلك ابن خلدون قديما . فإن تسربت العامية إلى اللغة المعربة تسربا غير طبيعي ، منشؤه ضعف شاعر العربية ، حدثت الركاكة (...) على أن الركاكة في الشعر لا تجيء دائما من الضعف اللغوي ومن جهل أساليب العربية وضعف التمييز بين الجيد والرديء منها . وإنما تجيء أحيانا من ضعف الحس الموسيقي عند الشاعر ؛ فالجزالة ذوق ومعرفة باللغة معا . والتقصي يثبت أن حظ المتأخرين منها كان أقل من حظ المتقدمين من الشعراء ، ولعل ابن سناء الملك يعتبر خيرا من كثير من معاصريه والتابعين له فيما يتصل بالجزالة " 71 .
ما وجوه التصرف باللغة بحيث يخرج التعبير مرهفا ومتينا ومنسجما ، إلا أقسام أعمال الناظم التي استنبطناها من نص الجرجاني ، وأجرينا عليها أعمال الْمُجْزِلِ والْمُرِكِّ ، وما العجز عن تلك الوجوه إلا الركاكة ، ولا القدرة عليها إلا الجزالة .
وليس الحِسُّ الموسيقي الذي جَعَلَ العجز عنه ركاكة والقدرة عليه جزالة ، وجها من تلك الوجوه ، بل اختبارٌ من اختباراتها ؛ فاللغةُ أصواتٌ تؤلف منفردةً ومجتمعةً كَلِماتٍ وجُمَلاً وفِقَرًا ونُصوصًا ؛ فإذا مَرَّ المتكلم في التعبير إبدالا وترتيبا وحذفا وإضافة ، ساعده إلفه على إصابة ما يأخذ وما يترك فيُجْزِلُ إذا كان أَلِفَ الجَزْلَ ، أو ساعد ناقده على تخطيئه فيما أخذ وما ترك فأَرَكَّ إذا كان أَلِفَ الرَّكيك . ولا يُعترض على ذلك بأنه كاتب ؛ فإنما اللغة المنطوقة ، ثم إن الكاتب يقرأ على أذنه ما كتب على ورقته ، ليستفيد مساعدة ذلك الحس الموسيقي ، وهي وصية أبي تمام لتلميذه البحتري من قديم 72 .
ولقد ألقى الأهواني كلمته في اختلاف الركاكة والسهولة ( الوضوح ) ، ومضى دون أن يزيدها بيانا . وإنها لكلمة سديدة جدًّا ؛ إذ تتعلق السهولة بقوة النظم ( جزالته ) التي تُعَلِّقُ مُسْتَوْعِبَهُ بدقائق كل عمل من أعماله ، لا بضعفه ( ركاكته ) التي تعوق استيعابه . وسيأتي لهذه المسألة في الفقرة الحادية والعشرين ، مزيد بيان .
أما تسرب كلام اللهجة إلى كلام اللغة ، فمما يفسد على الشعر جزالته - وإن لم يَنفها - ويَدَعُهُ سُخْرَةَ المُتَمَثِّلينَ ؛ إذ هو من عدم " تقارب الكلم في الاستعمال " الذي عابه القرطاجني ، ومن عدم وقوع الكلم في مواقعها ، الذي أحنق ابن رشيق على ابن هانئ . ولقد كان من آثار اشتغال ابن سناء الملك بشعر اللهجة ، أن " غلب على نظمه في القريض ( شعر اللغة ) استعمالُ اللفظ العامي ، وفساد المعنى ، واختلاف تركيبه ، حتى أخرجوا له من ذلك ومما لا يجوز استعماله في العربية ، قدرا كثيرا " 73 .
