مهارة الكتابة العربية=1

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    مهارة الكتابة العربية=1

    مُقَدِّمَةٌ
    مَهارَةُ الْكِتابَةِ عِنْدَ طُلّابِ قِسْمِ اللُّغَةِ الْعَرَبيَّةِ الْمُعَلِّمينَ
    [1] الْمَهارَةُ في لغتنا الحِذْقُ الذي يؤهل الحاذق للإقدام والإحكام، وأصل استعمالها أن تكون في السباحة، وهي المعروفة بتحريكها من أعضاء الجسم ما لا يحركه غيرها من الرياضات. قال أَعشى قيس في تفضيله عامر بن الطفيل على علقمة بن عُلاثة:
    " إِنَّ الَّذي فيـه تَماريتُـما بَيَّـنَ للسـامِعِ والنّاظِـرِ
    ما جُعِلَ الجُدُّ الظَّنونُ الذي جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطِرِ
    مِثْلَ الْفُراتيِّ إِذا ما طَما يَقْذِفُ بِالبوصـيِّ وَالمـاهِرِ " 1.
    ثم اتسع استعمالها فأصاب كل عمل من أعمال الإنسان المادية والمعنوية، حتى لقد رُدَّتْ حاجة بعض الكتب إلى شرحٍ ، إلى كمال مهارة مُصَنِّفِها؛ " فإنه لجودة ذهنه، وحسن عبارته، يتكلم على معان دقيقة، بكلام وجيز، كافيًا (هكذا، وهو جائز) في الدلالة على المطلوب، وغَيْرُهُ ليس في مرتبته، فربما عسر عليه فهم بعضها أو تعذر، فيحتاج إلى زيادة بسط في العبارة، لتظهر تلك المعاني الخفية " 2؛ فجودة ذهنه البادية في معانيه الدقيقة، وحسن عبارته البادي في ألفاظه الموجزة، كلاهما علامة كمال مهارته الذي لا يتأتى لأي أحد من الناقصي المهارة أو العديميها. ومن قبلُ ما خص رسولنا - صلى الله عليه، وسلم! - الحاذق بقراءة القرآن، بصحبة الملائكة الكاتبين الكرام المحسنين، دون المتتعتع على رغم إحسانه، قائلا: "الماهرُ بِالقرآنِ مع السَّفَرَة الكرام البَرَرَة، والذي يقرأ القرآن ويَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاق، له أجران " 3.
    [2] والكتابة في لغتنا صناعةُ الخَطِّ، أي صناعة رسم الكلام المنطوق على ما يُؤَدّيه (الخِطاطة وإن لم تَرِدْ هذه)؛ فلم يكن يعرفها أيُّ أحد، وأَصْلُ الكَتْبِ العَقْدُ والرَّبطُ والخَرْزُ، قال ابن دارة:
    " لا تَأْمَنَنَّ فَزاريًّا خَلَوْتَ به على قَلوصِكَ واكْتُبْها بأَسْيارِ " 4!
    فكأنه ربط صورة الكلام بما رسم عليه، ولا سيما أنه كان مِمّا يزول، ثم صارت صناعةَ التعبير عما في الأنفس، برسم الكلام الذي يراعى فيه من الإتقان ما لا يراعى في الكلام المنطوق؛ إذ لا يَتَأَتّى لأيّ أحد أن يُصيب مَقاتلَ المَقاصِد 5.
    [3] ولقد جَدَّتْ للتركيب الإضافي الذي فيه " مَهاراتٌ " بصيغة الجمع مضافٌ، ومنه ما صار مصطلحا على مقررات جامعية - دلالةٌ على جِهات الحِذْقِ بالمضاف إليه المتعددة المختلفة؛ فلم تعد " مَهاراتُ اللغة " مثلا، حِذْقَ اللغة، وإلّا فما جُمِعَ المصدر الذي لا يجوز جمعه ما بقيَ على مَصْدَريَّتِهِ، بل الجهات التي يدخل منها إلى اللغة الحِذْقُ ، ثم استمرت هذه الدلالة في المفرد المراعى فيه أنه واحد ذلك الجمع الذي في صيغة المصطلح، كما في " مهارة الكتابة " مثلا من " مهارات اللغة"؛ إذ ينبغي لطالبها - وهو ما سَيُراعيه باحثُها أيضا - أن يقع على جهات الكتابة التي يدخل إليها منها الحِذْقُ، لِيَتَعَلَّقَ بمهارتها عَمَلُهُ.
