طول الجملة
}29 { لما اتحد بين طرفى المقارنة بحراهما العروضيان ، وظهرت حدود جملهما ، صلحت التفاعيل مقياسًا لطول الجملة ، فأطْلعنا الجدول السابع على ما يلى :
أولاً - كانت الجملة فى الخالفتين أقصر منها فى السالفتين .
ثانيًا - كان فارق طول جملة الخالفة عن طول جملة السالفة ، فى الثامنتين أيسر جدًّا منه فى السادستين .
لقد كان صاحب السالفتين واحدًا عفوًا ، وصاحب الخالفتين واحدٌ قصدًا ، ولكل شاعر طريقته التى يملأ بها فضاء أبياته ، وقد تبين أنها طريقة مستمرة علـى أنحـاء
متقاربة:
قالت السالفة السادسة :
" رسم وقفنا على رسم الوفاء له نجيش بالدمع والإجلال يثنينا
لفتيـةٍ لا تنال الأرض أدمعهم ولا مفارقهـم إلا مصلينـا
لو لم يسودوا بدين فيه منبهة للناس كانت لهم أخلاقهم دينا "
فقالت خالفتها :
" أين الألى من رجال العلم واأسفا بفقدهم أصبح الإسلام محزونا
وأيـن قرطبـة مَن مثل أحمدها بها نقيم له الذكرى ميادينـا
وأين مسجدك المشهور واألمى قد بات فى يد أهل الشرك يشكونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروْحات والخطرات والإسرار والإعلان
هـل قام قبلك فى المـدائن فاتح غاز بغيـر مهند وسنـان
يدعـو إلى العلم الشريف وعنده أن العلوم دعائم العمران "
فقالت خالفتها :
"يـا شيخ من خلفت فى حفظ الوفا ومكارم الأخلاق والإحسان
يـا شيخ من ذا يلتقى بمحمد وسعاد من شوق عليـك تعانى
من ذا لإسماعيل إن سمحت به أرض الحجاز طويلة الأغصان "
إنه إذا كان السالف فى السادسة قد حذف المبتدأ ثم أقبل ينعت الخبر ، على نهج عربى قديم (72) ، نعتين أحدهما جملة فعلية والآخر شبه جملة حرفى ، ثم أقبل ينعت المجرور من شبه الجملة الحرفى نعتين جملتين فعليتين ، وفى الثامنة قد استعمل جملة النداء الفعلية بمنادى مضاف ، ثم أقبل يعطف على المضاف إليه أربعة معطوفات ، ثم ثنى بجملة فعلية علق بفعلها متعلقين وبفاعلها نعتين ، فاستطال بخبرته ومقدرته - فإن خالفه فى السادسة قد اعترض الجمل الاسمية الثلاث بجملة النداء الفعلية ، مرتين ، وبجملة الاستفهام الاسمية مرة ، وفى الثامنة قد قدم جملة النداء الفعلية ، مرتين ، قبل جملتي الاستفهام الفعلية ثم الاسمية ، وقدم جملة الاستفهام القصيرة قبل جملة الشرط الفعلية ، فكان يصيب فائدة تارة ، كما فى " من مثل أحمدها " الذى يزيد الأسف ويوضح الانتساب إلى قرطبة ، وفى " من ذا لإسماعيل " الذى يوغل فى التفجع ، وكان يخطئها تارة ، فيخرج إلى الحشو الظاهر ، كما فى " واأسفا " ، و" واألمى " ، و" يا شيخ " ، فيقع بقلة حيلته بين فكّى رحًى عَروك .
امتداد الجملة
}30 { إن النصوص التى قارنا أساليبها بالاطلاع على نوع الجملة ثم طولها فى كل منها ، تحتاج أبدًا إلى الاطلاع على علاقة الجملة بغيرها فى كل منها الذى كان القدماء يسمونه " معرفة الفصل من الوصل " ويجلونه حتى ربما قصروا عليه صفة البلاغة (73)؛ فما النَّصّ إلا جمل مترابطة (74).
وإن الجداول الثامن والتاسع والعاشر والحادى عشر ، لتطلعنا على ما يلى :
أولا - وافقت الخالفتان السالفتين فى أول ميلهما وكان إلى استعمال الاستئناف طريقة امتداد .
ثانيًا - كانت نسبة فارق الاستئناف عن العطف فى السالفة السادسة ( 51.86% ) ، وفى خالفتها ( 50% ) ، وهما متقاربتان ، غير أنها كانت فى السالفة الثامنة ( 37.84% ) ، وفى خالفتها ( 62.96% ) ، وهما متباعدتان .
