سابعا: أنواع روي القافية المقيدة على العموم
{24} إن تحريك الحرف أعظم أسباب إظهاره للسمع، فإذا سكن افتقد ذلك السبب، واقتصر على ما تمده به طبيعة نوعه. وأنواع الحروف من حيث قوة الإسماع، ستة، ترتب في ست مراتب 60 ، أوردها فيما يلي، ممثلا لكل مرتبة بكل ما ورد منها في مادة البحث بترتيب الجدول الثاني:
الأولى: عديمة الإسماع، وهي الانحباسية المهموسة، ومنه لدينا الكاف والطاء والتاء والقاف .
الثانية: أحادية قوة الإسماع، وهي الانحباسية المجهورة، ومنها لدينا الدال والباء .
الثالثة: ثنائية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المهموسة، ومنها لدينا الفاء والحاء والسين والثاء والصاد والخاء .
الرابعة: ثلاثية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المجهورة، ومنها لدينا الزاء والعين والغين .
الخامسة: رباعية قوى الإسماع، وهي الأنفية والجانبية والترددية المجهورات، ومنها لدينا الراء والميم واللام والنون .
السادسة: خماسية قوى الإسماع، وهي الفموية المجهورة الحرة الانطلاق أو المعترَضة دون احتكاك، ومنها لدينا الألف.
{25} إن مقتضى العقل أن تستولي حروف المرتبة السادسة الأقوى إسماعا، على روي القافية المقيدة، لتعوضها عما افتقدته بالسكون، من المجرى والوصل كليهما، غير أن تفقد الشعر العربي في تاريخه الطويل، يقفني على أن شعراء العرب- ومنهم العمانيون- استماعوها والتزموا قبلها من حروف المراتب الأخرى ما يكون الروي، لتكون هي له الوصل الذي يصل به إلى الأسماع، فمن ثم لا تكاد تجد الروي من حروف هذه المرتبة السادسة، وإذا وجدته كدت تظن القافية به معددة، كما سبق في الفقرة الثامنة عشرة.
لذلك أنظر في المرتبة الخامسة، فأحد حروفها (الراء والميم واللام والنون)، قد استولت على (50.64%) من مادة البحث، علاجا اتخذه شعراء عُمان، لما أصاب القافية بالتقييد. وهو علاج ناجع معروف من قديم إلى حديث 61 . لقد وجد الطرابلسي حروفا تشيع رويا في شعر شوقي، وبدا له تفسير ذلك بكثرة وقوعها أواخر الكلمات، مقنعا للنظرة الأولى، ولا سيما إذا صاحبتها نظرة فيما ورد لها من مادة بلسان العرب بالقياس إلى غيرها، ولكنه لم يره بعدئذ كافيا وبحث عن سره مستعينا بدراسة الدكتور أنيس للأصوات، فوجده كامنا في طبيعتها "فإن هذه الحروف- اللام والميم والنون والراء على الأقل- أكثر الأصوات وضوحا وأقربها إلى طبيعة الحركات. و"لذا يميل بعضهم إلى تسميتها أشباه أصوات اللين (=حركات) ومن الممكن أن تعد حلقة وسطى بين الأصوات الساكنة وأصوات اللين؛ ففيها من صفات الأولى أن مجرى النفس معها تعترضه بعض الحوائل، وفيها أيضا من صفات أصوات اللين أنها لا يكاد يسمع لها أي نوع من الحفيف وأنها أكثر وضوحا في السمع" 62 . ولما قارن في هذه المسألة، دراسة الدكتور أنيس للأصوات بدراسته للعروض، عجب من أنه لم يستفد في الثانية بما حصّله في الأولى، وهو ما أضيفُ إليه ما علقت به على تفسيره نفسه في الفقرة العشرين.
