شِعْرُ الشَّبابِ دَمُ الْعَقْلِ وَوَجْهُ الْجُنونِ=2

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    شِعْرُ الشَّبابِ دَمُ الْعَقْلِ وَوَجْهُ الْجُنونِ=2

    * ثم تَأمَّلِ " التَّصْويرَ" بين أيديهم جميعًا :
    أما الهنائيُّ فقد قال :
    " إذا انْتسبَ الدمعُ للبحرِ وَحدي معَ الرّيح أَجْمَعُ أصْدافَهُ الهارِبه " .
    فأرانا دموعه على صاحبه الغائب ، بحرًا يقف وحيدًا على شاطئه تَتَقاذَفُهُ الريحُ ، يجمعُ أَصْدافَه التي تفرُّ منه ثم تفر إليه .
    ثم قال :
    " لم يُجْفِلُ الموتُ حينَ رَكِبْتَ عليه وَطِرْت " .
    فأرانا صاحبَه قد عَرَجَ ببراق الموت ، إلى السماء ، وكأنما يطمئن نفسه عليه ويردُّ شماتة الخصوم .
    وأما الغافريُّ فقد قال :
    " كان وجهُ الدَّرْب يشربُ من خُطاكَ الشمس
    وفي خُصُلاتك السوداءِ تَنْتَحِرُ الليالي والخرافاتُ الحزينه " .
    فأرانا كيف سامى الدربُ الشمسَ بخَطْوِ الفارس المُلْهَمِ الغائب ، وكيف انْبَهَرَتِ الليالي وتَهاويلُها بما انْعَقَدَ في خُصُلاتِه الساحرة من أَبَدِ الآمالِ الجليلة .
    وأما اللويهي فقد قال :
    " الظِّلالُ مَشيئةُ الباكينَ
    في صَحْراءِ أيّامي
    والسَّرابُ المُخْمَلِيُّ
    بَصيرَتي في الليل " .
    فأرانا كيف يؤثر الهيّابون ما في ظلال الطريق من سلامةٍ لا جَدْوى منها ، على حينَ يخوضُ هو يَمَّ الطريق الخفيَّ المُخيفَ ، حَدْسًا بمَواطنِ السلامة وتَنَسُّمًا لجَدْواها .
    وأما الرواحيُّ فقد قال :
    " كَما يَتَسلُّلُ
    هذا النبيُّ الصغيرُ
    إلى قلبِ سَيِّدةِ الضَّوْءِ
    تَخْتَرِقينَ غَمامةَ صورَتِها
    في الفُؤادْ
    وكانتْ بِلادْ " .
    فأرانا كيف أوى الصاحبان إلى كهف الحبِّ نفسه ، وشَرِبا عَصيَره حتى ضاقَ عنهما الكهفُ ، فَغَدَوا في مَسالك الأرض ، عسى أنْ تُشاركهما فيما يَحْمِلان .
    وأما الزدجاليُّ فقد قال :
    " أُحِبُّكِ جدًّا بخَيْطٍ يعَلِّقُني تحتَ آخِرِ خَيْطٍ
    يُشَكِّلُ شَعْرَكِ بالحُب " .
    فأرانا كيف يتعلق بصاحبته العاشقون ، وكيف يضيف إليهم نفسه راضيًا ، وإنما تأذّى من قبلُ بِسِوى عاشقيها منْ سائرِ الكائنات .
    وأما الظفريُّ فقد قال :
    " وتَعْبَثُ بي صَلواتُ الرُّجوعِ
    وجُنَّ جُنونُ المُنى القاتمهْ " .
    فأرانا كيف تُراوِدُهُ دواعي الأملِ المستحيل ، التي ليس في طاعتها إلا النَّدَم .
    وأما الساعدية فقد قالت :
    " فاعِلاتُْْنْ فاعِلاتُنْ لَمْلِميني
    وهَبيني جَبَروتًا عربيًّا " .