ولقد رأى الأهواني في غلبة المنطق النحوي على نظم الكلام لافتقاد سليقة اللغة وإلف قراءة الكتابات النثرية في العلوم الإسلامية واللغوية المدرسية وما أشبهها ثم الاشتغال بها - سر ركاكة شعر المتأخرين 74 ، الذين رأى فيما سبق ، أن التقصي يثبت أن حظهم من الجزالة كان أقل من حظ المتقدمين . وعلى رغم أن ابن سناء الملك خيرٌ حظًّا عنده من كثير من معاصريه وتابعيه ، لم يستطع أن يكتم من الركاكة ، ما تجلى له في قوله :
" صَحَّ مِنْ دهرنا وفاةُ الحَياءِ فليطُلْ منكما بُكاءُ الْوَفاء
ولْيَبِنْ ما عقدتماه من الصبر بأن تَحْلُلا وِكاء البُكاء
وأهينا الدموع سَكْبًا وهَطْلاً وهَبا أنهنَّ مثل الهَباء
وامنحا النوم كل صَبٍّ ينادي مَنْ يُعير الكَرى ولو بالكِراء
ليست العينُ منكما لي بعينٍ أو تعاني حملاً لبعض عَنائي " 75
فقد أفسد نظمها بما التزم في جملها وفي روابط جملها : من تكرار التركيب الإضافي نفسه ثلاث مرات متقاربات " وفاة الحياء ، بكاء الوفاء ، وكاء البكاء " - ومن تكرار تركيب الجار والمجرور نفسه مرتين متشابهتين " منكما ، منكما " - ومن قبح قوله " وليبن ما ... بأن تحللا " ، و" وهبا أنهن مثل الهباء " ، دون أن يبين وجه القبح . والحقيقة أن ما قدمه في غلبة المنطق النحوي ، بيان جلي لسر قبح الأبيات كلها ؛ فما هي إلا تراكيب قضائية صاغها قاض لم ير المقضي عليه لكيلا تشوب قضاءه شبهة عطف عليه ! ولقد أحنقه تمسك ابن سناء بالبديع الذي لم يمر بنا هنا من قبل ؛ فزمانه زمانه .
[19] أما الطرابلسي فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، استيعابُه لمنزلتها من شعر أحمد شوقي ، ولمدخل الركاكة إليه .
لقد اعتذر عن إخلاله بمقتضى طبيعة بحثه الوصفي التفسيري التي لاتناسبها الأحكام المعيارية ، بعجزه عن كتمان ما وجد في تعابير شوقي ، من جزالة ومن ركاكة .
لقد دعا الجَزْلَةَ " قَويمَةً " ، ولم يُطل حديثها ؛ فشوقي مشهور بها " لا يعدم الناظر في قصيدة من قصائده أثر الثقافة المتينة والفن الخلاق " 76 ، وإن فسرها باعتماده التصوير ، كما في قوله :
تَسْمَعُ الأَرْضُ قَيْصَرًا حينَ تَدْعو وَعَقيمٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ الدُّعاءُ
الذي صور فيه شوقي الدعاء الذي ليس وراءه خير بالدعاء العقيم ؛ فنبه الطرابلسيُّ على أن مثل هذا التصوير هو الذي حمى جزالة تعابيره الغالبة 77 ، وهو فهم طريف ؛ إذ لولا الوصف بالعقم وتقديمه وتأخير الدعاء إلى القافية وتعليقه به ، لاضطرب تركيبُ عَجُزِ هذا البيت . وما تلك إلا الإبدال والترتيب من أعمال الناظم المُجْزِلِ .
ودعا الركيكة " سَقيمَةً " وأطال الحديث فيها لأنها " عوارض نادرة كالشذوذ الذي يؤكد القاعدة ، يدرس لتتوثق المعرفة بالقاعدة لا به " 78 ، وفسرها بإيفائه حق بعض قيود الكلام ، كما في قوله :
قَذائِفُ تَخْشى مُهْجَةُ الشَّمْسِ كُلَّما عَلَتْ مُصْعِداتٍ أَنَّها لا تُصَوَّبُ
الذي أراد فيه وصف القذائف بقوة الانفجار وارتفاع المدى ، حتى إن الشمس لتخشى أن تصيبها إذا أخطأت مرماها ؛ فضاقت فسحة البيت عما أراد .
وكما في قوله :
وَدانى الْهَوى ما شاءَ بَيْني وَبَيْنَها فَلَمْ يَبْقَ إِلّا الْأَرْضُ وَالْأَرْضُ تَقْرُبُ
الذي أراد فيه فكرة تقارب الحبيبين روحا ومكانا ، بانطواء الأرض الفاصلة بينهما ؛ فلم تمكنه القافية . وما تلك إلا الإبدال والحذف من أعمال الناظم المُرِكِّ .