ثامنا: أنواع روي القافية المقيدة على الخصوص
{26} إن تحري الحبسي استعمال حروف المعجم كلها رويا، الذي نسبته فيه في الفقرة الثانية والعشرين، إلى تقليد المعري، يتجلى صدقه ببيان أنواع الحروف الواقعة رويا في شعره بالقياس إلى أصحابه، الذي قدمه الجدول الثاني.
إن الحبسي وحده دونهم، الذي استعمل حروف المرتبة الأولى العديمة الإسماع، الكاف والطاء والتاء والقاف، ثم لم يكتف بذلك الجور على القافية المقيدة، بل جعل 75% من استعماله للكاف، واستعماله كله للطاء، في القافية المقيدة المجردة، قال من الأول:
"إن الطـوى قومه قاموا على قدم فأهلك الصبر مني قومُـه فهلكْ
واستنزل الفقـر قدري من معاقله وحاول العسر بغيا قـوتي فملك
وبارز الذل شجعان الحياة بأفراس النحوس وأسياف القضـا ففتك
يا لهف نفسي ويا ويلاه من زمن فيه دمي بسيوف الحادثات سفك" 63
وقال من الآخر:
"قل لمن حسناه بالسوء خَلَطْ كيـف تعصي وعلى الرأس الشــمطْ
لا يغرنك زمان ماكر ما عــلا العبـــد ذرى إلا هبـــط" 64
لقد خطا في قصيدة الأول، خمسة أبيات ملتزما اللام قبل الكاف، ثم لم يعبأ بذلك في ثلاثة، ثم عاد إليه في ثلاثة، ثم أهمله في واحد، ثم اعتمده في واحد، ثم طرحه في واحد، لتتم له قصيدة من أربعة عشر بيتا رويها الكاف.
ولم يعبأ في قصيدة الآخر، بالتزام حرف قبلهن لتتم له قصيدة من سبعة عشر بيتا رويها الطاء .
والحقيقة أنهما مختلفان من أن الكاف تكون ضميرا فتبدو عارضة طارئة على الكلمات فيستحسن التزام حرف متأصل في كلمته قبلها. وهو نهج معروف من قديم إلى حديث 65 .
تاسعا: صورة بيت القافية المقيدة على العموم
{27} في "باب ما يجوز في القافية من حروف اللين"، تتبع ابن عبدربه صور أبيات بحور الشعر، وذكر صور ضروبها التي يدخل منها إلى القافية اللين، غير أنه خلط ما يكون لتعويض المحذوف من الوزن، بما يكون لتعويض المحذوف من القافية ، وكان ينبغي أن يميز هذا عن ذاك؛ إذ كانت نتيجة ذلك اختلاط القوافي المقيدة بالقوافي المطلقة 66 .
تحتاج القافية المقيدة المردفة إلى بيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامت واحد (ص ح ح ص) كالذي في كلمة (لامْ) بسكون الوقف، وتحتاج المقيدة المجردة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمة (لمْ)، ولا يمتنع أن تكون ببيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامتين (ص ح ص ص) كالذي في كلمة (لَكْمْ) بسكون الوقف، غير أنه قبيح فيها جدا؛ لأنه يكتم إسماعها، وتحتاج المقيدة المؤسسة إلى بيت مختوم بمقطعين: طويل مفتوح (ص ح ح) فطويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمتي(لا لم)، وتحتاج المقيدة المقصورة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مفتوح (ص ح ح) كالذي في كلمة (لا).
{28} بين الجدول الثالث أن أكثر وقوع القافية المقيدة المردفة في الشعر العماني، كان في بيت السريع الوافي المطوي العروض المكشوفها المطوي الضرب الموقوفه .
وهذه الصورة الماثلة في قول الستالي في مقطع ميميته:
"أبدعها الفكر وذو خاطـر متــقد مثـل لهيـب الضرام" 67
مسـتعلن مستـعلن مفعلا مستعلن مستعـلن مـفعـلاتْ
مطـوية مطوية مطوية مكشوفة مطوية مطوية مطوية موقوفة
تتيح بمقطعها الأخير الزائد الطول المغلق بصامت واحد (لات = ص ح ح ص)، وقوع الألف أو الواو أو الياء الساكنة، قبل حرف الروي (رام) أي الأرداف، وتستثقل التجريد، وتمنع التأسيس والقصر.
