المنْظوماتُ النَّحْويَّةُ الْعُمانيَّةُ
تصديقا لاعتذار الباحث عما يحتمل عمله أن يكون وقع فيه من التقصير عن الغاية ، وتلبية لدعوته سائر الباحثين إلى الإشراف به عليها ، إيمانا بأهميتها - أعرض فيما يلي لما تيسر لي العثور عليه من منظومات نحوية عمانية ، ولا سيما ما ضمته غرفة عمان بمكتبة جامعة السلطان قابوس .
[17] منظومة الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ) : هي المنظومة العمانية الوحيدة التي انتبه إلى وجودها المنظوميّ ، في خلال استقرائه للمنظومات العربية ، بحصوله على نشرة دار الكتب المصرية سنة 1995م ، بدراسة الدكتور أحمد عفيفي وتحقيقه ، المُمَرَّضَةِ النِّسْبة من عنوانها ، هكذا : " المنسوبة إلى الخليل " .
وقد نشرتها وزارة التراث القومي والثقافة العمانية ، سنة 2000م ، مُصَحَّحَةَ النسبة إليه ، وكأنما اطمأنت إلى قول الدكتور عفيفي نفسه ، في أثناء دراسته : " إذا كان هذا الكشف جديدا بالنسبة لي ، قد جاء من قبيل المصادفة ، فإن بعض العلماء العمانيين كانوا على معرفة بهذه المنظومة ونسبتها إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي ، بل يمتلك بعضهم نسخا أو على الأقل نسخة منها ، كما نجد ذلك في بعض المكتبات الخاصة العمانية " 60 .
وهي عمودية 61 ، كاملية 62 ، بائية 63 ، مضمومة 64 ، في ثلاثة وتسعين ومئتي 293 بيت ، صنعها في أبواب كثيرة من علم النحو ، مطلعها بين يدي مقدمة من ثمانية وعشرين 28 بيتا جُعِلَتْ في تسهيل النحو ، قوله :
" الحَمْدُ لِلّه الْحَميدِ بِمَنِّهِ أَوْلى وَأَفْضَــَلُ ما ابْتَدَأْتُ وَأَوْجَبُ
حَمْدًا يَكونُ مُبَلِّغي رِضْوانَهُ وَبِهِ أَصـــيرُ إِلى النَّجاةِ وَأَقْرُبُ " 65 .
ومقطعها الملحق بباب عمل اسم الفاعل :
" النَّحْوُ بَحْرٌ لَيْسَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَعْرُ السَّبيلِ عُيونُهُ لا تَنْضُبُ
فَاقْصِدْ إِذا ما عُمْتَ في آذيِّهِ فَالْقَصْدُ أبْلَغُ في الْأُمور وَأَذْرَبُ
وَاسْتَغْنِ أَنْتَ ببَعْضِهِ عَنْ بَعْضِهِ وَصُنِ الَّذي عُلِّمْتَ لا يَتَشَذَّبُ " 66 .
وقد اجتهد محققها في دراستها والإقناع بها والمجالدة عنها ، وساجل فيها بعض الباحثين على صفحات مجلة نزوى العمانية الشهيرة 67.
[18] منظومة سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (ت 1287هـ) : هي مشطرة أرجوزة ، في قرابة ألف 1000 بيت ، اسمها " مقاليد التصريف " ، صنعها في أبواب كثيرة من علم الصرف ، وشرحها في ثلاثة أجزاء ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الداعي والغاية والرضا بالتوفيق إليها ، قوله :
" الْحَمْدُ لله مُصَـــرِّفِ اللُّغى حَمْدًا إِلى رِضْوانِهِ مُبَلِّغا
وَأُرْدِفُ الصَّلاةَ تَسْليمًا أَتَمْ عَلى النَّبيِّ خَيْرِ ناطِقٍ بِفَمْ " 68 .