ثم قال : " إن تعابير شوقي لم تخل من سوء ، ولكننا نقر - مع ذلك - أن ظاهرة سوء التعبير ليست شائعة في ( الشوقيات ) بالقدر الذي يضعف قيمة أشعارها ؛ فقد بقيت تعابير الشاعر محتفظة بجزالتها في الجملة ، وبقيت تمثل في نظرنا عاملا قويا من العوامل الضامنة لوصول رسالة الشاعر إلى القارئ ، ومن وسائل التعجيل بإيصالها ، وإن لم تسلم أحيانا في قنوات الإبلاغ ، من العوارض التي تغير وجهة الرسالة " 79 .
لكأن الطرابلسي بدراسته للشوقيات بعدما تقدم من دراسة الأهواني للسنائيات ، يُتْبِعُ السَّيِّئَ الْحَسَنَ ، ويدل على من أخذ الشعر بحقه ؛ فرده سيرته الأولى ، بعدما حيدَ به عن جادَّتها .
ولقد نبه أخيرًا هنا ، على تعلق السهولة ( الوضوح ) بالجزالة ، على ما سبق أن اسْتَنبطنا من كلامِ الأهواني الذي سيأتي له في الفقرة الحادية والعشرين ، مزيد بيان ، لم يمنعه من ذلك أن تَجْزيلَ الكلام ( نسبته إلى الجَزالة ، وهو غير الإِجْزال الذي هو اتِّباع الجزالة ) ، وتَرْكيكَهُ ( نسبته إلى الرَّكاكَةِ ، وهو غير الإِرْكاكِ الذي هو اتِّباع الرَّكاكَةِ) ، حُكْمانِ مِعْياريّانِ - سبق أنهما عند الجرجاني ، من صواب النظم ومن خطئه - وعيًا منه لقيمة هذا النمط من الأحكام ولزومه لكل ناظر في الكلام .
من المحدثين قِلَّةٌ استوعبت من أمر الجزالة عند القدماء ومَنْزِلَتِها من الشعر العربي القديم ، ما استوعبه عبد القاهر الجرجاني فيما سبق ، كالحسن بن رشيق القيرواني ، وحازم القرطاجني ، و الدكتور عبد العزيز الأهواني ، والدكتور محمد الهادي الطرابلسي .
[16] أما ابن رشيق فقد دل على ذلك قولُه : " العرب لا تنظر في أَعْطاف شعرها بأن تُجَنِّسَ أو تُطابِقَ أو تُقابِلَ ، فَتَتْرُكَ لفظة للفظة ، أو معنًى لمعنى ، كما يفعل المحدثون ، ولكن نظرها في فصاحة الكلام وجزالته ، وبسْط المعنى وإبرازه ، وإتقان بنية الشعر ، وإحكام عقد القوافي ، وتلاحم الكلام بعضه ببعض ، حتى عدوا من فضل صنعة الحطيئة ، حُسْنَ نَسْقِهِ الكلامَ بعضَه على بعض في قوله :
فلا وأبيك ما ظلمـتْ قريعٌ بأن يَبنوا المكارمَ حيث شاؤوا
ولا وأبيك ما ظلمتْ قريعٌ ولا بَرِموا لذاك ولا أساؤوا (...)
وكذلك قول أبي ذؤيب يصف حمر الوحش والصائد :
فوردْنَ والعَيّوقُ مَقْعَدَ رابئِ الضُّرباءِ خَلْفَ النَّجْمِ لا يَتَتَلَّعُ
فَكَرَعْنَ في حجرات عذبٍ بارد حصبِ البِطاحِ تَغيبُ فيه الأَكْرُعُ (...)
فأنت ترى هذا النسق بالفاء كيف اطرد له ، ولم ينحل عقده ، ولا اختل بناؤه ، ولولا ثقافة الشاعر ومراعاته إياه لما تمكن له هذا التمكن " 59 .
