التَّوافُقُ أَحَدُ مَظاهِرِ عَلاقَةِ عِلْمِ الْعَروضِ بِعِلْمِ الصَّرْفِ=4

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    التَّوافُقُ أَحَدُ مَظاهِرِ عَلاقَةِ عِلْمِ الْعَروضِ بِعِلْمِ الصَّرْفِ=4

    • طَبيعَةُ السّاكِنِ وَالْمُتَحَرِّكِ وَتَواليهِما
    السّاكِنُ وَالْمُتَحَرِّكُ عِنْدَ الْقُدَماءِ
    [17] يطلق مصطلح ( الساكن ) و( المتحرك ) ، في علمي العروض والصرف ، على ( الحرف ) ؛ فكل من اللام والألف والواو والياء في أواسط هذه الكلمات : ( عِلْم ، باب ، قَوْل ، دور ، بَيْن ، عيد ) ، حرف ساكن ، وكل من اللام والواو والياء في أواسط هذه الكلمات : ( طَلَع ، أَوَد ، قِيَم ، حَلُم ، عَلِم ، حَوِر ، أَيِس ) ، حرف متحرك .
    وقد قام على أساس طبيعة الساكن والمتحرك وطريقة تواليهما أحدهما أو كليهما ، حديث علماء العروض والصرف جميعا ، في الوزن وغيره من مسائل هذين العلمين ، حتى صارت ضرورةً معرفةُ هذا الأساس ، قال ابن عبد ربه : " اعلم أن أول ما ينبغي لصاحب العروض أن يبتدئ به ، معرفة الساكن والمتحرك ؛ فإن الكلام كله لا يعدو أن يكون ساكنا أو متحركا " ، وليس صاحب الصرف بمَنْأًى ، وتَفَقُّد كُتُبِه دليل لا يُرَدُّ .
    السّاكِنُ وَالْمُتَحَرِّكُ عِنْدَ الْمُحْدَثينَ
    [18] وبتقدم البحث في علم الأصوات وأدوات القياس ، مَيَّزَ الباحثون المحدثون طائفتين من ( الأصوات ) ، واضحتي المعالم ، لم يطابقا طائفتي المتحركات والسواكن ، السابقَ بيانُهما تماما :
    1 طائفة ما يقبل من الأصوات موقع بِداءَة المقطع ، ويصح قمة له .
    2 طائفة ما لا يقبل موقع بِداءَة المقطع ، ويصح قمة له .
    ثم رجعوا إلى ( المتحرك ) ، فشقوه نصفين ، ليجعلوا نصفه الأول من الطائفة الأولى ، ونصفه الآخر من الطائفة الأخرى ، وإلى ( الساكن ) ، ليخرجوا مما أودعه القدماء فيه ، ألف المد وواوه وياءه ؛ فيجعلوها من الطائفة الأخرى لديهم ، وواو اللين وياءه ، ليجعلوهما نمطا مزدوجا من أصوات الطائفة الأخرى نفسها ، غير أن بِداءَته تنتمي إلى الطائفة الأولى ؛ ومن ثم احتاج هؤلاء الباحثون المحدثون إلى أن يستبدلوا بالساكن والمتحرك ، مصطلحين مقبولين ؛ فكان منهم من أطلق على صوت الطائفة الأولى مصطلح ( الصامت ) ، وعلى صوت الطائفة الأخرى مصطلح ( الصائت ) ، وكان منهم من قال بـ( الصامت ) و( المصوِّت ) ، ولكن كان منهم من أخذ من القدماء وعدل ؛ فقال بـ( الساكن ) لصوت الطائفة الأولى ، و( الحركة ) لصوت الطائفة الأخرى ، وكل منهم معنيٌّ بالجانب الوظيفي من الأصوات ، لا النُّطقي ولا الفيزيقيّ ، وهو ما أراه بقية من تَأَثُّرِ منهج القدماء .