وبين الجدول الثالث كذلك أن أكثر وقوع القافية المقيدة المجردة في الشعر العماني، كان في بيت الرمل الوافي المحذوف العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع لاميته:
"نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل 68
فاعلاتن فاعلاتن فاعلا فعلاتن فاعلاتن فاعلا
سالمة سالمة محذوفة مخبونة سالمة محذوفة
تمنع بمقطعها الأخير الطويل المغلق (لا= ص ح ص) 69 ، إرداف القافية وقصرها وبمقطعها القصير قبله معه (ص ح)، تأسيسها، فتخلص للتجريد.
وبين الجدول كذلك أن أكثر وقوع المؤسسة، كان في بيت المجتث المجزوء الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول الحبسي في مطلع رائيته:
" يا صاح لا تنكحن عاهـرا ولا بنـت عاهر" 70
مستـفع لن فاعلاتن متفـع لـن فاعـلاتن
سالــمة سـالـمة مخبــونة سـالـمة
تتيح بمقطعيها الأخيرين: الطويل المفتوح فالطويل المغلق (لاتن= ص ح ح ص ح ص)، وقوع الألف قبل الحرف الذي قبل حرف الروي (عاهر)، أي التأسيس، وعدم وقوعها، أي التجريد الذي بين الجدول حدوثه بهذه الصورة نفسها، كما في قول الحبسي في مطلع رائية أخرى أقصر:
"أبـدي المعاصي وشيبي لدي بالـموت منذر" 71
مستـفع لـن فاعـلاتن متفع لن فاعلاتـن
سالمة سـالــمة مخبــونة ســالـمـة
وتمنع الإرداف والقصر.
وبين الجدول كذلك أن المقصورة لم تقع إلا في بيت الرجز التام الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع إحدى مقصورتيه:
"فاتحة الحمد أيادي من عفا والحلم أصــل للمقامات العلا" 72
مستعلن مستعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلـن
مطـوية مطـوية سالـمة سالمـة سالـمة سـالمـة
تتيح بمقطعها الأخير الطويل المفتوح (لن= ص ح ح) 73 ، وقوع الألف المتأصلة في كلمتها، رويا (لا)، أي القصر، وتمنع الإرداف والتأسيس متى بقيت الألف هي الروي، فأما إذا التزم الحرف الذي قبلها رويا، فأطلقت القافية بعد تقييد، فلن تمنع التأسيس ولا التجريد.
وليس القصر البادي لنا في الفقرة الثامنة عشرة، كالإهمال لتوحيد القافية، بغريب الارتباط بالرجز المُسْتَحْمَر المبتذل من قديم إلى حديث.
عاشرا: صورة بيت القافية المقيدة على الخصوص
{29} ثبت لدي تولد عروض الشعر من الموسيقا التي كانت غناء تؤديه أصوات البشر الحية، ثم صارت أصواتا تؤديها الآلات الجامدة، وثبت لدي كذلك تطور الموسيقا العربية من عصر الجاهليين قليلا قليلا إلى عصر المحدثين، وأن من وعي الشاعر بالحياة في نفسه ومن حول، أن يراعي بعروض شعره مقتضى موسيقى عصره الجديدة، فلا تنقطع صلته الوثيقة بها 74 .