    [4] وليس لاكتساب اللغة ثم للمهارة بها – مهما كانت اللغة وكان أهلها – غير بابين لا ثالث لها، إلا أن يجتمعا معا: الأذن، والعين، والأول آصَلُ وأَقْوى وأبقى؛ فنحن لا نتحدث إلا ما استمعنا، ولا نكتب إلا ما قرأنا، على هذا النحو:
    اكتساب اللغة ثم المهارة بها
    الاستماع التحدث

    القراءة الكتابة

    ومن ثم ننتهي في مَراقي تحدثنا إلى منتهى ما استمعنا، وفي مَراقي كتابتنا إلى منتهى ما قرأنا، وإن عملت عملها بعد ذلك، الدُّرْبةُ 6.
    ولقد استولت لهجاتنا على الأسماع، حتى سميت " لغة الحديث"؛ فعَوَّلت لغتنا على الأبصار، حتى سميت لغة الكتابة 7؛ فلم يبق لنا إلا أن نستمسك برعاية مهارة الكتابة، عسى أن تَتَراسَلَ الحَواسُّ؛ فتعودَ لغتُنا سيرتَها الأولى، ولا سيما أننا لا نتفاهم بلهجاتنا نفسها - إذا تفاهمنا بها - إلا معتمدين على لغتنا لاجئين إليها.
    [5] ولن نستطيع أن نفصل الكتابة من القراءة، ولا القراءة من الكتابة؛ فكما تخرج هذه من رحم تلك، تظل من دواعيها؛ ومن ثم بدا لي السعي إلى مهارة الكتابة، رُقيًّا في مَقامات فِقْهِ الْقِراءَةِ والْكِتابَةِ جميعًا معًا، من مقام اللّماذا، إلى مقام الْماذا، ثم مقام الْمتى، ثم مقام الكَيْف.
    إنه ينبغي أولا أن تستبين للطالب دواعٍ إلى القراءة والكتابة، أصيلةٌ قويةٌ باقيةٌ، من مثل الاستفادة المعنوية (الثَّقافة، والرّاحة، والمُتعة)، والمادية (القُوَّة، والقُدْرة، والفَضْل)، والإفادة المعنوية (التَّثْقيف، والإراحَة، والإمْتاع)، والمادية (التَّقْوِيَة، والإقْدار، والتَّفْضيل) – تُعَلِّقُهُ دائما بهما، وإلا زَهِدَ بعد حينٍ فيهما.
    ثم ينبغي ثانيا أن تستبين له مَظانُّ القراءة والكتابة التي تتيح له تلك الاستفادات والإفادات المعنويات والماديات، وإلا بدت له تلك الدواعي أوهامًا لا حقيقة لها.
    ثم ينبغي ثالثا أن يستبين له نظامٌ يُقَدِّرُ به أَوْرادَ يومِهِ وغَدِهِ من القراءة والكتابة؛ فلا يُقَدِّم آخرًا، ولا يُؤَخِّرُ أوّلًا، ولا يُكَبِّرُ صَغيرًا، ولا يُصَغِّرُ كبيرًا، منطلقا من أنه لما كانتِ الكتابةُ من ثمار القراءة، وجب أن تَسبقَها هذه دون أن تُلْهِيَ عنها؛ إذِ الكتابةُ من دَواعيها، ولما كان الإنسان مسؤولًا عن نفسه، قبل سؤاله عن غيره، كانت استفادتُه وما يَستفيد منه، مُقَدَّمَيْن على إفادته وما يُفيد به، ولما كان المَعنويُّ جَذْرَ عمل الإنسان، والماديُّ فَرْعَه، كانت الاستفادةُ والإفادة وما يَستفيد منه وما يُفيد به، المعنوياتُ – مقدَّماتٍ على الاستفادةِ والإفادة وما يَستفيد منه وما يُفيد به، الماديّاتِ، ولما كان تفكيرُ القارئ أصعبَ حُضورًا من تفكير الكاتب لانكشافه للخواطرِ، وتفكيرُ الكاتب أَقَلَّ جَهْدًا من تفكير القارئ لسُهولة حُضوره، وكان زَمانُ الإنسانِ المُسْلِمِ مُقَسَّمًا بالصَّلَوات المَفْروضة، وأقسامُه مختلفةَ الحُظوظِ مِنْ نَشاطِهِ - وَجَبَ أن يكون ما بَعْدَ الفَجْر للقراءة ِ، وما بَعْدَ الظُّهْرِ للكتابة، وما بَعْدَ العَصْرِ للقراءة، وما بَعْدَ المَغْربِ للكتابة، وما بَعْدَ العِشاءِ للكتابة ثم للقراءة، إلا أنْ تَشِذَّ حالٌ عن ذلك التقسيم الطبيعي، ولما كان النومُ من سُبُل الاستيعاب، وَجَبَ أنْ يَعْقُبَهما دونَ فاصل – وإلا قَلَّتْ لديه جَدوى عنائه.