    بَيْنَ الْحَرَكاتِ الْقَصيرَةِ وَالطَّويلَةِ
    [19] لقد انكشف أن علماءنا القدماء كانوا يرون أن الصوائت الطويلة ( حروف المد ) ، مشكولة بالسكون ، ومسبوقة بحركة من جنسها ، وأنهم راعوا رأيهم هذا في علمي العروض والصرف جميعا ؛ ففي حين ميزوا فتحة ما قبل ألف التَّأْسيس ، عن الألف ، وسموها ( الرَّسَّ ) ، وحركات ما قبل ألف الرِّدْف وواوه ويائه ، عنها وسموها ( الحَذْوَ ) ، وحركات ما قبل ألف الوصل وواوه ويائه ، عنها وسموها ( المَجْرى ) ، وغير ذلك ، في علم العروض - جعلوا ما يسكن من حروف العلة بعد حركة مناسبة ( أي فتحة قبل الألف ، وضمة قبل الواو ، وكسرة قبل الياء ) ، مدا ، في حين يجعلون الواو والياء ، متى سكنتا بعد فتحة ، حَرْفَيْ لينٍ لا مَدٍّ ، وكذلك جعلوا تغيير ( لَمْ يَخافْ ) إلى ( لَمْ يَخَفْ ) ، تخلصا من التقاء الساكنين بحذف الألف بعد الخاء ، وغير ذلك ، في علم الصرف .
    إنما كان ذلك ، عند بعض اللغويين المحدثين ، نتيجة أمرين : "
    1 أن الصائت الطويل في التحليل العروضي كما وضعه الخليل ، يحسب صوتا ساكنا مسبوقا بحركة من جنسه ؛ فتحليل كلمة مثل ( بي ) تحسب على أنها مؤلفة من : متحرك + ساكن ، أي من صوتين ، وهي فونولوجيًّا مؤلفة من : باء + كسرة + كسرة ، أي من صامت وحركتين قصيرتين ، وهي تشبه من الناحية العروضية كلمة مثل ( لَمْ ) التي تحسب على أنها مكونة من : متحرك + ساكن ، وهي فونولوجيًّا مؤلفة من : لام + فتحة + ميم ، أي من صامت وحركة قصيرة وصامت . وسَوَّغَ ذلك للخليل أن مثل هذه الكلمات من حيث الكَمِّ - هكذا - المقطعي متساوية . وهو ما يوضحه تبادلهما في بيت من الشعر ، ودون أن يؤدي ذلك إلى إخلال بالوزن .
    2 المساواة في طريقة الكتابة بين الصامت والصائت الطويل " .
    لقد كان من ذكاء هذا اللغوي الفاضل ، أن وازن بين ( لمْ ) و( بي ) ، لأن الهواء والجَهْر كليهما ، يستمران في الميم على رغم سكونها ؛ فيتطابق زمنا المقطعين ، أما إذا وازن بين المقطع ( قَطْ ) في ( قَطْرة ) ، والمقطع ( قا ) في ( قارة ) ، فلن نستطيع أن نحكم بتطابقهما زمنا كما كان فيما قبلهما ، لاحتباس الهواء والجهر كليهما في الدال الساكنة ، لكنني لا أنكر أنهما متقاربان زمنا ، وأن الشاعر أولا ثم المنشد من بعده ، يستفيدان من هذا التقارب ، إنابة أحدهما عن الآخر ، مما كان عند أستاذنا الدكتور محمد حماسة ، أحد مقومات مرونة الشعر العربي ، وهو ما راعاه علم العروض بإطلاقه مصطلح السبب الخفيف عليهما جميعا ؛ فكان موضع نقد بعض الباحثين ؛ إذ رأوا فيه مجافاة للحقيقة ومراعاة للشكل البحت ، وأنه لم يعد مقبولا أن نصبر على هذه التسوية بين ما لا يتساوى ، بعد النتائج المذهلة للقياس الصوتي والزمني المتطور .