إنه عالم ناقد وفنان شاعر ، لم يغب عنه تمسك معاصريه بالبديع دون القدماء ، حتى ليتركون له قَصْدًا أعمالا من الجزالة ، وتمسك القدماء بالجزالة دون معاصريه ، حتى ليتركون له عفوًا أعمالا من البديع . ثم هو يخوض في القدماء لما كان في حديثهم ؛ فيذكر حسن عطف الحطيئة بالواو جُمَلَ البيت الثاني " ما ظلمت قريع " ، و" لا برموا لذاك " ، و" لا أساؤوا " ، على جملة البيت الأول " ما ظلمت قريع (...) شاؤوا " ، وحسن عطف أبي ذؤيب بالفاء جملة البيت الثاني ، على جملة البيت الأول ، وكلتاهما مبسوطتان على أرجاء بيتيهما ، بأجزاء مختلفة مؤتلفة معا ، دون أن يعبأ الأول بحذو أولى المعطوفات على المعطوفة عليها ، أو يتحرى الآخر قياس المعطوفة على المعطوفة عليها .
ولكنه يجد في معاصريه من يذهب إلى الجزالة مذهب القدماء ؛ فيتأمل شعرهم ؛ فيجده على ثلاثة أصناف :
صنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَصونة ، في موقعها ، ومنه شعر بشار ، كـقوله :
" إذا ما غضبنا غضْبة مُضَريَّةً هَتَكْنا حِجابَ الشَّمْسِ أو قَطَرَتْ دَما
إذا ما أعرْنا سيِّدًا منْ قبيلة ذَرى منبرٍ صلّى عليْنا وسلّما " 60
وصنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَصونة ، في غير موقعها ، ومنه شعر ابن هانئ ، كـقوله :
" أصاختْ فقالتْ وَقْعُ أَجْرَدَ شَيْظَمِ وشامتْ فقالتْ لَمْعُ أبيضَ مِخْذَمِ
وما ذُعِرَتْ إلا لِجَرْسِ حُلِيِّها ولا رَمَقَتْ إلا بُرًى في مُخَـــدَّمِ " 61
وصنف يتخذ للجزالة الألفاظ المَبْذولة ، في موقعها ، ومنه شعر أبي العتاهية ، كقوله :
" يا ِإخْوَتي إِنَّ الْهَـوى قاتِلي فَيَسِّروا الْأَكْفانَ مِنْ عاجِلِ
وِلا تَلوموا في اتِّباعِ الْهَوى فَإِنَّني في شُغُلٍ شاغِلِ
عَيْني عَلى عُتْبَةَ مُنهَلَّةٌ بِدَمْعِها الْمُنْسَــكِبِ السَّائِلِ
يا مَنْ رَأى قَبْلي قَتيلاً بَكى مِنْ شِـدَّةِ الْوَجْدِ عَلى الْقاتِلِ
بَسَطتُّ كَفّي نَحْوَكُمْ سائِلًا ماذا تَرُدّونَ عَلى السّائِلِ
إِنْ لَمْ تُنيلوهُ فَقولوا لَهُ قَوْلًا جَميــلًا بَدَلَ النّائِلِ
أَوْ كُنْتُــمُ الْعامَ عَلى عُسْرةٍ مِنْهُ فَمَنّوهُ إِلى قابِلِ " 62
لم يَعِبِ ابن رشيق إلا الثاني ، قائلا : " فِرْقةٌ أصحابُ قَعْقَعَةٍ بلا طائلِ معنًى إلا القليلَ النادرَ (...) وليس تحتَ هذا كلِّه إلا الفَسادُ " 63 - وكأني بالمعري يقول في ابن هانئ نفسه : " رَحًى تَطْحَنُ قُرونًا " ! - ولكنه لم ينفه من مذهب الجزالة .
لقد أفسد ابن هانئ على شعره جزالته ، وأَحْنَقَ ابنَ رشيق ، بما تَعمَّد فيه من الإِغْراب ، ونَكَبَهُ أَنْ كان في الغزل الذي تُتَخَيَّرُ فيه أَوانِسُ الألفاظ لأَوانسِ النّاسِ !