ثالثًا - خالفت الخالفتان السالفتين فى ترجيح استعمال الترتب على استعمال الاعتراض ؛ فبينما استعملت السالفة السادسة الاعتراض والترتب الشرطى واستعملت السالفة الثامنة الترتب الشرطى والقسمى ، استعملت الخالفة السادسة الاعتراض والخالفة الثامنة الترتب الشرطى والاعتراض .
قالت السالفة الثامنة :
" لـــو أن أوطانًا تصور هيكلاً دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل فى الجوارح ميت حملوك فى الأسماع والأجفان
أو كـان للذكر الحكيم بقية لم تأت بعد رثيت فى القرآن ...
يا صب مصر ويا شهيد غرامها هذا ثرى مصر فنم بأمان
اخلع على مصر شبابك عاليًا والبس شباب الحور والولدان "
فقالت خالفتها :
" من للعصافير الذين بجنبه من صلب إسماعيل فى الوُجْدان
مـن ذا يقبل كل خد منهم وقت الصباح بنشوة الولـهان
مـن ذا إليه يهرعون بشوقهم بعد الدراسة مفعمًا بحنان "
تترابط الجملتان بعطف الاسمية منهما على نظيرتها والفعلية على نظيرتها ، وفى عطف الفعلية على الاسمية وعكسه ، خلاف ، غير أن الأرجح جوازه . ولعموم ترابطهما شروط ثلاثة :
أولها - ألا تختلفا خبرًا وإنشاءً .
ثانيها - ألا تتصلا معنىً اتصالاً كاملاً بحيث تكون الأخرى كأنها الأولى .
آخرها - ألا تنفصلا معنىً انفصالاً كاملاً بحيث تبدو الأخرى كأنها غريبة عن الأولى وإن جمعتهما رسالة النص .
إذا كانت الشروط جاز العطف ، وإذا لم تكن وجب الاستئناف (75) .
وشعراء العرب من قديم - ومنهم العمانيون - يجتهدون ألا يعلقوا الأبيات بعضها ببعض ، ويرونه عيبًا يسَمُّونَه " التَّضمين " أى جعل البيت فى ضمن البيت (76) ؛ فهو يمنعهم أن يقتطعوه ليرووه فى المواقف وحده . وإن إيثار نماذج المقارنة جميعًا استعمال الاستئناف طريقة لامتداد الجملة ، لبقية مما ترك القدماء ، وإنما الذى خالَفَ بينهما ميلُ السالف إلى تنسيق أجزاء البيت ، على حين مال خالفه إلى تنسيق الأبيات ، ولا سيما فى الثامنتين اللتين مثلتُ منهما بما يغنى عن غيرهما .
ففي حين انبنى الجزء الأول من نموذج السالفة السابق ذكره ، على أن يتحمل كل بيت جملتين شرطًا وجوابًا بحيث يستطيع من شاء أن يقدر أول الثاني والثالث " لو " محذوفة لدلالة التي في بداءة الأول عليها ، وانبنى جزؤه الآخر على أن يتحمل كلٌّ من صدر أوله وبيته الثاني ، جملتين متعاطفتين وهو نمط من التركيب سبق شبيهه في الفقرة الثامنة والعشرين - انبنى نموذج الخالفة على أن يتحمل كل بيتٍ جملة استفهام تعلق بمسندها ما أتم البيت .
وقد سبق في الفقرة التاسعة والعشرين أن أشرت إلى أمثلة من الجمل الاعتراضية بان فيها طرف من اختلاف الخالف بما استعمل من مد الجملة بالاعتراض الذي ظهر عليه الحشو غالبا .
كلمة القافية
}31 { في موضع القافية ( آخر ساكنين في البيت ، مع ما بينهما من متحركات متى كانت، ومع المتحرك الذي قبلهما )(77)، وموضع كلمتها ( جزء الجملة الذي يؤدي القافية ، كلمة كان أو أقل أو أكثر ، مما يسمى هنا كلمة تجوّزًا) (78) - من البيت وجملته ، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة والفاشلة جميعًا ، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى ، وقدم كلمة على أخرى ، وزاد كلمة دون أخرى ، ونقص كلمة دون أخرى ، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربع المرتبة ترتيبًا منطقيًّا(79) :
الأولى - إكمال نقص السابق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول ، أو العكس متى قدم الشاعر وأخر . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوعان (4،7) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (3،5،6) . وهي مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم .
الثانية - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو فرع آخر من جملته . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر الأنواع (1،3،5،6) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (1،2،7) . وهي مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم .
الثالثة - إضافة بعض اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة ، على أن يكون العنصر الآخر منها في البيت التالي ، وهذا هو " التضمين " السابق ذكره في الفقرة الثلاثين . ولم يقع منها شيء في الجدولين كليهما . وهي مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم .
الرابعة - إضافة كل اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول من الجملة ، على أن يكون مستغنيًا عن ذكر العنصر الأساس الآخر ، باستتاره فيه أو حذفه بعده ، أو تكون كلمة القافية فرعًا متعلقًا بالأساسين المحذوفين بعده . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوع (2) ، وفي الجدول الثالث عشر النوع (4) . وهي مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم .
ولقد أفضى استيعاب معطيات الجدولين إلى ترتيب منازل كلمة القافية في السالفتين، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة (74.75% ) .
الثانية - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة ( 16.14% ) .
الثالثة - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة ( 8.76% ) .
وفي خالفتيهما ، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة ( 68.78% ) .
الثانية - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة ( 16.80% ) .
الثالثة - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة ( 12.96% ) .
لقد تصدرت " زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه " منزلة لكلمة القافية في القصائد كلها :
قالت السالفة السادسة :
" كل رمته النوى ريش الفراق لنا سهما وسل عليك البين سكينا "
فقالت خالفتها :
" وأين قرطبة مَنْ مِثْلُ أحمدِها بها نقيم له الذكرى ميادينا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروحات والخطرات والإسرار والإعلان "
فقالت خالفتها :
" يا آل إبراهيم إن عزاءكم لعزاؤنا في السر والإعلان "
فكما بالغت السالفة السادسة في المعنى بزيادة الحال " سكينا " ، بالغت خالفتها بزيادة الحال " ميادينا " ، وكما بالغت السالفة الثامنة في المعنى بزيادة المعطوف " الإعلان " ، حذت خالفتها حذوها حتى لقد نقلت عنها ، وإن كان الذي فيهما جميعًا تعبيرًا سياقيًّا يطلب أوله ( المعطوف عليه ) آخره ( المعطوف ) .
وإن في ذلك لدليلا لغلبة المجاهدة على الشاعر العربي في كل زمان ومكان(80) .
ولقد غابت " إضافة بعض اللاحق " من منازل كلمة القافية في القصائد كلها ، فتبين سير الخالف على نهج السالف وسير السالف على نهج الشاعر العربي القديم وتمسكه بذوقه الفني .
ولقد اختلفت المنزلتان الباقيتان ، بين السالفتين وخالفتيهما ، فتقدمت فى السالفتين منزلة " إكمال نقص السابق " ، وتقدمت فى الخالفتين منزلة " إضافة كل اللاحق " :
قالت السالفة السادسة :
" نسقى ثرائهم ثناء كلما نثرت دموعنا نُظمت منهامراثينا "
فقالت خالفتها :
" يشكو إلينا ولكن من يناصره مات المناصر إلا من يغنّونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يزجون نعشك فى السناء وفى السنا فكأنما فى نعشك القمرانِ "
فقالت الخالفة :
" يا أم يا أماه ها ذاك الذى ذبح النفوس ولا طبيب شفانى "
فإذا كانت السالفة السادسة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم نائب الظرف وما أضيف إليه " كلما ... " على فعله " نظم " ، وبتقديم الجار والمجرور " منها " إلى جوار فعلهما نفسه ، ليأتى نائب الفاعل المضاف إلى ضمير المتكلمين " مراثينا " كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله¬ - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تُمَهِّدْ له ، بل مرت فى البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت فى المأزق جملة الصلة الفعلية المضارعية " يغنونا " من الفعل المشتمل على فاعله . وإذا كانت السالفة الثامنة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم الخبر شبه الجملة " في نعشك " ، ليأتي المبتدأ " القمران" كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تمهِّدْ له ، بل مرت في البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت في المأزق جملة فعلية " شفاني " من فعل مشتمل على فاعله متصل بمفعوله ضمير المتكلم ، خبرًا ( للا ) تصلح نعتًا ( لطبيب ) بتأوّل .
إن فيما صنعته الخالفتان لدليلا لإيثارهما الشجاعة على الإحكام الذي آثرته السالفتان ، وتمسكًا بنهج الشاعر العماني المعاصر(81) .
علاقات الأبيات
}32 { إن مقارنة العلاقات النحوية لكل بيت من الأبيات التي خمسها أبو سرور ، تفضى - كما بين الجدول الرابع عشر الأخير - إلى الملاحظات التالية :
أولا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، متصلة في السالفتين ( قصيدتي البارودي وأبي وسيم ) ، فانقطعت في الخالفتين(قصيدتي أبي سرور) .
ثانيًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، منقطعة في السالفتين ، فاتصلت في الخالفتين .
ثالثًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في البيت السادس من الوسيمية وحده .