    ومازلت أدعو مع الداعين إلى الانتباه إلى مخالفة غاية شيخنا الخليل ومن تبعه ، لغاية علمي الأصوات والموسيقا الحديثين ومن اعتمد عليهما ، في أن الأولى وظيفيَّة ، لا ضرر من أن نتغياها مع الأخرى ؛ فننجح عملا وعلما .
    أما خداع الكتابة للباحث ، فشائع ذائع ، يظل مانعا من الاعتماد عليها عند التحقيق ، والاستناد إليها . ولقد زاد من التخليط في هذه المسألة ، أن بعض الكاتبين كان يضع فتحة على ما قبل ألف المد ، وضمة على ما قبل واو المد ، وكسرة على ما قبل ياء المد .
    خُصوصيَّةُ إيقاعِ الْوَزْنِ
    [20] إن الوزن نمط خاص من الإيقاع ؛ فإن الإيقاع عبارة عن التناوب المتوالي لظاهرتين أو حالين متضادتين ، كالمشي والوقف ، والصحو والنوم ، وليس الوزن ( الإيقاع اللغوي ) بمختلف عن هذا ؛ فهو " يتولد من توالي الأصوات الساكنة والمتحركة على نحو خاص ، بحيث ينشأ عن هذا التوالي وحدة أساسية ، هي التفعيلة التي تتردد على مدى البيت ، ومن ترددها ينشأ الإيقاع ، ومن مجموع مرات التردد في البيت الواحد يتكون ما يسمى بالوزن الشعري " .
    إنه إذا كان الوزن العروضي يخرج بترديد هذه الوحدة الأساسية ، فإن الوزن الصرفي يخرج فيها ومن خلالها هي نفسها .
    ضَبْطُ تَوالِي الْمُتَحَرِّكاتِ
    [21] ولما كان ذلك كذلك ، كره علماء الصرف والعروض جميعا ، توالي المتحركات ، ومنعوه إذا تجاوز الحد ، لأنه " يلزم أن تكون متحركات حروف الأقاويل الموزونة متحركات محدودة ، وأن تتناهى أبدا إلى ساكن " ؛ فالإيقاع في الوزنين العروضي والصرفي جميعا ، معتمد على ذلك التناوب السابق ذكره .
    أما علماء العروض فقد وصفوا الزحاف المُزْدَوِج بالقبح ، لشدة ما يحدثه من تغيير ، ومن هذا إخراج أربعة متحركات متوالية ، كما في خَبْلِ ( مُسْتَفْعِلُنْ ) الذي يحولها إلى ( مُتَعِلُنْ ) ، واستعملوا للزحاف بعامة ، قوانين المُعاقَبة والمُراقَبة والمُكانَفة ، وهي ضوابط مدى حُرّيّته ، التي تَمْنَعُ منه مَثَلًا ما يؤدي إلى توالي أكثر من أربعة متحركات ، قال الدماميني عن زحاف بحر المنسرح : " المعاقبة فيه واقعة في ( مستفعلن ) الذي بعد ( مفعولات ) ، فتعاقب فاؤه سينَه ، وذلك لأنهما لو أسقطا حتى يصير الجزء إلى ( فَعِلَتُنْ ) وقبلها تاء ( مفعولاتُ ) لاجتمع خمس حركات ، وذلك لا يتصور وقوعه في شعر عربي أبدا " ، وفي مرة أخرى قال : " وهو لا يُتَصَوَّرُ في شعر عربي أصلا " .
    إنه إذا كان خبل ( مستفعلن ) مكروها ، فخبلها بعد ( مفعولات ) ممنوع .