قال ابن رشيق فيما قبل ذلك من كتابه : " ليس التوليد والرقة أن يكون الكلام رقيقا سفسافا ، ولا باردا غثا ، كما ليست الجزالة والفصاحة أن يكون حوشيا خشنا ، ولا أعرابيا جافيا ، ولكن حال بين حالين . ولم يتقدم امرؤ القيس والنابغة والأعشى إلا بحلاوة الكلام وطلاوته ، مع البعد من السخف والركاكة " 64 ؛ فدل على التقاء الرقة والجزالة معا في منزلة وَسَطٍ ، وهو ما سبق أن رأيناه في ترقيق التخفيف ، وعلى التقاء الرقة والركاكة معا في منزلة طَرَفٍ ، وهو ما سبق أن رأيناه في ترقيق التسخيف .
[17] وأما حازم القرطاجني ، فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، قولُه في عقب دلالته معاصرَه الشاعرَ الذي لم يعش زمان عِزَّةِ العربية ، على طرق العلم بتحسين هيآت العبارات والتأنق في اختيار موادها وإجادة وضعها ورصفها : " بقوة التَّهَدّي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة (...) والجزالة تكون بشدة التطالب بين كل كلمة وما يجاورها وبتقارب أنماط الكلم في الاستعمال (...) فهذه إشارة إلى ما يجب أن يتفقده الناظم ويلتفت إليه ، على قدر قوته ، من الجهات التي تحسن منها العبارات أو تقبح ، قد أجملت الكلام فيها ، وجعلتها كالإحالة على ما قدَّمته " 65 .
وعلى " ما قدمته " علق المحقق قوله : " يظهر أن تفصيل ذلك كان في القسم الأول المفقود من هذا الكتاب " .
أما اتخاذ " شدة التطالب " سبيلا إلى الجزالة ، فسديد جدا ؛ فما هي إلا أن يحرص الشاعر في خلال إبداله وترتيبه وحذفه وإضافته ، على اختيار المتناسب المتماسك ، الذي يخرج – وهذا معنى عربي قديم سبق في الفقرة الثانية عشرة ذِكْرُه – كجسمه " في صفة النبي - صلى الله عليه ، وسلم ! - : بادن متماسك ؛ أراد أنه مع بدانته متماسك اللحم ليس بمسترخيه ولامنفضخه ، أي أنه معتدل الخلق كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضا " 66 .
وأما " تقارب أنماط الكلم في الاستعمال " ، فقد سبق له أن زاده بيانا في خلال حديثه عن تلاؤم الكلام الذي يقع على أنحاء ، قائلا : " منها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال ؛ فتكون الواحدة في نهاية الابتذال ، والأخرى في نهاية الحوشية " 67 ؛ فلم يَعْدُ ما أَحْنَقَ ابن رشيق على ابن هانئ ، إلا أنَّ ما يقع في غير موقعه ، هو بعضُ الكلام دون بعضٍ عنده ، وهو الكلامُ كلُّه عند ابن رشيق ، وكلاهما يفسد على الشعر جزالته ، ولا ينفيها ، وإن كان ما نبه عليه حازم أشد إفسادا ؛ فإن الناس يتفاوتون في رؤية الكلام واقعا كلُّه في غير موقعه ، على حسب أعرافهم ؛ " فإن الوَحْشيَّ من الكلام يفهمه الوحشيُّ من الناس ، كما يفهم السوقيُّ رَطانةَ السوقيِّ " 68 ، فأما أن يخرج مُلَمَّعًا بعضُه من وادٍ وبعضُه من آخر ، فمِمّا يُتَفَكَّهُ به 69 !
وفيما ذكره الجرجاني في كتابه " أسرار البلاغة " ، من " رجوع الاستحسان إلى اللفظ من غير شِرْكٍ من المعنى فيه ، وكونه من أسبابه ودواعيه " 70 ، إشارة إلى " تقارب أنماط الكلم في الاستعمال " ، تؤيد رأيي السابق ؛ إذ لم تجز فيه عنده لا جزالة ولا ركاكة !