ومقطعها بعقب خاتمة في إخلاص الجهد فيها لله بغية رضاه وفضله ، قوله :
" وَأَكْمَلُ الصَّــلاةِ وَالسَّلامِ عَلى رَسولِ اللهِ لِلْأَنامِ
وَآلِهِ وَصـــَحْبِهِ وَمَنْ تَلا سَبيلَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَدِّلا " 69.
وقد درسها لندوة " قراءات في فكر الخليلي " ، بعض الباحثين 70 ، ويضع الآن في دراستها وتحقيقها رسالته المكملة للماجستير ، أحد طلاب الدراسات العليا بقسم اللغة العربية من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس .
[19] منظومة عبد الله بن حميد السالمي (ت1332هـ): هي مشطرة أرجوزة ، في ثمانية وعشرين ومئتي 228 بيت ، اسمها " بلوغ الأمل في المفردات والجمل " ، صنعها في أبواب كتاب ابن هشام الأنصاري (ت761هـ) : " الإعراب عن قواعد الإعراب " ، وشرحها في كتاب متوسط ، مطلعها بين يدي مقدمة في حقيقة العمل وقيمته ، قوله :
" الحَمْدُ للهِ مُفَصِّلِ الْجُمَلْ حَمْدًا بِهِ أَنالُ أَشْرَفَ الْأَمَلْ
ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْأَبَدي عَلى النَّبيِّ الْمُصْطَفى مُحَمَّدِ " 71 .
ومقطعها بعقب خاتمة في الاعتذار عن تقصير العمل الأول ، قوله :
" ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْأَكْمَلي عَلى نَبيٍّ خاتَمٍ لِلرُّسُــلِ
وَآلِهِ وَصَـــحْبِهِ وَمَنْ وَفى بِما بِهِ أَتى النَّبيُّ الْمُصْطَفى " 72 .
وقد درسها لندوة " قراءات في فكر السالمي " ، بعض الباحثين 73 .
[20] منظومة محمد بن حمد الزاملي (ت1390هـ) ، وسعيد بن خلف الخروصي (أطال الله بقاءه) : هي عمودية بسيطية لامية مفتوحة ، في ستة وستين وأربعمئة 466 بيت ، صنع الزاملي ثلاثة وثمانين ومئتي 283 بيت منها ، في أبواب نحوية كثيرة ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الغاية ، قوله :
" حَمْدًا لِمَنْ فَتَحَ الْأَبْوابَ وَالسُّبُلا لِمَنْ نَحا نَحْوَهُ مِنْ قادَةٍ نُبَلا
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعَ التَّسْليمِ مِنْهُ عَلى أَرْقى الْوَرى شَرَفًا أَزْكاهُمُ عَمَلا "74 .
وآخرها في مسألة حذف عامل المصدر وجوبا ، قوله :
" تَقولُ سُبْحانَ رَبّي لا شَريكَ لَهُ مَعاذَ رَبّيَ أَنْ أَبْغي بِهِ بَدَلا " 75 .
ثم صنع الخروصي بأمر السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي ، ثلاثة وثمانين ومئة 183 بيت منها ، في أبواب قليلة من علم النحو ، وثلاثة أبواب من علم الصرف ، أولها بين يدي تخلصه من نظم سلفه إلى نظمه ، قوله :
" إِلى هُنا تَمَّ نَظْمُ الزّامِليّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ يا لَيْتَهُ مِنْ نَظْمِهِ كَمُلا
لِأَنَّهُ أوتِيَ الشِّعْرَ الرَّصينَ كَما أَلَمَّ بِالنَّحْوِ إِلْمامًا بِهِ أَهِــلا " 76 .