    فأَرَتْنا كيف َتمْثُلُ بين أيدي صاحبتها آثارُ العِزَّةِ والكَرامة الغابرتين، وتَعْمى عنها ؛ إذْ " فاعلاتن " التي هي التفعيلةُ التي انبنت بها قصيدتها، مَوجةٌ من بحر حضارتنا العربية الإسلامية الزّاخرِ المَهْجورِ ، ثم هي في لغة هذه الحضارة نفسها ، صيغةُ اسمِ فاعلٍ تَتَمَنّى الساعديَّةُ أنْ تكونه مرةً أخرى صاحبتُها ، بعدَ أنْ صارتِ اسْمَ مَفْعولٍ يَهولُ بلا مَعْنى .
    ومثل ُذلك التصويرِ في شعرِنا العربيِّ ، قديمٌ قَدامةَ قولِ سيِّدنا ابن الروميِّ في مَهْجُوِّهِ المُخَلَّدِ عَمْرٍو :
    " مُسْتَفعلُنْ فاعلُنْ فَعولُنْ مُسْتَفعلُنْ فاعلُنْ فَعولُنْ
    بَيتٌ كمعناكَ ليسَ فيهِ معنًى سِوى أَنَّهُ فُضولُ ".
    - حَديثٌ حداثةَ قولِ أحمد عبد المعطي حجازي ، في قصيدته " إلى الأستاذ العقاد " :
    " مَنْ أيِّ بَحْرٍ عَصيِّ الرّيح تَطْلُبُه إنْ كُـنْتَ تَبْكي عليه نَحْنُ نَكْتُبُهُ
    مُسْتَفعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتَفعِلُنْ فَعِلُنْ مُسْتَفعِلُنْ فاعِلُنْ مُسْتفعِلُنْ فَعِلُنْ " .
    - وقولِ الحسّانيّ حسن عبد الله ، في قصيدته " منْ وَحْيِ الوافِرِ " :
    " إليَّ إليَّ فاعِلَتنْ فَعولُ تَغَلْغَلَ في الحَشا الداءُ الدَّخيلُ ...
    إذا قالوا :حِبالٌ جَمْعُ حَبْلٍ ، أَقولُ ولا أُباليهمْ : حُبولُ ! " .
    وهو يستوحي هنا البحرَ نفسَه ، وإنْ لم يكنْ بينه وبين تفعيلته غير عَمَل المَجاز .
    - وقولِ أحمد مطر في لافتته " مَقْتَل شاعرين " :
    " في أَوَّلِ اللَّيْلِ
    رَأَيْتُ شاعرًا يُناضِلْ
    يَرْقَعُ بالعَروضِ نَعْلَ الوالي
    رَأَيْتُهُ مُخْتَنِقًا
    في عَرَقِ النِّضالِ
    مُسْتَفْعِلنْ مُسْتَفْعِلنْ مَفاعِلْ ! " .
    - وقول أستاذنا أبي همّامٍ عبد اللطيف عبد الحليم ، في قصيدته " صورة مِصْريَّة منْ زَمنِ المَماليك " :
    " فَلْتَغْضَبي مَفْعولاتُ وارْتَقِبي غَضْبةَ وادٍ تَرُدُّ ما غَصَبوا
    ولْتَجْرُفي في الوُلاة قَزْمتها لا تَتَساوى الرُّؤوسُ والذَّنَبُ " .
    وهو قد استوحى البحر نفسه ( المنسرح ) ، في مجموعة كاملة تقريبًا سماها له أحمد عبد المعطي حجازي " من مقام المنسرح " ، منها هذه القصيدة .
    وما يزال يُلِمُّ بذلك النَّمَطِ منَ التصوير، مثلَما فعل في " الطائيَّة الكُبرى " التي اجتمع على نظمها ، بالكويت ، في العاشر من ينايرَ من هذه السنة ( 2002 م ) ، هو والدكتور أحمد درويش – وهو المتَفَضِّلُ بإِطْلاعي عليها - والأستاذ فاروق شوشه ، والدكتور محمود مكي ، والأستاذ سعيد الصقلاوي ، والأستاذ عبد الرحمن رفيع - في هجاء أَحَدِ أَدْعِياءِ النَّقْدِ ؛ فقال :
    " ساكتٌ دَهْرًا ، وإنْ يَنْطِقْ فهَذْرٌ ولَغَطْ .
    بَلِّغوا ( عِلّانَ ) عَنّي : هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
    لابسًا بُرْدَةَ لَيْثٍ وَهْوَ كالأَرْنَبِ نَطْ !...