{30} ومن قديم نشط الشعراء العرب لتجديد شعرهم بتجديد عروضه منطلقين من العمودي ومعتمدين عليه واعين لشرط إدراك متلقي شعرهم، ما فيه من عروض، وإلا استحال نثرا، فاستحدثوا (المُشَطَّر) الذي طوّل البيت وقسمه ونسّق أقسامه وقفاها بقواف غير قافيته التي تظل في آخره مثلها في آخر غيره من أبيات القصيدة، ثم استحدثوا (الموشَّح) الذي زاد تطويل البيت وقسمه قسمين لا يكادان يتساويان، وقسم كلا منهما ونسق أقسامه وقفاها على نحو أكثر تركيبا، وأبقى قوافي القسم الثاني من أبيات القصيدة كلها، متشابهة، وقد كان (المشطر) طريقا صغيرا إلى الطريق الكبير (الموشح)، ثم استحدثوا (الحرّ) الذي لم يلتزم للبيت طولا ولا قافية، ولم يقسمه، وقد كان (المشطر) و(الموشح) الطريق إلى الساحة الفسيحة (الحر) 75 .
{31} لقد وجدت شعراء البحث يخوضون يم التجديد ولا يخافون، إلا الحبسي الذي عهدته أرهف سمعا وأجرأ تجريبا، فلم يخض مع الخائضين، إلا ما كان من استعماله لتعديد القافية. والحق أنه كان استفرغ طاقته بشعر اللهجة، الذي سماه تلميذه جامع ديوانه (الطرائق)، وكأنها طرق التجديد عنده، فاستعمل فيه (المشطر)، فأما شعر اللغة، فأبقاه عموديا محضا.
أما الستالي فاستعمل (المشطر)، وأما البهلاني فاستعمل معه (الموشح)، وأما الصقلاوي فاستعمل (الحر). ولئن كان (الموشح) قريبا من (المشطر) بحيث كان الشاعر يستعملهما جميعا معا، إن (الحر) لبعيد منهما بحيث صار الشاعر يكتفي به للتجديد، فأما العموي فالطراز الراسخ الذي يطوِّف الشاعر في كل زمان ما يطوف، ثم يأوي إليه.
{24} إن تحريك الحرف أعظم أسباب إظهاره للسمع، فإذا سكن افتقد ذلك السبب، واقتصر على ما تمده به طبيعة نوعه. وأنواع الحروف من حيث قوة الإسماع، ستة، ترتب في ست مراتب 60 ، أوردها فيما يلي، ممثلا لكل مرتبة بكل ما ورد منها في مادة البحث بترتيب الجدول الثاني:
الأولى: عديمة الإسماع، وهي الانحباسية المهموسة، ومنه لدينا الكاف والطاء والتاء والقاف .
الثانية: أحادية قوة الإسماع، وهي الانحباسية المجهورة، ومنها لدينا الدال والباء .
الثالثة: ثنائية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المهموسة، ومنها لدينا الفاء والحاء والسين والثاء والصاد والخاء .
الرابعة: ثلاثية قوى الإسماع، وهي الاحتكاكية المجهورة، ومنها لدينا الزاء والعين والغين .
الخامسة: رباعية قوى الإسماع، وهي الأنفية والجانبية والترددية المجهورات، ومنها لدينا الراء والميم واللام والنون .
السادسة: خماسية قوى الإسماع، وهي الفموية المجهورة الحرة الانطلاق أو المعترَضة دون احتكاك، ومنها لدينا الألف.
{25} إن مقتضى العقل أن تستولي حروف المرتبة السادسة الأقوى إسماعا، على روي القافية المقيدة، لتعوضها عما افتقدته بالسكون، من المجرى والوصل كليهما، غير أن تفقد الشعر العربي في تاريخه الطويل، يقفني على أن شعراء العرب- ومنهم العمانيون- استماعوها والتزموا قبلها من حروف المراتب الأخرى ما يكون الروي، لتكون هي له الوصل الذي يصل به إلى الأسماع، فمن ثم لا تكاد تجد الروي من حروف هذه المرتبة السادسة، وإذا وجدته كدت تظن القافية به معددة، كما سبق في الفقرة الثامنة عشرة.