ومقطعها بعقب الاعتذار عما في محاولة التكملة من تقصير ، قوله :
" هذا وَصَلّى إِلهُ الْعَرْشِ ما سَجَعَتْ بَلابِلُ الْأَيْكِ في أَغْصانِها جَذَلا
عَلى الْحَبيبِ رَسولِ اللهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خَتَمَ الْمَوْلى بِهِ الرُّسُــلا
وَالْآلِ وَالصَّحْبِ وَالْأَتْباعِ ما تُلِيَتْ آياتُ ذِكْرٍ بِها جِبْريلُ قَدْ نَزَلا " 77 .
ثم لا علم لي بأنها درست ، أو احتفي بها على النحو السابق .
[21] منظومة حميد بن عبد الله الجامعي (أطال الله بقاءه) : هي عمودية بسيطية ميمية مضمومة ، في قرابة سبعة وأربعين وأربعمئة وألف 1447 بيت ، صنعها في أبواب كثيرة من علمي النحو والصرف ، وشرحها في جزأين ، مطلعها بين يدي مقدمة في الزهو بالمنظومة ، قوله :
" نَحْوي لِنَحْوِكَ رَبّي مِنْكَ أَغْتَنِمُ نَحْوي لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْمُلْهِمُ الْحَكَمُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى الْمُخْتارِ أَفْصَحِ مَنْ بِالضّادِ قَدْ نَطَقوا للهِ وَاحْتَكَموا " 78 .
ومقطعها بعقب خاتمة من باب الدعاء بالعمل الصالح ، قوله :
" وَاجْعَلْ حَياتي لِما يُرْضيكَ ماضِيَةً حَتّى يُخَتَّمَ لي الرِّضْوانُ وَالنِّعَمُ
وَصَلِّ لِلْمُصْطَفى وَالْآلِ خاتِمَةً نَحْوي لِنَحْوِكَ رَبّي مِنْكَ أَغْتَنِمُ " 79 .
وقد درسها لندوة " قراءات تحليلية لشعر أبي سرور " ، بعض الباحثين 80 .
[22] منظومة محمد بن حمد بن سعود المالكي (أطال الله بقاءه) : هي مشطرة أرجوزة ، صَدَرَ جزؤها الأول في خمسين ومئتي 250 بيت ، يصنعها في تلخيص أبواب ألفية ابن مالك في علمي النحو والصرف، وشرحها ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الغاية ، قوله :
" الْحَمْدُ للهِ الْعَليمِ الدّائِمِ اَلْواحِدِ الْمُبْدي الْمُعيدِ الْعالِمِ
بِالْعَقْلِ وَاللِّسانِ قَدْ كَرَّمَنا وَبِالنَّبيّ الْمُصْـطَفى أَنْقَذَنا " 81 .
وآخرها في عقب الدرس الخمسين ، الذي كان مسألة " حكم لا إذا عطف على اسمها وتكررت " ، قوله :
" وَفَتْح ما يَسْبِقُ مَعْ رَفْعِ الّذي يَلْحَقُ نَحْوُ لا غُلامَ لِلْبَذي
وَلا أَخٌ وَعَكْسُ هذا نَحْوُ لا ماءٌ وَلا طَعامَ في هذي الْفَلا " 82 .
ثم لا علم لي بأنها درست ، أو احتفى بها على النحو السابق .