    قَدْ هَجَوْنا الشِّعْرَ يا ( عِلّانُ ) في هذا العَبَطْ
    فاعِـلاتُنْ فاعِـلاتُنْ فاعِـلاتُنْ فاعِـلَـطْ ! " !
    وأما الكعبيُّ فقد قال :
    " نعم كنتِ عالقةً في جُذوعِ اللُّبانِ
    بَخورًا ومِلحا
    وفي وَرَقِ السِّنديانِ
    نقوشًا وصَمْتا " .
    فأرانا صاحبتَه جَمالَ كلِّ جَميلٍ ، وأَصالةَ كلِّ أَصيل .
    وأما الخروصيُّ فقد قال :
    " أجلْ هوَ العشق يا بدري إذا ابتُلِيَتْ به النُّفوسُ تَهادى نَجمُها الثَّمِلُ
    حتى إذاما اسْتوى في الأُفْق أَسْكَرَها وباتَ يَسْري بِها والأُفْقُ مُكْتَحِلُ
    نَجمٌ يُنيرُ فَضاءً ليس يَعرفُهُ إلا مُحِبٌّ بجَوفِ الليل يَبتَهلُ " .
    فأرانا العشق نجمًا كانِسًا يُضلُّ العشاق الكاذبين ، ويهدي العشاق الصادقين في ليل الهَجر إلى فَجر الحبيب .
    * تأمّلْ شُموسَ " التَّصْوير " ِ بين أيدي أولئك الشباب، كيف انْصَهَروا في طلبها غيرَ عابئين ببُعدِ مَنازِلها ، على حين يَكْسِفُها الشُّيوخُ مُبْتَهِجينَ بعَمى الأَرْض !
    * إنهم تسعةُ فتية عمانيّون في العشرين بمُخْتَتَم سِني جامعة السلطان قابوس ، أو في أول العشرينيّات بمُبْتَدَأ سِني العمل المُجْتَمَعيِّ ، تَخَرَّجوا بنا في أثْناء عملنا هنا . وإنها تِسْعُ قصائدَ أخواتُ عامِ ( 2001 م ) :
    خميس الهنائيّ بقصيدته " خُيوطٌ لِدَوائرَ وَهميَّة " ، وعبد الله الغافريّ بقصيدته " اخْرُجْ وَحيدًا " - وهوَ مَطْلَعُها ؛ فلا عُنْوانَ لها - ، وعوض اللويهيّ بقصيدته " ولولا ثَلاثٌ " ، وعلي الرواحيّ بقصيدته " بُكاءُ بَنَفْسَجَةٍ حَوْلَ قَلْبي " ، ويوسف الزدجاليّ بقصيدته " جُنونُك صَمْتٌ وصَمْتُكِ أزْرَقُ " ، وسعود الظَّفريّ بقصيدته " عيد" ، ومريم الساعديَّة بقصيدتها " تَسْليةٌ في وَضَحِ القِمَّة " ، وعبد الله الكعبيّ بقصيدته " إذا مَسَّهُ الحُبُّ " ، وهشام الخروصيّ بقصيدته " بَدْرُ والعاشِقُ القَديمُ " .
    * تأملِ الشعرَ بين أيديهم ثم تأملْه ثم تأملْه ...
    ثم قلْ :
    " ماذا جَنَيْتُ مِنَ المُستَشْيِخينَ ومِنْ ضَلالِ حِكْمَتِهِمْ هذي الّتي اتّبَعوا
    إنْ قُلْتُ قافيةً بِكْرًا يَكونُ بها شَيءٌ على غَيرِ ما جاؤوهُ أو شَرَعوا
    قالوا جُنِنْتَ فهذا الوَصْفُ شَطَّ وهذا اللَّفْظُ نَطَّ وهذا الفَهْمُ مُمْتَنِعُ
    وَيلي عَلَيْكُم كَأنّ الشِّعْرَ شَيَّخَكُمْ عَلَيْهِ وَحْيًا أَتاكُمْ والوَرى تَبَعُ
    ما كانَ شِعْرِيَ مَبْذولاً لَكُمْ فَخُذوا ما تَعْرفون وما لَمْ تَعْرِفوا فَدَعوا " .
    ولا عليكَ منْ أنْ يَغضَبَ عَمّارٌ الكَلْبيّ !
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...