    أما علماء الصرف فقد منعوا توالي أربعة متحركات في كلمة واحدة أو ما بمثابتها ، لأنها معرضة لأن يسبقها أو يلحقها متحرك أو أكثر ، وعندئذ يقع المحظور ، قال سيبويه : " أحسن ما يكون الإدغام في الحرفين المتحركين اللذين هما سواء إذا كانا منفصلين ، أن تتوالى خمسة أحرف متحركة بهما فصاعدا . ألا ترى أن بنات الخمسة وما كانت عدته خمسة لا تتوالى حروفها متحركة ، استثقالا للمتحركات مع هذه العدة ، ولابد من ساكن . وقد تتوالى الأربعة متحركةً في مثل ( عُلَبِط ) ، ولا يكون ذلك في غير المحذوف . ومما يدلك على أن الإدغام فيما ذكرت لك أحسن ، أنه لا يتوالى في تأليف الشعر خمسة أحرف متحركة " ، وقال ابن عصفور - فزاد بيانا - : " كذلك ( جَنَدِل ) ، و( ذَلَذِل ) ، ليس فيه دليل على إثبات ( فَعَلِل ) في أبنية الرباعي ، لأنهم قالوا ( جَنادِل ) و( ذَلاذِل ) في معناهما ؛ فهما مخففان منهما . ومما يؤيد ذلك أنه لا يتوالى في كلامهم أربعة أحرف بالتحريك ؛ ولذلك سكن آخر الفعل في ( ضربْت ) ، لأن ضمير الفاعل يَتَنَزَّلُ من الفعل منزلة جزء من الكلمة ؛ فكرهوا لذلك توالي أربعة أحرف بالتحريك . فإذا كان ممتنعا فيما هو كالكلمة الواحدة ، فامتناعه فيما هو كلمة واحدة أَحْرى " .
    إن توالي أربعة متحركات في كلمة واحدة أو ما هو بمنزلتها ، غير تواليها في كلمتين ، لأن الأول أصلي قائم أبدا ، والآخر عارض يحتمل ألا يكون ؛ ومن ثم أوجبوا قطع التوالي الأول بساكن ولم يملكوا في الآخر إلا أن يكرهوه ، ويُزَيِّنوا للمتكلم تسكين الإدغام كلما اجتمع له حرفان متماثلان أو متقاربان .
    وَهْمُ تَوالِي الْمُتَحَرِّكاتِ الْكَثيرَةِ
    [22] لاحظ الدكتور أحمد بسام ساعي ، في الشعر الحر الذي يسميه " التَّوْقيع " ، توالي خمس حركات ، ورآه ظاهرة شديدة الخطورة ، لما فيها من هدم لقانون التوالي السابق ذِكْرُه وشَرْحُه ، غير أنه توقف في مسألة منع عروض الشعر العربي لها ، قائلا : " توالي الحركات في الشعر العربي لم يمنعه العروض بقدر ما منعته اللغة ؛ فاللغة العربية في طبيعتها تفتقد التراكيب التي يتوالى فيها أكثر من أربع حركات ، وباستطاعتنا أن ننظم بيتا أو أبياتا تتوالى فيها حركات كثيرة قد تتجاوز العشر " ، وهو ما فعله في الحاشية قائلا : " كما في هذا البيت - وأرجو أن ينظر إليه من الناحية العروضية فقط - :
    أَوَلَمَسَ وَعَرَفَ حَقيقَةَ أَنَّ (م) جِهادَ الْحُبِّ عَلَيْهِ عَزيزْ
    فَعَلَلُ فَعَلَلُ فَعَلُـنْ فَعَلُـنْ فَعَلُنْ فَعْلُنْ فَعَلُنْ فَعَلانْ
    وقد توالى في الشطر الأول إحدى عشرة حركة ، ولكننا نعجز عن إتمام البيت على هذا الأساس ، والأذن العربية لا تنبو عن موسيقاه ، والعائق كما هو واضح ، لغوي لا عروضي أو موسيقي " - ثم يكمل في المتن - " ولكن هذا لن يكون أمرا ميسورا في لغة كاللغة العربية ، وسنعجز عن إتمام البيت أو الأبيات على تلك الصورة من غير تكلف واقتسار ظاهرين " .