    ثم ينبغي له آخرا أن يأخذ القراءة والكتابة بشروطهما، من مثل لزوم آدابهما {الهَيئة: القُعود والرّاحة، والسُّكون: الهُدوء والصَّمت، والإقبال: التَّأمُّل والتَّفكير}، ورِعاية أُصولهما {المُكَوّنِات اللُّغويّة (المقال) ودَلالتِها، والمُكَوِّنات غير اللُّغويّة (المقام) ودَلالتِها}، وتَحَرّي أنواعهما {الإيجاز: الاخْتِصار والاقْتِصار، والإطْناب: الاسْتيفاء والاسْتِقْصاء}، واستعمال أَدَواتهما {البِناء: التَّقسيم والتَّرتيب، والإيضاح: التَّعليق والتَّنبيه، والإِلْحاح: التَّهْذيب والإِعادة} – وإلا استعصى عليه فِقْههما؛ فاستحالت أبدًا المهارة بهما 8.
    [6] والطالب المعلِّم " هو طالب كلية التربية المسجَّل في مُقَرَّر التربية المَيْدانيَّة، ويقوم بالتدريس في مدارس التعليم العام تحت إشراف أحد مشرفي الكلية ويسمى طالب التربية الميدانية أو معلم المستقبل " 9، ولا ريب في أن طالبَ علوم اللغة العربية وآدابها المُعَلِّمَها، معدود عند غيره، من طلاب مهارة الكتابة، شاء أم أبى، وقدر أم عجز، مطالب بمقدار منها أصيلٍ مُتَنامٍ، يكافئ ما ينبغي أن يكون عليه طُموحُ تلامذته المَعقودةِ في نَواصيهم أسبابُ المستقبل؛ فمن تعلم لنفسه كفاه شيء من العلم، ومن تعلم لغيره لم يكفه منه شيء؛ فإنه لا يدري ما يسأله تلامذته على مرِّ الزمان!
    [7] ولقد تيسرت لي تجربة تفقدت بها مهارة الكتابة باللغة العربية عند طلابٍ معلمين لها 10، ثم طرحتُ ثمرتها على طلابٍ آخرين؛ فاستبانت لي علامات من التوفيق إلى رعايتها لديهم لا بأس بها؛ فتمسكت بتهذيبها ونشرها فيما يأتي، عسى أن يُنتفع بها.
    كتبت هذين النصين القصيرين:
    "يا طَلْعَةً طَلَـعَ الْحِمامُ عَلَيْـها وَجَنى لَها ثَمَرَ الرَّدى بِيدَيـْها
    رَوَّيـْتُ مِنْ دَمِها الثَّرى وَلَطالَما رَوّى الْهَوى شَفَتَيَّ مِنْ شَفَتَيْها
    قَدْ باتَ سَيْفي في مَجالِ وِشاحِها وَمَدامِعي تَجْري عَلى خَدَّيـْها
    فَوَحَقِّ نَعْلَيْـها وَما وَطِئَ الثَّرى شَـيْءٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَعْلَــيْها
    ماكانَ قَتْلـيها لِأَنـِّيَ لَمْ أَكُنْ أَبْكـي إِذا سَـقَطَ الْغُبـارُ عَلَيْها
    لَكِنْ ضَنِنْتُ عَلى الْعُيونِ بِحُسْنِها وَأَنِفْتُ مِنْ نَظَرِ الْحَسودِ إِلَيْها"11.
    " كَأَنـِّيَ أَخْلَعُ جِلْدي
    بَدَوْتُ
    فَأَحْسَسْتُ أَنَّ الْمَكانَ يُحاصِرُني
    وَالزَّمانَ يُنازِعُني نَفْسَهُ
    لا يَمُرُّ بِغَيْرِ بَقايايَ
    حينَ قَتَلْتُكِ
    إِنّي تَحَجَّرْتُ
    لَمْ يَعُدِ الصَّبْرُ يُحْيي مَواتي
    وَلا عَرَفَ النّورُ كَيْفَ يَبُلُّ صَدايَ
    فَلَيْسَ الزَّمانُ زَماني
    وَقَدْ لَفَظَتْني الْأَماكِنُ في هُوَّةٍ يَتََصايَحُ فيها الْهُمودْ
    وَحينَ قَتَلْتُكِ
    أَشْعَلَ قَلْبي نَزيفُ دَمِكْ
    كَما يُشْعِلُ الثَّوْرَةَ الْمُسْتَنيمَةَ رَعْدُ النَّشيدْ
    فَأَحْرَقَني بِهَشيمي وَنارِهْ " 12.
