الْقافِيَةُ الْمُوَحَّدَةُ الْمُقَيَّدَةُ وَكَلِمَتُها في الشِّعْرِ الْعُمانيِّ=2

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أ.د. محمد جمال صقر
    عضو المجمع
    • Oct 2012
    • 1371

    #1

    الْقافِيَةُ الْمُوَحَّدَةُ الْمُقَيَّدَةُ وَكَلِمَتُها في الشِّعْرِ الْعُمانيِّ=2

    أولا: القافية المقيدة على العموم

    {10} إن النسبة القليلة التي قدمها الجدول الأول لتقييد القافية في الشعر العماني على العموم (12.14%)، غير غريبة عن الشعر العربي القديم وما نحا نحوه مما بعده 33 ، وهو ما أثار الباحثين إلى كشف سره وتفسيره، فكان منهم من رأى الشعر موسيقا تكون بالحركة والمد ولا تكون بالسكون إلا تعمدا ؛ رغبة في طريقة تعبيرية خاصة 34 ، وهو فيما أحسب، الرأي المتناقل بين أهل اللغة والأدب غير ذوي العلم المكين بالموسيقا، وكان منهم من دعا إلى اختيار أحد أمور ثلاثة:
    أن يكون السكون أثقل من الحركة لا كما علمنا علماؤنا القدماء، ومن ثم آثر الشعراء الحركة رغبة لشعرهم في الشياع والخلود، أو أن يكون السكون أخف من الحركة كما علمونا، غير أن الشعراء المغرمين بالأصعب، آثروا الحركة إدلالا بصنعتهم وقدرتهم، أو أن يكون قد ضاع من الشعر القديم كثير، كما قال أبوعمرو بن العلاء، فألبست علينا النسبة 35 .
    إن خروج الشعر العربي العماني على النحو القديم نفسه، يثبت ألا لبس هناك، فضلا عن إثباته وثاقة العلاقة، ثم إن التحريك الذي يزيد آخر البيت مقطعا طويلا مفتوحا (ص ح ح)، أثقل- بلا ريب- من التسكين، أما ارتباط الموسيقا بالحركة فككل شيء في هذه الدنيا، غير أنه لا يكون إلا بالسكون !
    إن السكون ركن الإيقاع الذي هو أساس الموسيقا ، ثم هو قرار اللحن الذي هو قالبها.
    إن الحقيقة عندي أن إطلاق القافية وتقييدها جميعا، متعلقان بطريقة المتكلمين في الوقف- والقافية موضع الوقف المطمئن من البيت- التي كانت بالتحريك ثم صارت بالتسكين 36 ، وهو ما يسلمنا إلى الفكرة التالية.

    ثانيا: القافية المقيدة على الخصوص

    {11} إن نسبة تقييد القافية في شعر الستالي (4.08%)، ثم الحبسي (14.65%)، ثم البهلاني (15.46%)، التي قدمها الجدول الأول، وبينت اتجاه الشعر العماني إلى زيادة تقييدها قليلا قليلا، غير غريبة كذلك عن طريقة سائر الشعر العربي 37 . وقد رأى الدكتور أنيس أن زيادة تقييدها في شعر العباسيين عنه في شعر الجاهليين، ملاءمة حدثت بينه وبين غناء ذلك الزمان، "بل لا يزال الملحن فينا يرى مثل هذه القافية أطوع وأيسر في تلحين أبياتها" 38 . وتوقف الطرابلسي فيما رآه من زيادة تقييدها عند شوقي عنه عند من قبله، ثم زيادته عند الشابي كثيرا عنه عند شوقي، ليقول: "إذا كان ذلك دليلا على محاولة للتحلل من قيود الإعراب عند الشابي، فإنه لا يسمح باعتقاد أن شوقي رام هذه المحاولة" 39 .
    إنه لا ورود لحديث صعوبة الإطلاق وسهولة التقييد، في نقد الشعراء صغارا أو كبارا، كما سيتضح بعدُ في الفقرة الثالثة والثلاثين، وينبغي أن يتخذ الطرابلسي ما رآه، حجة لذلك لا عليه 40 ، فأما ملاءمة التسكين لموسيقا العباسيين دون الجاهليين، لتطور حدث، فعجيب ألا تختل مع المحدثين، رغم طول الزمن الفارق بينهم وبين العباسيين، عن الفارق بين هؤلاء وبين الجاهليين، واشتداد التطور الحادث، وعجيب أن يناقض هذا الرأي غيره السابق في الفقرة العاشرة، فيجري عليه ما جرى عليه.
    لقد تطورت طريقة حديث الناس ( لغتهم المنطوقة ) ، صوتا وصرفا ونحوا ودلالة، بأثر عوامل التطور القوية المختلفة، عما كانت عليه في عصر الجاهليين، قليلا قليلا، في عصر العباسيين، في المشرق وفي المغرب ولاسيما في الأندلس، حتى بلغتنا وقد لوّحها التطور 41 . وكان من ذلك طرح حركات أواخر الكلمات، ولا سيما في الوقف، أي عموم الوقف بالتسكين الذي تسرب إلى الشعر من خلال تقييد القافية قليلا قليلا؛ لأن وعي الشاعر بالحياة في نفسه ومن حوله، يقتضيه أن يراعي طريقة الحديث المتطورة، بشعره الذي لا يقوله لآذان الأوراق الصماء، على أن طريقة الفن القومي التي هي أثبت من طريقة الحديث اليومي، بقيت متعلقة بإطلاق القافية، إرثا ورثته أخرى عن أولى.
    {12} أما نسبة تقييد القافية في شعر الصقلاوي (11.90%)، التي يقدمها الجدول الأول كذلك، وتبدو بقلتها عما قبلها غريبة عجيبة ؛ فترجع إلى أن لتعديد القافية في شعره نصيبا أكبر منه في شعر غيره، وفي القافية المعددة يجتمع تسكين التقييد وتحريك الإطلاق- كما سبق في الفقرة التاسعة- وربما اجتمعت للقافية أنواع مختلفة داخل هذا التسكين نفسه.