قال أبووسيم :
"5- فيادردم في لــج بحرك ساكنًا وأنت له يا فكر لا تبغ مـعبرا
6- فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولى الناس ماء وسكرا "
فقال أبو سرور :
"6 - فحتام أهوى عزة لغَشَمْشَمِ
وأهوى له تقدير ملك معظم
بذلت حياتي خير بَرّ مكرّمِ
فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولى الناس ماء وسكرا "
ففي حين عطف أبو وسيم جملة الطلب الاستفهامية في البيت السادس ، على جملة الطلب الأمرية في البيت الخامس - قطع أبو سرور جملة الطلب الاستفهامية ، عن جملة الخبر الفعلية قبلها ، واستأنف .
رابعًا - وقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في الأبيات الثالث والعاشر والسادس عشر والتاسع عشر من البارودية ، وفي الأبيات الثاني والثالث والحادي عشر من الوسيمية .
قال البارودي :
"18- ولابد من يوم تَلاعب بالقنا أسود الوغى فيه وتمرح جُرْدُهُ
19 - يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20 - تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مرده "
فقال أبو سرور :
"19- ولابد من يوم يسرك شرقه
غداة يلاقي الغرب ثم يشقه
وتلقى به صهيون ما تستحقه
يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20- فيالك من يوم تسيل سيوله
دماء الأعادي والأسنة غيله
يقوم على الأعداء بالقطع جيله
تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مُرْدُهُ " .
ففي حين عدد البارودي نعوت " يوم " في البيت الثامن عشر ، فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض - قطع أبو سرور جملة الخبر الفعلية ، عن جملة التعجب الفعلية بعدها ، واستأنف ، فإن كان استعمل الفاء ، فلما توحي به من معنى السببية
خامسًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة ، في الأبيات الأول والخامس والتاسع والثامن عشر من البارودية ، والثاني والخامس والسابع والثامن والتاسع والحادي عشر من الوسيمية .
قال أبو وسيم :
" 8- ورب صغير دون قدري قدره يرى نفسه من طور سيناء أكبرا
9- قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
فقال أبو سرور :
" 9- تراني صلبا في جميع المواضع
ولست لمغرور النفوس بخاضع
شموخي على العاتين أقصى تخاضعي
قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
ففي حين قطع أبو وسيم حديثه عن نفسه بالجملة الفعلية ، عن حديثه عن غيره بالجملة الاسمية - عدد أبو سرور مفاعيل " ترى " فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض .
سادسًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة .
إن ضم الملاحظة الثانية إلى الأولى ، يوضح أنه كان صعبًا على أبي سرور أن يقلب أمر الأبيات بتخميسه لها ، رأسًا لعقب ، فيذيبها في قصيدته لتصير لبنة في جدارها أو موجة في بحرها ، أو لتنخلع من حالها الأولى إلى حال أخرى لم تكن لها في أُمّها ، فيُنْسى ما كانت عليه ويذكرَ ما صارت إليه .
وإن ضم الملاحظة الخامسة إلى الثالثة ، يوضح طرفًا من اجتهاد أبي سرور الموفق ، في التأليف بين كلامه وكلام السالف ، وأنه كان بكلام أبي وسيم بلديِّه أحفى منه بكلام البارودي ، وهي علامة أخرى تضاف إلى ما سبق في الفقرة الثانية والعشرين .
وإن ضم الملاحظة السادسة إلى الرابعة ، يوضح مقتضى هذا النمط من العروض الذي يخرج البيت من القصيدة قطعة وكأنه بيتان ونصف ؛ إذ يحتاج إلى أن يستقل كل بيت منه عما قبله وما بعده ، وكأنه من حيث تركيبه النحوي قصيدة وحده(82) .
}29 { لما اتحد بين طرفى المقارنة بحراهما العروضيان ، وظهرت حدود جملهما ، صلحت التفاعيل مقياسًا لطول الجملة ، فأطْلعنا الجدول السابع على ما يلى :
أولاً - كانت الجملة فى الخالفتين أقصر منها فى السالفتين .
ثانيًا - كان فارق طول جملة الخالفة عن طول جملة السالفة ، فى الثامنتين أيسر جدًّا منه فى السادستين .