موضوعها المذكور تخريجها عدة منظومته وفاته الناظم م
النحو
( أبواب كثيرة ) عمودية كاملية
بائية مضمومة 293 175 الخليل بن أحمد
الفراهيدي 1
الصرف
( أبواب كثيرة ) مشطرة أرجوزة قرابة ألف 1287 سعيد بن خلفان
ابن أحمد الخليلي 2
النحو
( نظم الإعراب عن قواعد
الإعراب لابن هشام ) مشطرة أرجوزة 228 1332 عبد الله بن حميد
السالمي 3
النحو والصرف
( أبواب كثيرة ) عمودية بسيطية
لامية مفتوحة 466 1390 محمد بن حمد
ابن سالم الزاملي 4
- سعيد بن خلف
ابن محمد الخروصي
النحو والصرف
( أبواب كثيرة ) عمودية بسيطية
ميمية مضمومة قرابة 1447 - حميد بن عبد الله
الجامعي 5
النحو
( جزء من تلخيص
ألفية ابن مالك) مشطرة أرجوزة 250 - محمد بن حمد
ابن سعود المالكي 6
وعلى رغم أن هذه الطائفة من المنظومات النحوية العمانية كذلك ، غيض من فيض ، أستحسن أن أرتبها فيما يلي ، وأضبطها ، وأُجَدْوِلها ، وأعلق عليها ، إغراء بالإضافة إليها :
[23] إنها لفجوة مريبة ، تلك الأحد عشر قرنا التي مرت بين الفراهيدي والخليلي ، خالية من المنظومات العمانية ، ولا سيما أن الخليلي يخرج علينا بألفيته في أبواب كثيرة من علم الصرف ، على غير سابقة مثلها ولا لاحقة يعرفها جدول المنظومات النحوية العربية ، لِيُعَدّ ميزة له لا تنكر 83، عرفها هو من قبل أن نعرفها ؛ فقال في مقدمته :
" وَقَدْ تَكَفَّلَتْ بِهِ أَلْفيَّهْ لِجَمْعِـها أَنْحـاءَهُ مَرْضـــيَّهْ
فَاسْتَجْلِها مَيْمونَةً مُبارَكَهْ لَيْسَ لَها في الْحُسْنِ مِنْ مُشارَكَهْ " 84 .
ولا ريب في خفاء كثير من منظومات هذه المدة الطويلة علينا ، وربما نكبت فيما نكب من التراث العماني ؛ فلم يكن لمثل منظومة الخليلي أن تكون فجأة 85 .
[24] ولم يعرف جدول المنظومات العربية ، اشتراك ناظمين في منظومة واحدة ، وعرفه جدول المنظومات العمانية في منظومة الزاملي والخروصي العمانيين . ولعل ما أتاح ذلك صدوره عن أمر سيد جليل مطاع ، وطيّ الموت أولهما من قبل أن يشاركه آخرهما .
وإنما الإشكال فيما لنظم أبواب العلم ، من أَخْذَةٍ فنية فُروديَّة ، تمنعه أن يتأتى بالاشتراك .
[25] ولن يخفى ما في حياة أولئك الثلاثة الناظمين بيننا - ولا يستحيل أن يشبههم غيرهم في سائر البلاد العربية 86 - من دلالة على بقاء المنظومات وجها من حياتهم بعلم النحو ، تدحض مقالة المنظومي السابقة ، التي جعلتها أثرا سيئا غابرا من عهود الضعف والتخلف ، وكأن لم تنشأ في زمان سطوع شمس الحضارة العربية الإسلامية على العالم .
ذلك إلى دلالتها على النزوع الطبيعي إلى الفن ، الذي يكون في بعض العلماء .
[26] ولقد شرح الخليلي والسالمي والجامعي والمالكي كل منهم منظومته ، فإذا اعتذر لمنظومة الفراهيدي ، تقدمُها على تأصل أعراف النظم والشرح ، ولمنظومة الزاملي والخروصي ، عدمُ خلوصها لناظم واحد - تبين لنا ميل الناظم العماني إلى أن يشرح منظومته .
وليس أعجب من شرح السالمي لمطالع منظومته بعقب نظمه لكثير منها صغيرًا ، أولَ ما أَلَّفَ ، ثم رجوعه إلى النظم والشرح كليهما كبيرًا ، وإضافته إليهما ، ثم إبقائه قرْزَمَة الصّغَر ، قائلا : " ليكون ذلك على عجزي دليلا ، وليعلم المبتدئ أن العلم إنما ينمو قليلا قليلا ، وليستبين الفرق بين درجتي المبتدئ والمنتهي ، والكل بفضل الله يبتدئ وينتهي " 87 ؛ فدل على تحقيقه 88 .