    ثالثا: أنواع القافية المقيدة على العموم

    {13} إن تقييد القافية يفقدها قوة من قوى الإسماع الصوتية؛ إذ تذهب حركة الروي (المَجرى) وحرف إشباعها (الوصل)، فيبقى الروي وحيدا صامتا، كما في قول الستالي في مطلع إحدى مقيداته:
    "أمط عنك نعت الحمى والطللْ وجل في سبيل الصبا والغزلْ" 42
    فالقافية (والغزلْ) ضعيفة الإسماع بالقياس إليها هي نفسها لو كانت (والغزلِ)، إذ تظهر اللام للسمع بكسرتها (المجرى)، ثم تزداد ظهورا بإشباع الكسرة الذي ينشئ لها بعدها مدا من جنسها (الوصل).
    {14} ولقد بينت نسب أنواع القافية التي قدمها الجدول الأول، أن الشعراء العمانيين يحرصون على إبراز قافية شعرهم، بعلاج تقييدها بإردافها- فالمردفة عندهم أعلى نسبة- فيعوضونها عن المجرى بالحَذْو (حركة ما قبل الرِّدْف)، وعن الوصل بالردف، فلا يبقى الروي وحيدا، كما في قول الستالي أيضا في مطلع إحدى مقيداته:
    "يا دمن الحي عليك السلامْ وجاد أطلالك صوب الغمامْ" 43
    فالقافية (ب الغمام) قوية الإسماع بالقياس إليها هي نفسها لو كانت (بالغَمَمْ)؛ إذ تظهر الميم للسمع بفتحة ما قبلها (الحذو) 44 ، ثم تزداد ظهورا بالألف (الردف) التي هي في جوهرها مد للفتحة.
    وهو علاج ناجع معروف من قديم، صنع له ابن عبد ربه بابا قال فيه: "اعلم أن القوافي التي يدخلها حروف المد، وهي حروف اللين، فهي كل قافية حذف منها حرف ساكن وحركة، فتقوم المدة مقام ما حذف" 45 ، والمقيدة- كما سبق- حذف منها حرف الوصل المتناهي إلى السكون، وحركة المجرى. وقد زاد العلاج بالإرداف نجوعًا، إيثارهم الألف ردفًا، وهي أقوى إسماعا من الواو والياء جميعا 46 .