لذلك أنظر في المرتبة الخامسة، فأحد حروفها (الراء والميم واللام والنون)، قد استولت على (50.64%) من مادة البحث، علاجا اتخذه شعراء عُمان، لما أصاب القافية بالتقييد. وهو علاج ناجع معروف من قديم إلى حديث 61 . لقد وجد الطرابلسي حروفا تشيع رويا في شعر شوقي، وبدا له تفسير ذلك بكثرة وقوعها أواخر الكلمات، مقنعا للنظرة الأولى، ولا سيما إذا صاحبتها نظرة فيما ورد لها من مادة بلسان العرب بالقياس إلى غيرها، ولكنه لم يره بعدئذ كافيا وبحث عن سره مستعينا بدراسة الدكتور أنيس للأصوات، فوجده كامنا في طبيعتها "فإن هذه الحروف- اللام والميم والنون والراء على الأقل- أكثر الأصوات وضوحا وأقربها إلى طبيعة الحركات. و"لذا يميل بعضهم إلى تسميتها أشباه أصوات اللين (=حركات) ومن الممكن أن تعد حلقة وسطى بين الأصوات الساكنة وأصوات اللين؛ ففيها من صفات الأولى أن مجرى النفس معها تعترضه بعض الحوائل، وفيها أيضا من صفات أصوات اللين أنها لا يكاد يسمع لها أي نوع من الحفيف وأنها أكثر وضوحا في السمع" 62 . ولما قارن في هذه المسألة، دراسة الدكتور أنيس للأصوات بدراسته للعروض، عجب من أنه لم يستفد في الثانية بما حصّله في الأولى، وهو ما أضيفُ إليه ما علقت به على تفسيره نفسه في الفقرة العشرين.
ثامنا: أنواع روي القافية المقيدة على الخصوص
{26} إن تحري الحبسي استعمال حروف المعجم كلها رويا، الذي نسبته فيه في الفقرة الثانية والعشرين، إلى تقليد المعري، يتجلى صدقه ببيان أنواع الحروف الواقعة رويا في شعره بالقياس إلى أصحابه، الذي قدمه الجدول الثاني.
إن الحبسي وحده دونهم، الذي استعمل حروف المرتبة الأولى العديمة الإسماع، الكاف والطاء والتاء والقاف، ثم لم يكتف بذلك الجور على القافية المقيدة، بل جعل 75% من استعماله للكاف، واستعماله كله للطاء، في القافية المقيدة المجردة، قال من الأول:
"إن الطـوى قومه قاموا على قدم فأهلك الصبر مني قومُـه فهلكْ
واستنزل الفقـر قدري من معاقله وحاول العسر بغيا قـوتي فملك
وبارز الذل شجعان الحياة بأفراس النحوس وأسياف القضـا ففتك
يا لهف نفسي ويا ويلاه من زمن فيه دمي بسيوف الحادثات سفك" 63
وقال من الآخر:
"قل لمن حسناه بالسوء خَلَطْ كيـف تعصي وعلى الرأس الشــمطْ
لا يغرنك زمان ماكر ما عــلا العبـــد ذرى إلا هبـــط" 64
لقد خطا في قصيدة الأول، خمسة أبيات ملتزما اللام قبل الكاف، ثم لم يعبأ بذلك في ثلاثة، ثم عاد إليه في ثلاثة، ثم أهمله في واحد، ثم اعتمده في واحد، ثم طرحه في واحد، لتتم له قصيدة من أربعة عشر بيتا رويها الكاف.
ولم يعبأ في قصيدة الآخر، بالتزام حرف قبلهن لتتم له قصيدة من سبعة عشر بيتا رويها الطاء .
والحقيقة أنهما مختلفان من أن الكاف تكون ضميرا فتبدو عارضة طارئة على الكلمات فيستحسن التزام حرف متأصل في كلمته قبلها. وهو نهج معروف من قديم إلى حديث 65 .