لقد كان صاحب السالفتين واحدًا عفوًا ، وصاحب الخالفتين واحدٌ قصدًا ، ولكل شاعر طريقته التى يملأ بها فضاء أبياته ، وقد تبين أنها طريقة مستمرة علـى أنحـاء
متقاربة:
قالت السالفة السادسة :
" رسم وقفنا على رسم الوفاء له نجيش بالدمع والإجلال يثنينا
لفتيـةٍ لا تنال الأرض أدمعهم ولا مفارقهـم إلا مصلينـا
لو لم يسودوا بدين فيه منبهة للناس كانت لهم أخلاقهم دينا "
فقالت خالفتها :
" أين الألى من رجال العلم واأسفا بفقدهم أصبح الإسلام محزونا
وأيـن قرطبـة مَن مثل أحمدها بها نقيم له الذكرى ميادينـا
وأين مسجدك المشهور واألمى قد بات فى يد أهل الشرك يشكونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروْحات والخطرات والإسرار والإعلان
هـل قام قبلك فى المـدائن فاتح غاز بغيـر مهند وسنـان
يدعـو إلى العلم الشريف وعنده أن العلوم دعائم العمران "
فقالت خالفتها :
"يـا شيخ من خلفت فى حفظ الوفا ومكارم الأخلاق والإحسان
يـا شيخ من ذا يلتقى بمحمد وسعاد من شوق عليـك تعانى
من ذا لإسماعيل إن سمحت به أرض الحجاز طويلة الأغصان "
إنه إذا كان السالف فى السادسة قد حذف المبتدأ ثم أقبل ينعت الخبر ، على نهج عربى قديم (72) ، نعتين أحدهما جملة فعلية والآخر شبه جملة حرفى ، ثم أقبل ينعت المجرور من شبه الجملة الحرفى نعتين جملتين فعليتين ، وفى الثامنة قد استعمل جملة النداء الفعلية بمنادى مضاف ، ثم أقبل يعطف على المضاف إليه أربعة معطوفات ، ثم ثنى بجملة فعلية علق بفعلها متعلقين وبفاعلها نعتين ، فاستطال بخبرته ومقدرته - فإن خالفه فى السادسة قد اعترض الجمل الاسمية الثلاث بجملة النداء الفعلية ، مرتين ، وبجملة الاستفهام الاسمية مرة ، وفى الثامنة قد قدم جملة النداء الفعلية ، مرتين ، قبل جملتي الاستفهام الفعلية ثم الاسمية ، وقدم جملة الاستفهام القصيرة قبل جملة الشرط الفعلية ، فكان يصيب فائدة تارة ، كما فى " من مثل أحمدها " الذى يزيد الأسف ويوضح الانتساب إلى قرطبة ، وفى " من ذا لإسماعيل " الذى يوغل فى التفجع ، وكان يخطئها تارة ، فيخرج إلى الحشو الظاهر ، كما فى " واأسفا " ، و" واألمى " ، و" يا شيخ " ، فيقع بقلة حيلته بين فكّى رحًى عَروك .
امتداد الجملة
}30 { إن النصوص التى قارنا أساليبها بالاطلاع على نوع الجملة ثم طولها فى كل منها ، تحتاج أبدًا إلى الاطلاع على علاقة الجملة بغيرها فى كل منها الذى كان القدماء يسمونه " معرفة الفصل من الوصل " ويجلونه حتى ربما قصروا عليه صفة البلاغة (73)؛ فما النَّصّ إلا جمل مترابطة (74).
وإن الجداول الثامن والتاسع والعاشر والحادى عشر ، لتطلعنا على ما يلى :
أولا - وافقت الخالفتان السالفتين فى أول ميلهما وكان إلى استعمال الاستئناف طريقة امتداد .
ثانيًا - كانت نسبة فارق الاستئناف عن العطف فى السالفة السادسة ( 51.86% ) ، وفى خالفتها ( 50% ) ، وهما متقاربتان ، غير أنها كانت فى السالفة الثامنة ( 37.84% ) ، وفى خالفتها ( 62.96% ) ، وهما متباعدتان .
ثالثًا - خالفت الخالفتان السالفتين فى ترجيح استعمال الترتب على استعمال الاعتراض ؛ فبينما استعملت السالفة السادسة الاعتراض والترتب الشرطى واستعملت السالفة الثامنة الترتب الشرطى والقسمى ، استعملت الخالفة السادسة الاعتراض والخالفة الثامنة الترتب الشرطى والاعتراض .
قالت السالفة الثامنة :
" لـــو أن أوطانًا تصور هيكلاً دفنوك بين جوانح الأوطان
أو كان يحمل فى الجوارح ميت حملوك فى الأسماع والأجفان
أو كـان للذكر الحكيم بقية لم تأت بعد رثيت فى القرآن ...