[18] وأما الأهواني فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، استيعابـُه لأمر الركاكة ومنزلتها من شعر ابن سناء الملك .
لقد فلسف الظاهرة بقوله : " إن الركاكة في الأساليب أثر من آثار الازدواج اللغوي بغير شك . وينبغي أن نفرق بين الركاكة وبين العامية ، وأن نفرق بينها أيضا وبين السهولة ؛ إذ إن الركاكة تنشأ عن عدم تمكن الأديب من اللغة التي يكتب بها ، لافتقاره إلى معرفة أصولها ، وإدراك أسرارها ، ولقلة بصره بالفروق الدقيقة بين دلائل المفردات ومعاني التراكيب ومناسبات الجمل وروابطها . إن ما نسميه بالركاكة ليس بشرط أن يكون خطأ في نحو اللغة واستعمال مفرداتها فيما وضعت له ، وإنما هو في العجز عن التصرف باللغة بحيث تؤدي الأفكار وتعبر عن الإحساس تعبيرا مرهفا ، وبحيث يكون تأليفها محكما متينا ، ونظمها متساوقا ومنسجما . إن المثل الواقعي للركاكة هو ما يحسه ابن اللغة فيمن يكتب أو يتكلم بلغته من أبناء اللغات الأجنبية ، حين يكون هذا الأجنبي قد درس اللغة بعيدا عن وطنها الأصلي . والركاكة بهذا المعنى لا يحسها إلا من كان حظه من إتقان اللغة عظيما ، بأن يكون قد ولد في بيئة تتكلمها أو يكون قد طالت قراءته لنصوصها الممتازة . فإن استطاع الجمع بين الأمرين ، وكان ذا موهبة لغوية وذوق وحس في التفريق بين جرس الكلمات وتنغيم الجمل وموسيقية العبارات كان الحكم الأول في القضية (...) فالعامية لغة مستقلة لها أساليبها وألفاظها ولها بلاغتها كما أدرك ذلك ابن خلدون قديما . فإن تسربت العامية إلى اللغة المعربة تسربا غير طبيعي ، منشؤه ضعف شاعر العربية ، حدثت الركاكة (...) على أن الركاكة في الشعر لا تجيء دائما من الضعف اللغوي ومن جهل أساليب العربية وضعف التمييز بين الجيد والرديء منها . وإنما تجيء أحيانا من ضعف الحس الموسيقي عند الشاعر ؛ فالجزالة ذوق ومعرفة باللغة معا . والتقصي يثبت أن حظ المتأخرين منها كان أقل من حظ المتقدمين من الشعراء ، ولعل ابن سناء الملك يعتبر خيرا من كثير من معاصريه والتابعين له فيما يتصل بالجزالة " 71 .
ما وجوه التصرف باللغة بحيث يخرج التعبير مرهفا ومتينا ومنسجما ، إلا أقسام أعمال الناظم التي استنبطناها من نص الجرجاني ، وأجرينا عليها أعمال الْمُجْزِلِ والْمُرِكِّ ، وما العجز عن تلك الوجوه إلا الركاكة ، ولا القدرة عليها إلا الجزالة .
وليس الحِسُّ الموسيقي الذي جَعَلَ العجز عنه ركاكة والقدرة عليه جزالة ، وجها من تلك الوجوه ، بل اختبارٌ من اختباراتها ؛ فاللغةُ أصواتٌ تؤلف منفردةً ومجتمعةً كَلِماتٍ وجُمَلاً وفِقَرًا ونُصوصًا ؛ فإذا مَرَّ المتكلم في التعبير إبدالا وترتيبا وحذفا وإضافة ، ساعده إلفه على إصابة ما يأخذ وما يترك فيُجْزِلُ إذا كان أَلِفَ الجَزْلَ ، أو ساعد ناقده على تخطيئه فيما أخذ وما ترك فأَرَكَّ إذا كان أَلِفَ الرَّكيك . ولا يُعترض على ذلك بأنه كاتب ؛ فإنما اللغة المنطوقة ، ثم إن الكاتب يقرأ على أذنه ما كتب على ورقته ، ليستفيد مساعدة ذلك الحس الموسيقي ، وهي وصية أبي تمام لتلميذه البحتري من قديم 72 .
