الاستعارَة وسيلةٌ للانتقالِ من القَول إلى الإنجاز

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د عبد الرحمن بو درع
    نائب رئيس المجمع
    • Mar 2012
    • 806

    #1

    الاستعارَة وسيلةٌ للانتقالِ من القَول إلى الإنجاز


    يَجْري الإنسانُ وراءَ الاستعاراتِ التي يَحْيا بها، والتشبيهاتِ التي يُقارِبُ بها، والمَجازاتِ التي يهربُ بِها
    ، والتّورِيَة التي يَخْتَفي بها ليزدادَ ظهوراً، بحثاً بهذه المُكبِّراتِ، عن الحَقيقَة، فلا يظفَرُ منها إلاّ بأماراتٍ
    وعلاماتٍ تَدْعوه إلى سلوكِ سُبُلٍ أخْرى، ويظلّ ينتقلُ ويَجري، لأنّه قُدِّرَ له أن يُفكِّرَ بالاستعارَة، ويَحْيا
    بالاستعارَة، ويتصوَّر بالاستعارَة، ويُدْرِك الكونَ بالاستعارَة... إنّها محنةُ البَيان التي ابْتُليَ بها أصحابُ البَيان

    هذا وإنّ للاستعارَة قُدرةً على الانتقالِ بالإنسانِ من الفكرِ إلى الفعلِ، ومن الكلمةِ إلى الإنجازِ، وذلِكَ
    عندَما تُتَّخذُ وسيلةً للقَتل؛ تُصبحُ أداةَ قتلٍ لأنّهم يتّخذونَها لتَسويغ القَتْل، يُمهّدونَ بها لتهوين خَبَر القتلِ
    على نفسيّاتِ الرأي العامّ: تَهويلُ صورَة صدّام بالصّور والتّشبيهات المُثيرَة لاستساغَة شَنقه وتَدمير بلادِه،
    تَهويل صورة أي شخص يُريدونَ أن يُسقطوه أو يَقتلوه باستخدام المُبالَغات والتّشبيهات الصّادمَة، انظُرْ مَثلاً :
    لَقَد تعجّب الكافرونَ وهوّلوا دعوةَ رَسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلى التّوحيد ليُشنّعوا عليه أمام الناس :
    «وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ» سورَة ص، 4-5، فاستخدَموا
    بَلاغَةَ الاستفهام الإنكاريّ وبلاغَةَ التّعجّب للانتقال من الكلمةِ إلى الفعلِ
  • عبدالله بنعلي
    عضو نشيط
    • Apr 2014
    • 6053

    #2
    أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)
    { كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } .
    بعد أن كُشف ما انطوت عليه نفوسهم من العزة والشقاق وإحالة بعثة رسول للبشر من جنسهم ، حوسبوا بما صرحوا به من القول في مجلسهم ذلك ، إشارةً بهذا الترتيب إلى أن مقالتهم هذه نتيجة لعقيدتهم تلك .
    وفي قوله : { الكافِرونَ } وضْعُ الظاهر موقع المضمر وكان مقتضى الظاهر أن يقال : «وقالوا هذا ساحر» الخ ، وهذا لقصد وصْفهم بأنهم كافرون بربهم مقابَلَة لما وَصَمُوا به النبي صلى الله عليه وسلم فوُصفوا بما هو شتم لهم يجمع ضروباً من الشتم تأصيلاً وتفريعاً وهو الكفر الذي هو جماع فساد التفكير وفاسد الأعمال .
    ولفظ { هذا } أشاروا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعملوا اسم الإِشارة لتحقير مثله في قولهم : { أهذا الذي يذكر آلهتكم } [ الأنبياء : 36 ] وإنما قالوا مقالتهم هذه حين انصرافهم من مجلس أبي طالب المذكورِ في سبب نزول السورة جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بمحضره كأنه حاضر حين الإِشارة إليه .
    وجَعلوا حالهُ سحراً وكذباً لأنهم لما لم تقبَل عقولهم ما كلمهم به زعموا ما لا يفهمون منه مثل كون الإله واحداً أو كونه يعيد الموتى أحياء سحراً إذ كانوا يألفون من السحر أقوالاً غير مفهومة كما تقدم عند قوله تعالى : { يعلمون الناس السحر } في سورة [ البقرة : 102 ] . وزعموا ما يفهمونه ويحيلونه مثل ادعاء الرسالة عن الله كذباً . وبينوا ذلك بجملتين : إحداهما { أجعل الآلهة إلها واحداً } ، والثانية جملة { أءُنزلَ عليه الذكر من بيننا } [ ص : 8 ] .
    ( فجملة { أجَعَلَ الآلهة إلهاً واحداً } بيان لجملة { هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ } ، أي حيث عدوه مباهتاً لهم بقلب الحقائق والأخبار بخلاف الواقع .
    والهمزة للاستفهام الإِنكاري التعجيبي ولذلك أتبعوه بما هو كالعلة لقولهم : { ساحر } وهو { إنَّ هذا لشيء عجاب } أي يتعجب منه كما يتعجب من شعوذة الساحر .
    و { عُجاب } : وصف الشيء الذي يتعجب منه كثيراً لأن وزن فُعال بضم أوله يدل على تمكن الوصف مثل : طُوال ، بمعنى المفرط في الطول ، وكُرام بمعنى الكثير الكرم ، فهو أبلغ من كريم ، وقد ابتدأوا الإِنكار بأول أصل من أصول كفرهم فإن أصول كفرهم ثلاثة : الإِشراكُ ، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإنكار البعث ، والجزاءِ في الآخرة .

    تعليق

    يعمل...