ولا ريب في حصافة رأي الناظم الشارح لمنظومته ؛ فهو أعلم بما أظهره فيها أو أخفاه ، وبما يوافق غايته منها أو يخالفها 89 . وعلى رغم ما سبق من اتخاذ المنظوميّ شرح الناظم لمنظومته ، دليلا على عجزها عما أراده بها 90 ، انتبه غيره إلى ما في شرح الماتن لمتنه ، من دلالة على تمييزه في مراتب المتلقين عنه ، بين مرتبة متلقي المتن ومرتبة متلقي الشرح 91 .
[27] ولقد غلب على المنظومات العمانية بحر الرجز ، كما غلب على غيرها ، ولكن وليه فيها بحر البسيط ، على حين وليه في غيرها بحر الطويل .
وفي ذلك دلالة على صيرورة بحر الرجز من أعراف المنظومات ، بما انبسط لألفية ابن مالك في قلوب المتلقين وعقولهم ، ولا سيما العمانيون ، من القبول . وليس أدل من عكوف المالكي الآن على تلخيصها بمثلها 92 .
وعلى رغم قرب البسيط من الطويل في الشعر العربي القديم على وجه العموم 93 ، لا أخلي تُلوَّه للرجز هنا ، من أثر لامية ابن مالك نفسه ، التي مطلعها قوله :
" الْحَمْدُ للهِ لا أَبْغي بِهِ بَدَلا حَمْدًا يُبَلِّغُ مِنْ رِضْوانِهِ الْأَمَلا
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى خَيْرِ الْوَرى وَعَلى ساداتِنا آلِهِ وَصَحْبِهِ الْفُضَلا " 94.
ومقطعها قوله :
" وَأَسْأَلُ اللهَ مِنْ أَثْوابِ رَحْمَتِهِ سِتْرًا جَميلًا عَلى الزَّلّاتِ مُشْتَمِلا
وَأَنْ يُيَسِّرَ لي سَعْيًا أَكـونُ بِهِ مُسْتَبْشِرًا آمِنًا لا باسِرًا وَجِلا " 95 .
فلقد كانت مما يحفظونه من متون ، وشرحها للشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي هو أحد كبار علماء الإباضية ، شائع فيهم .
[28] وليس يمتنع أن يكون انصراف الخليلي إلى نظم أبواب كثيرة من علم الصرف ، لتكملة منظومة الفراهيدي التي اختصت بأبواب كثيرة من علم النحو ، حرصًا من الخالف على عمل السالف ، أو لتكملة منظومتي ابن مالك الذي لم يستوف بألفيته ولا لاميته الشائعتين في العمانيين ، أبواب علم الصرف ، ولا سيما أن نذكر ما سبق من تمسكهم بمنظومتي الخليل وابن مالك .
أما غيرُ الخليلي من الناظمين العمانيين ، فقد تَقَرَّوُا ابنَ مالكٍ نفسه فيما نظم من أبواب علمي النحو والصرف ، على ما رأوه مناسبا لمن قصدوهم بنظمهم . ولا ينتقض هذا الرأي بما سبق من نظم السالمي والمالكي كليهما لأبواب من علم النحو فقط ؛ فإنما تعلق السالمي صغيرا بكتاب ابن هشام ، ثم لم يزل المالكي في سبيله إلى تلخيص أبواب ألفية ابن مالك 96 .