يا صب مصر ويا شهيد غرامها هذا ثرى مصر فنم بأمان
اخلع على مصر شبابك عاليًا والبس شباب الحور والولدان "
فقالت خالفتها :
" من للعصافير الذين بجنبه من صلب إسماعيل فى الوُجْدان
مـن ذا يقبل كل خد منهم وقت الصباح بنشوة الولـهان
مـن ذا إليه يهرعون بشوقهم بعد الدراسة مفعمًا بحنان "
تترابط الجملتان بعطف الاسمية منهما على نظيرتها والفعلية على نظيرتها ، وفى عطف الفعلية على الاسمية وعكسه ، خلاف ، غير أن الأرجح جوازه . ولعموم ترابطهما شروط ثلاثة :
أولها - ألا تختلفا خبرًا وإنشاءً .
ثانيها - ألا تتصلا معنىً اتصالاً كاملاً بحيث تكون الأخرى كأنها الأولى .
آخرها - ألا تنفصلا معنىً انفصالاً كاملاً بحيث تبدو الأخرى كأنها غريبة عن الأولى وإن جمعتهما رسالة النص .
إذا كانت الشروط جاز العطف ، وإذا لم تكن وجب الاستئناف (75) .
وشعراء العرب من قديم - ومنهم العمانيون - يجتهدون ألا يعلقوا الأبيات بعضها ببعض ، ويرونه عيبًا يسَمُّونَه " التَّضمين " أى جعل البيت فى ضمن البيت (76) ؛ فهو يمنعهم أن يقتطعوه ليرووه فى المواقف وحده . وإن إيثار نماذج المقارنة جميعًا استعمال الاستئناف طريقة لامتداد الجملة ، لبقية مما ترك القدماء ، وإنما الذى خالَفَ بينهما ميلُ السالف إلى تنسيق أجزاء البيت ، على حين مال خالفه إلى تنسيق الأبيات ، ولا سيما فى الثامنتين اللتين مثلتُ منهما بما يغنى عن غيرهما .
ففي حين انبنى الجزء الأول من نموذج السالفة السابق ذكره ، على أن يتحمل كل بيت جملتين شرطًا وجوابًا بحيث يستطيع من شاء أن يقدر أول الثاني والثالث " لو " محذوفة لدلالة التي في بداءة الأول عليها ، وانبنى جزؤه الآخر على أن يتحمل كلٌّ من صدر أوله وبيته الثاني ، جملتين متعاطفتين وهو نمط من التركيب سبق شبيهه في الفقرة الثامنة والعشرين - انبنى نموذج الخالفة على أن يتحمل كل بيتٍ جملة استفهام تعلق بمسندها ما أتم البيت .
وقد سبق في الفقرة التاسعة والعشرين أن أشرت إلى أمثلة من الجمل الاعتراضية بان فيها طرف من اختلاف الخالف بما استعمل من مد الجملة بالاعتراض الذي ظهر عليه الحشو غالبا .
كلمة القافية
}31 { في موضع القافية ( آخر ساكنين في البيت ، مع ما بينهما من متحركات متى كانت، ومع المتحرك الذي قبلهما )(77)، وموضع كلمتها ( جزء الجملة الذي يؤدي القافية ، كلمة كان أو أقل أو أكثر ، مما يسمى هنا كلمة تجوّزًا) (78) - من البيت وجملته ، تتجلى مجاهدات الشاعر الناجحة والفاشلة جميعًا ، فنراه قد اختار صيغة كلمة دون أخرى ، وقدم كلمة على أخرى ، وزاد كلمة دون أخرى ، ونقص كلمة دون أخرى ، وكل ذلك لا يخرج عن أن يكون في منزلة من هذه المنازل الأربع المرتبة ترتيبًا منطقيًّا(79) :
الأولى - إكمال نقص السابق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الآخر الذي يكمل العنصر الأساس الأول ، أو العكس متى قدم الشاعر وأخر . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوعان (4،7) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (3،5،6) . وهي مقياس عادل لإحكام الشعراء شعرهم .
الثانية - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الفرع الذي يتعلق بأساس أو فرع آخر من جملته . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر الأنواع (1،3،5،6) ، وفي الجدول الثالث عشر الأنواع (1،2،7) . وهي مقياس عادل لمجاهدة الشعراء في شعرهم .
الثالثة - إضافة بعض اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول في جملة جديدة ، على أن يكون العنصر الآخر منها في البيت التالي ، وهذا هو " التضمين " السابق ذكره في الفقرة الثلاثين . ولم يقع منها شيء في الجدولين كليهما . وهي مقياس عادل لإغراب الشعراء بشعرهم .
الرابعة - إضافة كل اللاحق ، وفيها تكون كلمة القافية العنصر الأساس الأول من الجملة ، على أن يكون مستغنيًا عن ذكر العنصر الأساس الآخر ، باستتاره فيه أو حذفه بعده ، أو تكون كلمة القافية فرعًا متعلقًا بالأساسين المحذوفين بعده . ومن هذه المنزلة في الجدول الثاني عشر النوع (2) ، وفي الجدول الثالث عشر النوع (4) . وهي مقياس عادل لشجاعة الشعراء في شعرهم .