تاسعا: صورة بيت القافية المقيدة على العموم
{27} في "باب ما يجوز في القافية من حروف اللين"، تتبع ابن عبدربه صور أبيات بحور الشعر، وذكر صور ضروبها التي يدخل منها إلى القافية اللين، غير أنه خلط ما يكون لتعويض المحذوف من الوزن، بما يكون لتعويض المحذوف من القافية ، وكان ينبغي أن يميز هذا عن ذاك؛ إذ كانت نتيجة ذلك اختلاط القوافي المقيدة بالقوافي المطلقة 66 .
تحتاج القافية المقيدة المردفة إلى بيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامت واحد (ص ح ح ص) كالذي في كلمة (لامْ) بسكون الوقف، وتحتاج المقيدة المجردة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمة (لمْ)، ولا يمتنع أن تكون ببيت مختوم بمقطع زائد الطول مغلق بصامتين (ص ح ص ص) كالذي في كلمة (لَكْمْ) بسكون الوقف، غير أنه قبيح فيها جدا؛ لأنه يكتم إسماعها، وتحتاج المقيدة المؤسسة إلى بيت مختوم بمقطعين: طويل مفتوح (ص ح ح) فطويل مغلق (ص ح ص) كالذي في كلمتي(لا لم)، وتحتاج المقيدة المقصورة إلى بيت مختوم بمقطع طويل مفتوح (ص ح ح) كالذي في كلمة (لا).
{28} بين الجدول الثالث أن أكثر وقوع القافية المقيدة المردفة في الشعر العماني، كان في بيت السريع الوافي المطوي العروض المكشوفها المطوي الضرب الموقوفه .
وهذه الصورة الماثلة في قول الستالي في مقطع ميميته:
"أبدعها الفكر وذو خاطـر متــقد مثـل لهيـب الضرام" 67
مسـتعلن مستـعلن مفعلا مستعلن مستعـلن مـفعـلاتْ
مطـوية مطوية مطوية مكشوفة مطوية مطوية مطوية موقوفة
تتيح بمقطعها الأخير الزائد الطول المغلق بصامت واحد (لات = ص ح ح ص)، وقوع الألف أو الواو أو الياء الساكنة، قبل حرف الروي (رام) أي الأرداف، وتستثقل التجريد، وتمنع التأسيس والقصر.
وبين الجدول الثالث كذلك أن أكثر وقوع القافية المقيدة المجردة في الشعر العماني، كان في بيت الرمل الوافي المحذوف العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع لاميته:
"نكسي الأعلام يا خير الملل رزئ الإسلام بالخطب الجلل 68
فاعلاتن فاعلاتن فاعلا فعلاتن فاعلاتن فاعلا
سالمة سالمة محذوفة مخبونة سالمة محذوفة
تمنع بمقطعها الأخير الطويل المغلق (لا= ص ح ص) 69 ، إرداف القافية وقصرها وبمقطعها القصير قبله معه (ص ح)، تأسيسها، فتخلص للتجريد.
وبين الجدول كذلك أن أكثر وقوع المؤسسة، كان في بيت المجتث المجزوء الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول الحبسي في مطلع رائيته:
" يا صاح لا تنكحن عاهـرا ولا بنـت عاهر" 70
مستـفع لن فاعلاتن متفـع لـن فاعـلاتن
سالــمة سـالـمة مخبــونة سـالـمة
تتيح بمقطعيها الأخيرين: الطويل المفتوح فالطويل المغلق (لاتن= ص ح ح ص ح ص)، وقوع الألف قبل الحرف الذي قبل حرف الروي (عاهر)، أي التأسيس، وعدم وقوعها، أي التجريد الذي بين الجدول حدوثه بهذه الصورة نفسها، كما في قول الحبسي في مطلع رائية أخرى أقصر:
"أبـدي المعاصي وشيبي لدي بالـموت منذر" 71
مستـفع لـن فاعـلاتن متفع لن فاعلاتـن
سالمة سـالــمة مخبــونة ســالـمـة
وتمنع الإرداف والقصر.