    رابعا: أنواع القافية المقيدة على الخصوص

    {15} تبين النسب التي قدمها الجدول الأول، أن الحبسي وحده الذي كان حريصا على إرداف القافية المقيدة، في حين آثر أصحابه تجريدها وتساوى لدى الصقلاوي تأسيسها وتجريدها، وتميز البهلاني بقصرها. وأرى أن ارتياح الشعراء لوقوع صيغة كلمة ما، كلمة للقافية، على رغم خلوها مما يصلح ردفا، سبب إهمال علاج تقييدها بإردافها. والأمر، على أية حال، أمر أصوات في هذا وفي ذاك، لم يخرج عن إطار صنعة الشعراء الموسيقية الوزنية. إنني نظرت مثلا في مقيدة الستالي المجردة السابق ذكرها في الفقرة الثالثة عشرة، فرأيتها سبعة وثلاثين بيتا، ورأيت الاسم الثلاثي (الفعل) المعرف بأل، المفتوح العين، المثلث الفاء، قد استولى على أربع وعشرين كلمة قافية: (الغزل، الثمل، الكحل، المقل، الكفل، الرتل، الأزل، الطفل، الخجل، العلل، البلل، الوجل، الكلل، الغيل، الأول، الجذل، القبل، الأجل، النقل، المثل، الوشل، الجبل، الملل، البطل)، أي حوالي 65% من كلمات قوافي أبيات القصيدة، ونظرت في مقيدة البهلاني التي مطلعها:
    "نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل" 47
    فرأيتها تسعة عشر بيتا ومائة، ورأيت الاسم نفسه معرفا بأل وغير معرف بها، قد استولى على ثمان وستين كلمة قافية، أي حوالي 57%، يجيش بعقله الوزن الصرفي مختلطا بالوزن العروضي، فتخرج القافية على وفقهما معا 48 .
    {16} ولا يخلو تميز الحبسي دون أصحابه، بإرداف القافية المقيدة، من دلالة على أنه- وهو الضرير المستوفز السمع- كان أشد إحساسا بأصوات قافيته ، ولا سيما أن معتمده الوحيد لبناء بيته، ترديده وترجيعه حتى يستقيم، فأما أصحابه وغيرهم ، فمن قديم إلى حديث يعتمدون على الكتابة .
    {17} أما تأسيس القافية المقيدة الظاهر النسبة لدى الصقلاوي، فعلاج ناجع كذلك- وإن بدرجة أقل- لضعف إسماعها، يتضح في قوله في مطلع مقيدته "الشاعر":
    "أيها الصدّاح في روض الأماني لا تسافر" 49
    بمقارنة القافية (سافرْ) القوية الإسماع، بها هي نفسها لو كانت (تَسْفُرْ)؛ إذ نسمع لها في الوجه الأول جلبة من مقطعها الأول الطويل المفتوح (ص ح ح)، لا نسمعها في الوجه الآخر، وإن بقي المقطع الآخر على حاله.
    {18} أما تميز البهلاني بقصر القافية المقيدة، فمن أن المقاصير نادرة أصلا، بالقياس إلى غيرها من أنواع المقيدة، لا تكاد تجد منها إلا القصيدة بعد القصيدة في الزمان الطويل، فإذا ما وجدت منها شيئا وجدت نفسك تنسب صاحبها إلى تقليد ابن دريد، وإن لم تستوثق من ذلك 50 ، وإنما ندرت المقاصير من أنها ضعيفة بناء القافية، يسمعها من لم يتقن هذا العلم، فيظنها معدَّدة القافية لا موحدتها. وتعديدها قديم 51 ، وإن لم يسم القدماء العمل منه قصيدة 52 ، غير أن بينه وبين قصر القافية فرقا يتضح لمن لم يتقن هذا العلم، بقليل من السماع؛ إذ يجد الشاعر قد التزم قافية واحدة ألفية، بل ربما التزم في أبيات متوالية، حرفا قبل الألف الأصلية، فأعاد الأمور إلى نصابها 53 ، كما في قول البهلاني في مقصورته التي مطلعها:
    "تلك ربوع الحي في سفح النقا تلوح كالأطلال من جد البلى"
    ملتزما الواو:
    " أو تركت لي كبدا صحيحة أو جلَد الحر على قرع النوى
    لكان لي على الطلول وقفة أبـرئ النفس بها مـن الهـوى
    لكن لي قلبا عرته سكرة ما ضـل في غـمارهـا ولا غوى
    وعاش في صبابة تعمده مال إليها عامـدا فـما ارعـوى " 54
    وكفى دليلا أخيرا لضعف المقاصير وندرتها، أنني أفتش كثيرا من كتب علم العروض (ومنه علم القافية) قديمة أو حديثة، لأجد بيانا للقافية المقصورة، فلا أجد- إن وجدت شيئا- إلا تجويز وقوع مثل تلك الألف رويا، فأما انتماء القافية عندئذ إلى الإطلاق أو إلى التقييد، فلا ذكر له 55 .