ولقد ألقى الأهواني كلمته في اختلاف الركاكة والسهولة ( الوضوح ) ، ومضى دون أن يزيدها بيانا . وإنها لكلمة سديدة جدًّا ؛ إذ تتعلق السهولة بقوة النظم ( جزالته ) التي تُعَلِّقُ مُسْتَوْعِبَهُ بدقائق كل عمل من أعماله ، لا بضعفه ( ركاكته ) التي تعوق استيعابه . وسيأتي لهذه المسألة في الفقرة الحادية والعشرين ، مزيد بيان .
أما تسرب كلام اللهجة إلى كلام اللغة ، فمما يفسد على الشعر جزالته - وإن لم يَنفها - ويَدَعُهُ سُخْرَةَ المُتَمَثِّلينَ ؛ إذ هو من عدم " تقارب الكلم في الاستعمال " الذي عابه القرطاجني ، ومن عدم وقوع الكلم في مواقعها ، الذي أحنق ابن رشيق على ابن هانئ . ولقد كان من آثار اشتغال ابن سناء الملك بشعر اللهجة ، أن " غلب على نظمه في القريض ( شعر اللغة ) استعمالُ اللفظ العامي ، وفساد المعنى ، واختلاف تركيبه ، حتى أخرجوا له من ذلك ومما لا يجوز استعماله في العربية ، قدرا كثيرا " 73 .
ولقد رأى الأهواني في غلبة المنطق النحوي على نظم الكلام لافتقاد سليقة اللغة وإلف قراءة الكتابات النثرية في العلوم الإسلامية واللغوية المدرسية وما أشبهها ثم الاشتغال بها - سر ركاكة شعر المتأخرين 74 ، الذين رأى فيما سبق ، أن التقصي يثبت أن حظهم من الجزالة كان أقل من حظ المتقدمين . وعلى رغم أن ابن سناء الملك خيرٌ حظًّا عنده من كثير من معاصريه وتابعيه ، لم يستطع أن يكتم من الركاكة ، ما تجلى له في قوله :
" صَحَّ مِنْ دهرنا وفاةُ الحَياءِ فليطُلْ منكما بُكاءُ الْوَفاء
ولْيَبِنْ ما عقدتماه من الصبر بأن تَحْلُلا وِكاء البُكاء
وأهينا الدموع سَكْبًا وهَطْلاً وهَبا أنهنَّ مثل الهَباء
وامنحا النوم كل صَبٍّ ينادي مَنْ يُعير الكَرى ولو بالكِراء
ليست العينُ منكما لي بعينٍ أو تعاني حملاً لبعض عَنائي " 75
فقد أفسد نظمها بما التزم في جملها وفي روابط جملها : من تكرار التركيب الإضافي نفسه ثلاث مرات متقاربات " وفاة الحياء ، بكاء الوفاء ، وكاء البكاء " - ومن تكرار تركيب الجار والمجرور نفسه مرتين متشابهتين " منكما ، منكما " - ومن قبح قوله " وليبن ما ... بأن تحللا " ، و" وهبا أنهن مثل الهباء " ، دون أن يبين وجه القبح . والحقيقة أن ما قدمه في غلبة المنطق النحوي ، بيان جلي لسر قبح الأبيات كلها ؛ فما هي إلا تراكيب قضائية صاغها قاض لم ير المقضي عليه لكيلا تشوب قضاءه شبهة عطف عليه ! ولقد أحنقه تمسك ابن سناء بالبديع الذي لم يمر بنا هنا من قبل ؛ فزمانه زمانه .
[19] أما الطرابلسي فقد دل على استيعابه أمر الجزالة عند القدماء ، ومنزلتها من الشعر العربي القديم ، استيعابُه لمنزلتها من شعر أحمد شوقي ، ولمدخل الركاكة إليه .
لقد اعتذر عن إخلاله بمقتضى طبيعة بحثه الوصفي التفسيري التي لاتناسبها الأحكام المعيارية ، بعجزه عن كتمان ما وجد في تعابير شوقي ، من جزالة ومن ركاكة .