    ثم قرأتُ وفَسَّرتُ وأَقْرَأْتُ طلّابي النَّصَّيْنِ. قَصصْتُ عليهم أن صاحب النص الأول قديم الزمان، أحب جارية نصرانية، ورغب إليها أن يتزوجها على أن تُسْلِمَ؛ فكان ما رغب. ثم سافر لبعض شأنه؛ فَمَكَرَ به ابنُ عَمٍّ له حاقدٌ عليه؛ فأشاع في الناس أن امرأته وأَوَّليَّتُها معروفة، فَجَرَ بها فُلانٌ، وذَكَرَ رجلًا من رِفاقه؛ ثم بَلَغَ ذلك زوجَها حيث هو؛ فرجع من ساعته، ودخل إلى امرأته، وجالسها صامتا مُتَلَدِّدًا، فإذا الرجلُ المُتَّهَمَةُ به يُناديها من خارجٍ، أرسله ابن عمه الحاقد؛ فثار بها وصَدَّقَ عليها التُّهَمَةَ، وعَنَّفَها، ولم يُمْهِلْها أنْ قَتَلَها، ثم قال ذلك النص، وعلم ما دُبِّرَ له، ونَدِمَ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ – ثم أن صاحب النص الآخر حديث الزمان، مُعانٍ المأساةَ نفسها، ناظرٌ فيما قال إلى ما قيل.
    ثم أمرتهم أن ينقدوا النصين بما لا يتجاوز نصف صفحة، وألا يكتبوا أسماءهم، وألا يقدموا إلا ما يرضونه؛ فثاروا بي وكأنني أنا الذي قتلت المرأتين، وأبوا علي بحجة المفاجأة وأنه عمل صعب؛ فثرت بهم وكأنهم الذين مكروا بالرجلين، وأبيت عليهم بحجة أنني مهدت لهم وأنه عمل سهل؛ فسألتني فتاة منهم جَدِلَةٌ: وما النقد؟ فأجبت: يراه بعض مُحاوليه أن يُبيّنوا رسالة النص، وبعضُهم أن يبينوا رسالته ووسائل أدائها، وبعضهم أن يجاروه بنص مثله.
    مضوا كرها ساعة وثلثا، أو أكثر قليلا، حتى انفض المجلس؛ فجمعت ورقهم، وحملته إلى مكتبي سعيدا بأنني ربحت بنصين اثنين فقط، {26} نصًّا أرى فيها حقائقهم ومراتبهم .
    كنت أقرأ الورقة، وأتأمل رعايتها لأصول القراءة والكتابة المشار إليها آنفا في الشروط، وأنبه على مواضع النظر منها، معلقا عليها ما بدا لي فيها. ثم لما فرغت من الورق كله رتبته حَجْمًا ورقمته، وأقبلت أجمل تلك التنبيهات المبعثرة، في فصول منظمة. ثم في مجالس تالية قرأتها عليهم، ثم في المجلس الأخير أعدت إليهم ورقهم بما شَوَّهَهُ، ووعدتهم أن أعطي كلا منهم نسخة منها متى هذبتها للنشر، وأَحْسَبُني فَعَلْتُ.
    [8] ليس هذا العمل بمُنْبَتٍّ من تقويم اللحن الذي لا أعرف قبل الكسائي 13، ولا بعد الدكتور شوقي ضيف 14 – من صَنَّفَ فيه كتابا تُدووِلَ، المنقسمِ أبدا إلى تَفْنيدِ الخطأ وتَأْييدِ الصواب 15؛ إذ لا ثالثَ لهما، المقتصرِ أبدا على بلد أو طائفة 16؛ إذ لا قُدرةَ على غير ذلك .
    ولكن هذا العمل جديد باجتماع ما وصفته آنفا، من أنه:
    • نقد اللغة العربية المكتوبة الآن،
    • في وقت ومكان محددين،
    • على نحو مفاجئ لا تجهيز فيه ولا مراجعة،
    • في نصوص مختلفة المصادر،
    • واحدة الرسالة متقاربة المقادير،
    • لطلاب عرب عُمانيّين مُعَيَّنين،
    • متخرجين لتدريسها.