[29] وعلى رغم اختلاف النظم والنثر ، لم يخرج ناظمو أبواب علم النحو والصرف ، فيما سلكوه من مسالك تعليمها ، على ما انتهجه ناثروها ؛ فلا يستطيع ناقدُ أعمالِهم إلا أن يصنفها على حسب محاورها التي تَنْتَظِمُ أبوابها من أولها إلى آخرها ، تضمُّها وتضبطها ؛ فتعين المعلم على تنسيقها وإكمالها ، والمتعلم على استيعابها وتذكرها 97 - ولا مَثْنَوِيّةَ لمنظومة الخليلي الخالصة لأبواب علم الصرف ؛ فبين أبوابها وأبواب شافية ابن الحاجب (ت646هـ) 98 ، كثيرٌ جدًّا من مظاهر التوارد - ولْيَكْفِ دليلا أن يُصْنَعَ كثيرٌ من المنظومات على ما سبق بيانه ، في أبواب المتون المنثورة .
[30] إنه إذا كان النحو رفع أواخر بعض الكلمات أو نصبها أو جرها أو جزمها ، كما قال الناظم العماني الأول :
" النَّحْوُ رَفْعٌ في الْكَلامِ وَبَعْضُهُ خَفْضٌ ، وَبَعْضٌ في التَّكَلُّمِ يُنْصَبُ " 99 ،
لم تخرج هذه المحاور ، عن أن تكون العامِلَ أو المَعْمول أو العُنْصُر ؛ ومن ثم لم تخرج أنماط متون النحو التعليمي المنثورة والمنظومة جميعا معا ، عن هذه الثلاثة :
أولًا - النَمَطُ العامِليُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب الرافع والناصب والجار والجازم 100 ، كما في منظومة الفراهيدي ، وهو ما لم يذكره دارسها على أهميته في بيان منهجها 101 .
ثانيًا - النَّمَطُ المَعْموليُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم 102 ، كما في منظومات الزاملي والخروصي ، والجامعي ، والمالكي .
ثالثا - النَّمَط العُنْصُريُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب عنصر الكلمة التي يعتورها الرفع والنصب والجر والجزم ، اسما وفعلا وحرفا ، كما في أنموذج الزمخشري ومفصله ، وكافية ابن الحاجب ، ووافي البلخي 103 ، وليس في شيءٍ من المنظومات العمانية .
ولا ريب في أنها محاور منطقية متضابطة ، ولكن تضابطها لا يمنع بعضها من أن يشتمل على طَرَفٍ من بعض 104 ، كما فيما ربما لاح لنا بَعْدُ .
ثم لغايات أُخَرَ خرجت أعمال على أنماط تلك المحاور المنطقية إلى أنماط أخرى ، كما في منظومة السالمي التي صنعها في أبواب كتاب ابن هشام " الإعراب عن قواعد الإعراب " ؛ فإن الرجل كان وَضعَهُ في أبواب تلتبس على المعْرب 105 ؛ فتعلق به السالمي يافعا ، كما يتعلق شُداة علم النحو عامة 106 ، وعلى مثل ذلك جرت كثير من المنظومات غير العمانية ، كما يتضح من الجدول .
ومن قبل تحديد الحدود وتنميط الأنماط وشياع المنظومات ، كان كتاب سيبويه الذي استحق بما حوى من أمشاج تفكير المعلم الأول ، أن يكون مجتمع الأنماط ثم مفترقها إلى ما اختص به بعده كل منها 107 .
تصديقا لاعتذار الباحث عما يحتمل عمله أن يكون وقع فيه من التقصير عن الغاية ، وتلبية لدعوته سائر الباحثين إلى الإشراف به عليها ، إيمانا بأهميتها - أعرض فيما يلي لما تيسر لي العثور عليه من منظومات نحوية عمانية ، ولا سيما ما ضمته غرفة عمان بمكتبة جامعة السلطان قابوس .
[17] منظومة الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175هـ) : هي المنظومة العمانية الوحيدة التي انتبه إلى وجودها المنظوميّ ، في خلال استقرائه للمنظومات العربية ، بحصوله على نشرة دار الكتب المصرية سنة 1995م ، بدراسة الدكتور أحمد عفيفي وتحقيقه ، المُمَرَّضَةِ النِّسْبة من عنوانها ، هكذا : " المنسوبة إلى الخليل " .
