السائل (فيصل الحميد): شيخنا الكريم -حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أمّا بعد:
ذكرت في خاطراتك في فصل القرعبلانة (خداع الألفاظ)، وكأنك تشير إلى ذمّه -على حد فهمي- ولكني لازلت أعجب من حديث ابن عباس المتفق عليه، وفيه أن مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتبت له حسنة (كاملة)، ومَن همَّ بسيئةٍ فعملها كُتبت عليه سيئة (واحدة)، مع أن الحسنة واحدة، والسيئة كاملة. فنستطيع أن ندخل هذا التصرف (أو ما أسميته خداع الألفاظ) في باب البلاغة وحسن المنطق.
الفتوى 135: قد يكون ما عجبتَ منه من هذا الباب، ولا أسمِّيه حينئذٍ «خداع الألفاظ»، وأظنّ أن الحسنة سمِّيت (كاملة) خشية أن يظن أنها حسنة دون الحسنة التي تكون عن عَمل، وسمِّيت السَّيئة (واحدة) لبيان أنها غير مضاعَفة، وأثر الألفاظ، أو خداعها عريض واسع عميق، فمن الألفاظ ما يوهم أنه حسن وهو قبيح، ومنها ما يُظَن أنه قبيح وهو حسن، كلفظ (السُرسُور) يطلق على العالم الدّخال في الأمور، والمخلص من الأصحاب، ولا يُطلق على معنى قبيح، وربّما تنوسي أصل الكلمة، واستُعملت على غير المعنى الحسن، كــ(جرثومة) تُطلق في الّلغة العربية على الأصل والأَرومة، ويستعملها الناس اليوم فيما هو معلوم، وكــ(الاقتراف) غلب إطلاقه على كسب الذنب، وهو لفظ محايد، يطلق على اكتساب الحسنة والسيئة، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا).
ومنها ما يُظَن أنه كبير الجِرم، ضخم الجثة، كــ(القرعبلانة) اسم لدُوَيْبَّة صغيرة، عدد أحرفه ثمانية، و(الشمس) -على جلالة قدرها- لا تتألّف إلاَّ من ثلاثة أحرف.
ومنها: ألفاظ حَسنة توضع في غير موضعها تحسينًا أو تزويرًا، كتسمية الأسود بـ(القَمر)، وتسمية مَن لا يصلّي (عَفيفَ الجبهة).
وفي لغة التجار اليوم ألوان كثيرة من ذلك، كقولهم في الإعلان عن بعض السلع: (لا يقاوَم)، وعن إطارات السيارات (اشتكى منها الإسفلت)، ويضعون قيمة للسلعة دون المئة أو الألف، فيكتبون عليها (99) يكسرون بها هيبة المئة، وقد تكون قيمتها دون ذلك، ولكن هذا العدد يوهم الذهن حتمًا أنّ التاجر نقص من قيمتها، وربَّما أوهمك أن حيلته مكشوفة، وأن السلعة بمئة، وتأمن من أنه لم يزد عليك، وتكون قيمة السلعة في الأصل تسعين، لا مئة.
ومن أنواع ذلك التشبيه، كتشبيه الأسود بالمسك، وكان أبو الطيّب المتنبي يكني كافورًا بأبي المسك إذا أراد مدحه.
ومن أمثلة التشويه في التشبيه: تسمية المجدور (من أصابه الجُدرِيّ) بسلحة جامدَة قد نقرتها الدّيكة.. والأمثلة كثيرة، وكتبتُ في خداع الألفاظ، وما في معناه رسالة لطيفة أريد إتمامها فيحول دونها انصرافي إلى تصانيف أولى، أستعين في إتمامها بالمولى.

تعليق