    فإن جاز أن تكون رسائلُ تربوية عُليا، قد ألمَّت بمثله، فهي حَبيسة خزائن كلياتها، ثم بَيْنا تُراعي المُعَلِّميَّةَ التي في " الطّالِبِ الْمُعَلِّمِ " حين تنظر إلى المقرر في المدرسة، يراعي هذا العمل الطّالِبيَّةَ ، حين ينظر إلى المقرر في اللغة!
    [9] ولقد اصطخبت في شأن هذا " المقرر في اللغة"، أصواتُ التشنيع على المُتَحَنِّثينَ في محراب الأعرابي القديم البَوّال على عَقِبَيْهِ، بانْمِياز عالمنا من عالمه وامتناع الحكم عليه به وإلا انقطعت بين تفكيرنا وبين حياتنا السُّبُل 17، وبتَعَنُّتِهِم " في رفض الصور والأشكال البلاغية العامية " 18، ذاهلين عن أن اللغة هي ما نتكلمه لا ما يجب أن نتكلمه 19، حتى ألجأوا العربية إلى غيرها - وأصواتُ التشنيع على المستعجمين الذين لم يستحيِ بعض رادَتِهم من أن يقول: " جيلنا يقرأ فاليري وت. س. إليوت، ولا يقرأ البحتري وأبا تمام (...) إحساسه باللغة ضعيف بالفطرة (...) لم يقرأ حرفا واحدا بالعربية بين سن العشرين وسن الثانية والثلاثين إلا عناوين الأخبار في الصحف السيارة، وبعض المقالات الشاردة ألزمته الضرورة السياسية بقراءتها؛ فإحساسه باللغة أجنبيٌّ جدا على كل حال " 20، بقبول مقالات العدو المستعمر الحقود اللعين الذي لم يُخْفِ اتخاذه حَرْبَ اللغة العربية أحد أسلحته علينا 21، وباطِّراح العناية باللغة في غَمرةِ اللُّهاث الصَّحَفي 22 الذي لم ينج من شره صغير ولا كبير 23، وبالاستخفاف بمقاييس اللغة عَبَثًا مارقًا ومُروقًا عابِثًا 24.
    فرأيت في اختلافهم رَحْمةً واسعة؛ إذ لولا الأوائل ما حيينا في الحاضر ولا بقينا إلى المستقبل، ولولا الأواخر ما بقينا إلى الحاضر ولا حيينا في الماضي!
    [10] من ثم ينبغي أن تتوسط خطة " المقرر في اللغة " المنظور إليه هنا، بين التقصير والغلو؛ فتتحاكم إلى سيرة اللغة العربية الطويلة التي لم يُعَدَّلْ فيها غير الأصيل المكين الفارع الباهر، حَفيَّةً بقواعدها القديمة؛ إذ هي " لغة مختارة متعلمة ذات وظائف اتصالية خاصة " 25 -، وبالقرارات المجمعية، وبلغة الأدباء الكبار، وباللغة الشائعة، وبالعرف اللغوي ، جميعا، غير ذاهلة عن أن للغة العلمية ضَرورتَها التي تقتضيها خُصوصيَّتُها 26، ولا عن أن لطلاب اللغة العربية الذين هم من طلاب مهارة الكتابة بها لدى غيرهم، خُصوصيَّتَهم؛ فلن يُقْبَلَ منهم بعد حين، ما يُقْبَلُ من كَتَبَةِ المؤسَّسات العامة؛ إذ يدخلون في طبقة " الخاصَّة " الذين تُعَدُّ مَعايبُهُمْ، بعد أن كانوا من طبقة " العامَّة " الذين لا يُؤاخَذون 27!
    [11] أعرض فيما يلي، تنبيهاتي على مادة البحث، بَدْءًا بمُفْرَدات التَّعْبير الكِتابي، وخَتْمًا برِسالَتِهِ التي تَشاركتْ في تَوْصيلها مُفرداتُه - في فُصول مُنظَّمة لا تَنْماز منها الرسالةُ ببابٍ، تَنْبيهًا على أنها هي وتلك المفردات تَكونُ معا. ولا أحتاج إلى أن أشير إلى أنها إن تكن تنبيهات كتابية صريحة، فهي قرائية واضحة؛ إذ لولا أن الطلاب يَجرون في قراءتهم على هذه الأنحاء التي تَناولتْها التَّنْبيهاتُ، ما جَرَوْا عليها في كِتابَتِهِمْ.

    وكتب بروضة مصر العتيقة،
    محمد جمال صقر
    mogasaqr@yahoo.com
    في 28/11/1428هـ=8/12/2007م
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...