    خامسا: روي القافية المقيدة على العموم

    {19} إن اختيار ما يكون رويا تدور عليه القصيدة، ينبغي أن تحكمه ذخيرة الشاعر اللغوية، فيكون مما يحفظ له مادة من الكلمات التي إذا استعملها كان آخرها الحرف المختار، فلا يفتضح بما حذره المعري قائلا: "إذا جاء الروي فُضح الغوي"؛ ذاهبا إلى أن الشاعر الذي يلقي نفسه في تهلكة روي لا يحفظ له مادته التي تكفي القصيدة، جاهل ضال !
    {20} ولا ريب في أن حروف المعجم متفاوتة المواد، فمنها حروف كثيرة الوقوع أواخر الكلمات، وحروف قليلة، وحروف كالمهجورة لا تكاد تستعمل. وهو ما دعا المعري إلى تقسيم القوافي على حسبها إلى: ذُلُل (جمع ذَلول) كثيرة الاستعمال لينة على الألسن، ونُفُر (جمع نَفور) قليلة الاستعمال لا ترتاض للألسن، وحُوش (جمع حُوشيّة أي وحشية) مهجورة الاستعمال تتحاشاها الألسن 56 ، فدعا ذلك الدكتور أنيس إلى تفقد الشعر العربي، ليصنع إحصاءه الخاص الذي قسم بعده الحروف التي وقعت رويا- وكانت حروف المعجم كلها دون الألف الحركة الطويلة، وكأنه لم يعتد بها رويا ورأى القافية عندئذ معددة، كما سبق بيانه في الفقرة الثامنة عشرة- أربعة أقسام: كثيرة الوقوع رويا، ومتوسطته، وقليلته، ونادرته، ذاكرا أن اختلافها هذا راجع إلى اختلاف وقوعها أواخر الكلمات كثرة وقلة، لا إلى اختلافها ثقلا وخفة 57 . وليس يمتنع أن ترجع كثرة وقوعها أواخر الكلمات وقلته، إلى اختلافها ثقلا وخفة؛ فالاقتصاد في الجهد مبدأ لغوي.
    {21} لقد بين الجدول الثاني أن شعراء عُمان استعلموا من حروف المعجم التسعة والعشرين- بضم الألف- عشرين حرفا بنسبة 68.96%، وهي نسبة عالية دالة على سعة ذخيرتهم اللغوية وفضل تصرفهم بها وكأنهم يُدِلّون بركوب تلك المهلكة، وهي خصلة الشعراء من قديم 58 .

    سادسا: روي القافية المقيدة على الخصوص

    {22} إن نسب استعمال حروف المعجم رويا للقافية المقيدة، التي قدمها الجدول الثاني، في شعر الستالي (10.34%) ثم الحبسي (65.51%)، ثم البهلاني (27.58%)، ثم الصقلاوي (10.34%)، تكشف سريعا تميز الحبسي.
    إن الحبسي لم يترك حرفا استعمله أصحابه إلا استعمله وزاد عليه ما لم يستعملوه، ما عدا الألف التي اختص بها البهلاني، وهي من الخصوصية على ما تقدم.
    وأنا لا أخلي عمل الحبسي من تقليد شبيهه في الشعر والضرارة وأستاذه المعري الذي تحرى النظم من حروف المعجم كلها، ورتب عليها ديوانه لزوم ما لا يلزم، وكان هذا نفسه منه التزام ما لا يلزمه. ودليلي لهذا ملاحظة تلميذه جامع ديوانه في حياته سليمان بن بلعرب، حين قال: "لقد تأملته كله فلم أجد بحرا من أبحر الشعر إلا وهو به، ولا قافية من القوافي، إلا وهي به" 59 .
    {23} ولئن كنا نعود إلى قصائد الحبسي ذات الروي القليل الاستعمال أو النادره ، فلا نجد كلمة حوشية، إن قصائده هذه لقصيرة تنتمي إلى القِطَع كثيرا؛ فغينيته أربعة أبيات، وخائيته ثمانية، وزائيتاه ستة وخمسة، وهي حروف من القسم النادر الوقوع رويا، عند الدكتور أنيس.
    وفضلا عن أن هذا التقصير يقي الحبسي من أن يتجاوز الذلول المرتاض من الكلمات، إلى الشموس الحوشي، يقضي له وطره من تحري استعمال حروف المعجم كلها- وسائرها في قوافيه المطلقة- ثم هو يسهل عليه- وهو الضرير- صنع شعره وحفظه وإنشاده جميعا.
    أ.د.محمد جمال صقر
    PROF. MOHAMMAD GAMAL SAQR
    كلية دار العلوم، جامعة القاهرة
    FACULTY OF DAR EL-ULWM
    CAIRO UNIVERSITY
    www.mogasaqr.com
    mogasaqr@gmail.com
    mogasaqr.eg@gmail.com
    mogasaqr@yahoo.com
    saqr369@hotmail.com
    00201092373373
    0020223625210
يعمل...