    إنني أعجب من تمييزه على هذا النحو ، بين الوزن العروضي وهو ما عبر عنه بالعروض ، والوزن الصرفي وهو ما عبر عنه باللغة ؛ إذ ليس الأول إلا تركيبا للآخر ، هذه واحدة .
    ثم إن اللغة لم تمنع توالي المتحركات - لا الحركات كما ذَكَرَ خطأ - إلا في الكلمة الواحدة أو ما بمثابتها ، أما فيما سواهما فالكراهة فقط ، هذه أخرى .
    ثم إن في توالي المتحركات اختلالا إيقاعيا ألصق بالنثر منه بالشعر ، قال الجوهري في خلال تفصيله لعلل العروض المرفوضة : " الثالثة ترك الوزن ، كالجمع بين خمس متحركات ، وتحريك سواكن الأوتاد والأسباب ونحوها ، مما يدرك بالذوق نبو الطبع عنه لفساد النظم . وهذا لا يَسوغ للمحدث ولا للقديم ، لأن فيه تركا للوزن ، وإخراجا للنظم إلى النثر " ؛ ومن ثم كانت ظاهرة توالي خمسة متحركات ، من ظواهر تسرب النثر إلى الشعر الحر التي أغرم بها شعراؤه ، وحرصوا عليها في أَوَّليَّته ، هذه ثالثة .
    أما الملاحظة الرابعة الأخيرة ، فأن الوزن العروضي يأبى ذلك التوالي الذي يحاول السيد الباحث إقناعنا بقبوله له ، وما زلت منذ أعدت النظر في ذلك البيت الذي صنعه ، أتخيل العربي المدرب وقد اختلس الحركة ؛ فقطع التوالي من أوله ( " أَوَلَمْسَ " بتسكين هذه الميم ) ، وآخره ( " وَعَرْفَ " ، بتكسين هذه الراء ) !
    تَوالِي السَّواكِنِ
    [23] كما كان توالي المتحركات على هذا النحو السابق ، خللا إيقاعيا ، يكون توالي الساكنين المصطلح عليه عند القدماء بالتقاء الساكنين ؛ فإن " السواكن إذا كثرت ثقل مسموع القول وزال بعض بهائه " ، فكيف يكون مسموع القول إذا توالت والتقت !
    ضَبْطُ تَوالِي السَّواكِنِ
    [24] إن التقاء الساكنين ينشئ هذه المقاطع التي راعيت أن يكون كل منها كلمة مستقلة ، وأن تكون أسماؤها الاصطلاحية قريبة متلائمة :
    1 " لامْ " بتسكين الميم = س ح ح س : المقطع المُسْتَطيل المغلق بصامت واحد .
    2 " لـمّْ " بتضعيف الميم وتسكينها : المقطع الذي يجعله طَويلًا مُغْلَقا = س ح س ، من يراعى النطق وحده - فبعض العلماء يراه صوتا واحدا مُثَقَّلا - ويجعله مستطيلا مغلقا بصامتين = س ح س س ، من يراعي الوظيفة وحدها .
    3 " لـمْحْ " بتسكين الميم والحاء = س ح س س : المقطع المستطيل المغلق بصامتين .
    4 " لامّْ " بتضعيف الميم وتسكينها : المقطع الذي يجعله مستطيلا مغلقا بصامت واحد = س ح ح س ، من يراعي النطق وحده ، ويجعله مُتَطاولا = س ح ح س س ، من يراعي الوظيفة وحدها .