ولقد أفضى استيعاب معطيات الجدولين إلى ترتيب منازل كلمة القافية في السالفتين، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة (74.75% ) .
الثانية - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة ( 16.14% ) .
الثالثة - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة ( 8.76% ) .
وفي خالفتيهما ، على النحو التالي :
الأولى - زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه ، بمتوسط نسبة ( 68.78% ) .
الثانية - إضافة كل اللاحق ، بمتوسط نسبة ( 16.80% ) .
الثالثة - إكمال نقص السابق ، بمتوسط نسبة ( 12.96% ) .
لقد تصدرت " زيادة كمال السابق أو زيادة نقصه " منزلة لكلمة القافية في القصائد كلها :
قالت السالفة السادسة :
" كل رمته النوى ريش الفراق لنا سهما وسل عليك البين سكينا "
فقالت خالفتها :
" وأين قرطبة مَنْ مِثْلُ أحمدِها بها نقيم له الذكرى ميادينا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يا طاهر الغدوات والروحات والخطرات والإسرار والإعلان "
فقالت خالفتها :
" يا آل إبراهيم إن عزاءكم لعزاؤنا في السر والإعلان "
فكما بالغت السالفة السادسة في المعنى بزيادة الحال " سكينا " ، بالغت خالفتها بزيادة الحال " ميادينا " ، وكما بالغت السالفة الثامنة في المعنى بزيادة المعطوف " الإعلان " ، حذت خالفتها حذوها حتى لقد نقلت عنها ، وإن كان الذي فيهما جميعًا تعبيرًا سياقيًّا يطلب أوله ( المعطوف عليه ) آخره ( المعطوف ) .
وإن في ذلك لدليلا لغلبة المجاهدة على الشاعر العربي في كل زمان ومكان(80) .
ولقد غابت " إضافة بعض اللاحق " من منازل كلمة القافية في القصائد كلها ، فتبين سير الخالف على نهج السالف وسير السالف على نهج الشاعر العربي القديم وتمسكه بذوقه الفني .
ولقد اختلفت المنزلتان الباقيتان ، بين السالفتين وخالفتيهما ، فتقدمت فى السالفتين منزلة " إكمال نقص السابق " ، وتقدمت فى الخالفتين منزلة " إضافة كل اللاحق " :
قالت السالفة السادسة :
" نسقى ثرائهم ثناء كلما نثرت دموعنا نُظمت منهامراثينا "
فقالت خالفتها :
" يشكو إلينا ولكن من يناصره مات المناصر إلا من يغنّونا "
وقالت السالفة الثامنة :
" يزجون نعشك فى السناء وفى السنا فكأنما فى نعشك القمرانِ "
فقالت الخالفة :
" يا أم يا أماه ها ذاك الذى ذبح النفوس ولا طبيب شفانى "
فإذا كانت السالفة السادسة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم نائب الظرف وما أضيف إليه " كلما ... " على فعله " نظم " ، وبتقديم الجار والمجرور " منها " إلى جوار فعلهما نفسه ، ليأتى نائب الفاعل المضاف إلى ضمير المتكلمين " مراثينا " كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله¬ - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تُمَهِّدْ له ، بل مرت فى البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت فى المأزق جملة الصلة الفعلية المضارعية " يغنونا " من الفعل المشتمل على فاعله . وإذا كانت السالفة الثامنة قد راعت كلمة القافية ومهدت لها بتقديم الخبر شبه الجملة " في نعشك " ، ليأتي المبتدأ " القمران" كلمة القافية ، فتشتد علاقة آخر البيت بما قبله - فإن خالفتها لم تراع ذلك ولم تمهِّدْ له ، بل مرت في البيت سادرة مجترئة ، حتى إذا ما أوشك ، أنشأت في المأزق جملة فعلية " شفاني " من فعل مشتمل على فاعله متصل بمفعوله ضمير المتكلم ، خبرًا ( للا ) تصلح نعتًا ( لطبيب ) بتأوّل .
إن فيما صنعته الخالفتان لدليلا لإيثارهما الشجاعة على الإحكام الذي آثرته السالفتان ، وتمسكًا بنهج الشاعر العماني المعاصر(81) .
علاقات الأبيات
}32 { إن مقارنة العلاقات النحوية لكل بيت من الأبيات التي خمسها أبو سرور ، تفضى - كما بين الجدول الرابع عشر الأخير - إلى الملاحظات التالية :
أولا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، متصلة في السالفتين ( قصيدتي البارودي وأبي وسيم ) ، فانقطعت في الخالفتين(قصيدتي أبي سرور) .
ثانيًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت القبلية والبعدية جميعًا معًا ، منقطعة في السالفتين ، فاتصلت في الخالفتين .
ثالثًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في البيت السادس من الوسيمية وحده .
قال أبووسيم :
"5- فيادردم في لــج بحرك ساكنًا وأنت له يا فكر لا تبغ مـعبرا
6- فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولى الناس ماء وسكرا "
فقال أبو سرور :
"6 - فحتام أهوى عزة لغَشَمْشَمِ
وأهوى له تقدير ملك معظم
بذلت حياتي خير بَرّ مكرّمِ
فحتام أحسو الماء فيهم بعلقم ويشرب حولى الناس ماء وسكرا "
ففي حين عطف أبو وسيم جملة الطلب الاستفهامية في البيت السادس ، على جملة الطلب الأمرية في البيت الخامس - قطع أبو سرور جملة الطلب الاستفهامية ، عن جملة الخبر الفعلية قبلها ، واستأنف .
رابعًا - وقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها متصلة في السالفة ، فانقطعت في الخالفة ، في الأبيات الثالث والعاشر والسادس عشر والتاسع عشر من البارودية ، وفي الأبيات الثاني والثالث والحادي عشر من الوسيمية .
قال البارودي :
"18- ولابد من يوم تَلاعب بالقنا أسود الوغى فيه وتمرح جُرْدُهُ
19 - يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20 - تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مرده "
فقال أبو سرور :
"19- ولابد من يوم يسرك شرقه
غداة يلاقي الغرب ثم يشقه
وتلقى به صهيون ما تستحقه
يمزق أستار النواظر برقه ويقرع أصداف المسامع رعده
20- فيالك من يوم تسيل سيوله
دماء الأعادي والأسنة غيله
يقوم على الأعداء بالقطع جيله
تدبر أحكام الطعان كهوله وتملك تصريف الأعنة مُرْدُهُ " .
ففي حين عدد البارودي نعوت " يوم " في البيت الثامن عشر ، فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض - قطع أبو سرور جملة الخبر الفعلية ، عن جملة التعجب الفعلية بعدها ، واستأنف ، فإن كان استعمل الفاء ، فلما توحي به من معنى السببية
خامسًا - وقع أن كانت علاقة البيت القبلية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة ، في الأبيات الأول والخامس والتاسع والثامن عشر من البارودية ، والثاني والخامس والسابع والثامن والتاسع والحادي عشر من الوسيمية .
قال أبو وسيم :
" 8- ورب صغير دون قدري قدره يرى نفسه من طور سيناء أكبرا
9- قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
فقال أبو سرور :
" 9- تراني صلبا في جميع المواضع
ولست لمغرور النفوس بخاضع
شموخي على العاتين أقصى تخاضعي
قصرت على دين الإله تواضعي وأوسعت أهل الكبر مني تكبرا "
ففي حين قطع أبو وسيم حديثه عن نفسه بالجملة الفعلية ، عن حديثه عن غيره بالجملة الاسمية - عدد أبو سرور مفاعيل " ترى " فوصل بينها حتى إن من شاء عطفها كلها بعضها على بعض .
سادسًا - لم يقع أن كانت علاقة البيت البعدية وحدها ، منقطعة في السالفة ، فاتصلت في الخالفة .
إن ضم الملاحظة الثانية إلى الأولى ، يوضح أنه كان صعبًا على أبي سرور أن يقلب أمر الأبيات بتخميسه لها ، رأسًا لعقب ، فيذيبها في قصيدته لتصير لبنة في جدارها أو موجة في بحرها ، أو لتنخلع من حالها الأولى إلى حال أخرى لم تكن لها في أُمّها ، فيُنْسى ما كانت عليه ويذكرَ ما صارت إليه .
وإن ضم الملاحظة الخامسة إلى الثالثة ، يوضح طرفًا من اجتهاد أبي سرور الموفق ، في التأليف بين كلامه وكلام السالف ، وأنه كان بكلام أبي وسيم بلديِّه أحفى منه بكلام البارودي ، وهي علامة أخرى تضاف إلى ما سبق في الفقرة الثانية والعشرين .
وإن ضم الملاحظة السادسة إلى الرابعة ، يوضح مقتضى هذا النمط من العروض الذي يخرج البيت من القصيدة قطعة وكأنه بيتان ونصف ؛ إذ يحتاج إلى أن يستقل كل بيت منه عما قبله وما بعده ، وكأنه من حيث تركيبه النحوي قصيدة وحده(82) .