لقد دعا الجَزْلَةَ " قَويمَةً " ، ولم يُطل حديثها ؛ فشوقي مشهور بها " لا يعدم الناظر في قصيدة من قصائده أثر الثقافة المتينة والفن الخلاق " 76 ، وإن فسرها باعتماده التصوير ، كما في قوله :
تَسْمَعُ الأَرْضُ قَيْصَرًا حينَ تَدْعو وَعَقيمٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ الدُّعاءُ
الذي صور فيه شوقي الدعاء الذي ليس وراءه خير بالدعاء العقيم ؛ فنبه الطرابلسيُّ على أن مثل هذا التصوير هو الذي حمى جزالة تعابيره الغالبة 77 ، وهو فهم طريف ؛ إذ لولا الوصف بالعقم وتقديمه وتأخير الدعاء إلى القافية وتعليقه به ، لاضطرب تركيبُ عَجُزِ هذا البيت . وما تلك إلا الإبدال والترتيب من أعمال الناظم المُجْزِلِ .
ودعا الركيكة " سَقيمَةً " وأطال الحديث فيها لأنها " عوارض نادرة كالشذوذ الذي يؤكد القاعدة ، يدرس لتتوثق المعرفة بالقاعدة لا به " 78 ، وفسرها بإيفائه حق بعض قيود الكلام ، كما في قوله :
قَذائِفُ تَخْشى مُهْجَةُ الشَّمْسِ كُلَّما عَلَتْ مُصْعِداتٍ أَنَّها لا تُصَوَّبُ
الذي أراد فيه وصف القذائف بقوة الانفجار وارتفاع المدى ، حتى إن الشمس لتخشى أن تصيبها إذا أخطأت مرماها ؛ فضاقت فسحة البيت عما أراد .
وكما في قوله :
وَدانى الْهَوى ما شاءَ بَيْني وَبَيْنَها فَلَمْ يَبْقَ إِلّا الْأَرْضُ وَالْأَرْضُ تَقْرُبُ
الذي أراد فيه فكرة تقارب الحبيبين روحا ومكانا ، بانطواء الأرض الفاصلة بينهما ؛ فلم تمكنه القافية . وما تلك إلا الإبدال والحذف من أعمال الناظم المُرِكِّ .
ثم قال : " إن تعابير شوقي لم تخل من سوء ، ولكننا نقر - مع ذلك - أن ظاهرة سوء التعبير ليست شائعة في ( الشوقيات ) بالقدر الذي يضعف قيمة أشعارها ؛ فقد بقيت تعابير الشاعر محتفظة بجزالتها في الجملة ، وبقيت تمثل في نظرنا عاملا قويا من العوامل الضامنة لوصول رسالة الشاعر إلى القارئ ، ومن وسائل التعجيل بإيصالها ، وإن لم تسلم أحيانا في قنوات الإبلاغ ، من العوارض التي تغير وجهة الرسالة " 79 .
لكأن الطرابلسي بدراسته للشوقيات بعدما تقدم من دراسة الأهواني للسنائيات ، يُتْبِعُ السَّيِّئَ الْحَسَنَ ، ويدل على من أخذ الشعر بحقه ؛ فرده سيرته الأولى ، بعدما حيدَ به عن جادَّتها .
ولقد نبه أخيرًا هنا ، على تعلق السهولة ( الوضوح ) بالجزالة ، على ما سبق أن اسْتَنبطنا من كلامِ الأهواني الذي سيأتي له في الفقرة الحادية والعشرين ، مزيد بيان ، لم يمنعه من ذلك أن تَجْزيلَ الكلام ( نسبته إلى الجَزالة ، وهو غير الإِجْزال الذي هو اتِّباع الجزالة ) ، وتَرْكيكَهُ ( نسبته إلى الرَّكاكَةِ ، وهو غير الإِرْكاكِ الذي هو اتِّباع الرَّكاكَةِ) ، حُكْمانِ مِعْياريّانِ - سبق أنهما عند الجرجاني ، من صواب النظم ومن خطئه - وعيًا منه لقيمة هذا النمط من الأحكام ولزومه لكل ناظر في الكلام .