    ولقد قسم أستاذنا الدكتور سعد مصلوح ، المقاطع على حسب وقوعها في الكلمة ، على قسمين : حُرّ ، ومُقَيَّد . فأما المقطع المقيد فيقع في نهاية الكلمة عند الوقف عليها ، ويشمل من الأنواع السابقة ( 2 ، 3 ، 4 ) ، وأما المقطع الحر فيقع في بداءة الكلمة ووسطها ونهايتها ، ويشمل النوع ( 1 ) ، الذي مثل له أستاذنا قائلا : " مثاله ( رادُّك ) ، و( تَحاضّون ) ، و( تَقاصّ ) . وتتجه العربية المعاصرة إلى التقليل من استعمال هذا النوع من المقاطع . وقد لاحظ علماء السلف كالمُبَرِّد ، أن هذا الضرب لا يقع في عروض الشعر إلا ما كان من قول القائل :
    فَرُمْنا الْقِصاصَ وَكانَ التَّقاصُّ فَرْضًا وَحَتْمًا عَلى الْمُسْلِمينا
    ويعلق المبرد بقوله : ( ولو قال : وكان القصاص ، لكان أجود)" .
    إن استعمال هذه الأنواع الأربعة جميعا ، يعطل تدفق الأصوات ، ويخل بإيقاعها ؛ ولذا حصرته العرب في نهاية الكلمة ، وعند الوقف الذي هو خاتمة ذلك التدفق وهذا الإيقاع ، غير أنهم استعملوا النوع الأول في الوصل ( أي غير الوقف ) في نثرهم وشعرهم ، وبلسان عربي مبين نزل القرآن الكريم ؛ فاحتاج هذا الاستعمال إلى فضل نظر .
    أما الشعر فقد شذ فيه هذا البيت الذي اجتمع فيه قَصْر تفعيلة العروض ( فعولن ) إلى ( فعولْ ) - وهو ما لا يكون إلا عند التصريع الذي يقف فيه الشاعر ومن بعده المنشد ، على العروض ، مثلَ وقوفه على الضرب - والتدوير الذي ينبهنا إلى شدة اتصال شطري البيت ، فضلا عما يوحي به سبق كلمة ( القصاص ) ، من أن في مجيء كلمة ( التقاص ) تَعَمُّلًا واصطناعا .
    أما النثر فإننا إذا أحصينا ما وقع فيه هذا المقطع في غير النهاية من الكلمات ، ثم طرحنا الخاص منها والشاذ ، لم نجده يخرج عما في مثل ( ضالّ ) ، و( تُمودَّ ) المبني للمجهول من ( تَمادَّ ) ، و( دُوَيْبَّة ) مصغر ( دابَّة ) ، أي يقع كذلك بشرطين : الإدغام وتوحد الكلمة .
    ثم إن هذا المقطع في مثل : ( تُمودَّ ) ، و( دُوَيْبَّة ) ، أقل في لغة العرب منه في مثل ( ضالّ ) ، فضلا عن أن العرب كانت تهمز ألف مثل ( ضالّ ) ، كما في قول راجزهم :
    " خاطمَها زَأَمَّها أَنْ تذهبا "
    أي زامّها ، ولولا الهمز لانكسر الوزن ، حتى لقد قرأ قراؤهم بالهمز قول الحق - سبحانه ، وتعالى ! - : " ولا الضالّين " ، هكذا : " ولا الضَّأَلّين " ، وقوله : " عَنْ ذَنْبِه إِنْسٌ وَلا جانٌّ " ، هكذا : " وَلا جَأَنٌّ " .
    لقد شطر هؤلاء الهامِزون ، المقطع المستطيل المغلق بصامت واحد " زامْ ، ضالْ ، جانْ = س ح ح س ، " شطرين ؛ فأخرجوا منه مقطعين : أولهما قصير " زَ ، ضَ ، جَ = س ح " ، والآخر طويل مغلق " أَمْ ، أَلْ ، أَنْ = س ح س " ، استثقالا منهم لذلك المقطع المستطيل الذي يعوق تدفق الأصوات ويخل بإيقاعها شيئا ما .
    وإن معالجة النطق لتهديني إلى احتمال أن يختلس العربي المد - إن لم يهمزه - وأن يكتفي بشيء من النبر لا يعطل تدفق الأصوات ولا يخل بإيقاعها ؛ فيعيد ذلك البيت الشاذ إلى جادة الوزن ، هكذا : ... وَكانَ التَّقَصُّ فَرْضًا ... !
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...