السائل (عبدالحميد): لديّ رغبة وقدرة على الحفظ، فهل تنصحني بحفظ القاموس المحيط؟
الفتوى 136: لا أنصحك، ولا أظنك تقدر على ذلك، لأنه ليس مما يحفظ، فللحفظ متون معلومة أعدّت لتحفظ، ولا تصدِّق أخبار المبالغين المتساهلين في نقل الأخبار المختَلَقة أنّ فلانًا كان يحفظ كتاب المغني لابن قدامة، أو كتاب فتح الباري لابن حجر، بل ابن حجر نفسه -وهو أحد حفظة الدنيا-لا يقدر على حفظه من أوله إلى آخره كما تحفظ المتون، ولو صرف طالب علم همته إلى حفظ شيء من ذلك لتفرَّق به عن سبيل الطريق الصحيح، وما من طالب علم يصرف همته إلى الحفظ بشق النَّفس، وقهرها على الحفظ في كلّ شيء، إلا ضاقت عليه ملكة الفهم والاجتهاد، وشُغِل ذِهنه بحفظ حفظه ومراجعته، وتذكّره في كلّ مسألة ترد عليه، وأنّى له الذّكرى في كلّ ما يريد، وقد أغلق دونه أبواب التفكير وأطفأ أنوار التأمّل؟ وأمّا علماؤنا الحفاظ قد كانوا على قسمين، قسم آتاه الله قوَّة في الحفظ، بحيث لا يحتاج إلى أن يتعنّى ولا يتكلّف، إلا تكلفًا يسيرا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهم كثير في القرون الأولى من زمن هذه الأمّة.
والقسم الثاني: قسم آتاهم الله حظا من الحفظ دون أصحاب المرتبة السابقة، وصرفوا همهم إلى حفظ المتون، وما أعدّ للحفظ، واجتهدوا في ذلك، واحتاجوا إلى أن يثبتوا محفوظهم بكثرة التكرار، والانشغال بالدرس والشرح والمذاكرة فيما هم فيه، فكانوا في دائرة لا تسع إلّا ما هم فيه من تكرار الكلام ونقل علم غيرهم، وهم متفاوتون بعد ذلك في توسيع تلك الدائرة وقوةِ الاستنباط، وعلمهم في الغالب يخدم أهل زمانهم، وربما برع بعضهم في الشعر، أو النظم، أو الوعظ، وحسن التأليف، وحسن الاختيار.
والحفظ أمر ضروري لطالب العلم، لكنه وهبيٌّ، وكسبيّ، ولا يكون الكسبيّ الاختياريّ إلا في شيء من شأنه أن يُحفظ، وقد حاول طائفة من أهل العلم أن يحفظو القاموس ونحوه فطال بهم الطريق، وانقطع ببعضهم، وأخبرني الشيخ أبو تراب الظاهري -رحمه الله- أنه أراد حفظ القاموس، فأشار عليه والده عبدالحق بأن يحفظ موادّه ليكون ذلك أسهل له وأجمع، وأنا أوصيك بذلك، بل أوصيك بما هو خير منه، وهو أن تديم النّظر في ((مقاييس الّلغة)) لابن فارس، وان كان لابدّ من الحفظ، فاحفظ تأصيلاته التي يذكرها عند كل مادة، والله يحفظك، ويحفظ حفظك.