وبين الجدول كذلك أن المقصورة لم تقع إلا في بيت الرجز التام الصحيح العروض والضرب.
وهذه الصورة الماثلة في قول البهلاني في مطلع إحدى مقصورتيه:
"فاتحة الحمد أيادي من عفا والحلم أصــل للمقامات العلا" 72
مستعلن مستعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلـن
مطـوية مطـوية سالـمة سالمـة سالـمة سـالمـة
تتيح بمقطعها الأخير الطويل المفتوح (لن= ص ح ح) 73 ، وقوع الألف المتأصلة في كلمتها، رويا (لا)، أي القصر، وتمنع الإرداف والتأسيس متى بقيت الألف هي الروي، فأما إذا التزم الحرف الذي قبلها رويا، فأطلقت القافية بعد تقييد، فلن تمنع التأسيس ولا التجريد.
وليس القصر البادي لنا في الفقرة الثامنة عشرة، كالإهمال لتوحيد القافية، بغريب الارتباط بالرجز المُسْتَحْمَر المبتذل من قديم إلى حديث.
عاشرا: صورة بيت القافية المقيدة على الخصوص
{29} ثبت لدي تولد عروض الشعر من الموسيقا التي كانت غناء تؤديه أصوات البشر الحية، ثم صارت أصواتا تؤديها الآلات الجامدة، وثبت لدي كذلك تطور الموسيقا العربية من عصر الجاهليين قليلا قليلا إلى عصر المحدثين، وأن من وعي الشاعر بالحياة في نفسه ومن حول، أن يراعي بعروض شعره مقتضى موسيقى عصره الجديدة، فلا تنقطع صلته الوثيقة بها 74 .
{30} ومن قديم نشط الشعراء العرب لتجديد شعرهم بتجديد عروضه منطلقين من العمودي ومعتمدين عليه واعين لشرط إدراك متلقي شعرهم، ما فيه من عروض، وإلا استحال نثرا، فاستحدثوا (المُشَطَّر) الذي طوّل البيت وقسمه ونسّق أقسامه وقفاها بقواف غير قافيته التي تظل في آخره مثلها في آخر غيره من أبيات القصيدة، ثم استحدثوا (الموشَّح) الذي زاد تطويل البيت وقسمه قسمين لا يكادان يتساويان، وقسم كلا منهما ونسق أقسامه وقفاها على نحو أكثر تركيبا، وأبقى قوافي القسم الثاني من أبيات القصيدة كلها، متشابهة، وقد كان (المشطر) طريقا صغيرا إلى الطريق الكبير (الموشح)، ثم استحدثوا (الحرّ) الذي لم يلتزم للبيت طولا ولا قافية، ولم يقسمه، وقد كان (المشطر) و(الموشح) الطريق إلى الساحة الفسيحة (الحر) 75 .
{31} لقد وجدت شعراء البحث يخوضون يم التجديد ولا يخافون، إلا الحبسي الذي عهدته أرهف سمعا وأجرأ تجريبا، فلم يخض مع الخائضين، إلا ما كان من استعماله لتعديد القافية. والحق أنه كان استفرغ طاقته بشعر اللهجة، الذي سماه تلميذه جامع ديوانه (الطرائق)، وكأنها طرق التجديد عنده، فاستعمل فيه (المشطر)، فأما شعر اللغة، فأبقاه عموديا محضا.
أما الستالي فاستعمل (المشطر)، وأما البهلاني فاستعمل معه (الموشح)، وأما الصقلاوي فاستعمل (الحر). ولئن كان (الموشح) قريبا من (المشطر) بحيث كان الشاعر يستعملهما جميعا معا، إن (الحر) لبعيد منهما بحيث صار الشاعر يكتفي به للتجديد، فأما العموي فالطراز الراسخ الذي يطوِّف الشاعر في كل زمان ما يطوف، ثم يأوي إليه.