وقد نشرتها وزارة التراث القومي والثقافة العمانية ، سنة 2000م ، مُصَحَّحَةَ النسبة إليه ، وكأنما اطمأنت إلى قول الدكتور عفيفي نفسه ، في أثناء دراسته : " إذا كان هذا الكشف جديدا بالنسبة لي ، قد جاء من قبيل المصادفة ، فإن بعض العلماء العمانيين كانوا على معرفة بهذه المنظومة ونسبتها إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي ، بل يمتلك بعضهم نسخا أو على الأقل نسخة منها ، كما نجد ذلك في بعض المكتبات الخاصة العمانية " 60 .
وهي عمودية 61 ، كاملية 62 ، بائية 63 ، مضمومة 64 ، في ثلاثة وتسعين ومئتي 293 بيت ، صنعها في أبواب كثيرة من علم النحو ، مطلعها بين يدي مقدمة من ثمانية وعشرين 28 بيتا جُعِلَتْ في تسهيل النحو ، قوله :
" الحَمْدُ لِلّه الْحَميدِ بِمَنِّهِ أَوْلى وَأَفْضَــَلُ ما ابْتَدَأْتُ وَأَوْجَبُ
حَمْدًا يَكونُ مُبَلِّغي رِضْوانَهُ وَبِهِ أَصـــيرُ إِلى النَّجاةِ وَأَقْرُبُ " 65 .
ومقطعها الملحق بباب عمل اسم الفاعل :
" النَّحْوُ بَحْرٌ لَيْسَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَعْرُ السَّبيلِ عُيونُهُ لا تَنْضُبُ
فَاقْصِدْ إِذا ما عُمْتَ في آذيِّهِ فَالْقَصْدُ أبْلَغُ في الْأُمور وَأَذْرَبُ
وَاسْتَغْنِ أَنْتَ ببَعْضِهِ عَنْ بَعْضِهِ وَصُنِ الَّذي عُلِّمْتَ لا يَتَشَذَّبُ " 66 .
وقد اجتهد محققها في دراستها والإقناع بها والمجالدة عنها ، وساجل فيها بعض الباحثين على صفحات مجلة نزوى العمانية الشهيرة 67.
[18] منظومة سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي (ت 1287هـ) : هي مشطرة أرجوزة ، في قرابة ألف 1000 بيت ، اسمها " مقاليد التصريف " ، صنعها في أبواب كثيرة من علم الصرف ، وشرحها في ثلاثة أجزاء ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الداعي والغاية والرضا بالتوفيق إليها ، قوله :
" الْحَمْدُ لله مُصَـــرِّفِ اللُّغى حَمْدًا إِلى رِضْوانِهِ مُبَلِّغا
وَأُرْدِفُ الصَّلاةَ تَسْليمًا أَتَمْ عَلى النَّبيِّ خَيْرِ ناطِقٍ بِفَمْ " 68 .
ومقطعها بعقب خاتمة في إخلاص الجهد فيها لله بغية رضاه وفضله ، قوله :
" وَأَكْمَلُ الصَّــلاةِ وَالسَّلامِ عَلى رَسولِ اللهِ لِلْأَنامِ
وَآلِهِ وَصـــَحْبِهِ وَمَنْ تَلا سَبيلَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَدِّلا " 69.
وقد درسها لندوة " قراءات في فكر الخليلي " ، بعض الباحثين 70 ، ويضع الآن في دراستها وتحقيقها رسالته المكملة للماجستير ، أحد طلاب الدراسات العليا بقسم اللغة العربية من كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس .
[19] منظومة عبد الله بن حميد السالمي (ت1332هـ): هي مشطرة أرجوزة ، في ثمانية وعشرين ومئتي 228 بيت ، اسمها " بلوغ الأمل في المفردات والجمل " ، صنعها في أبواب كتاب ابن هشام الأنصاري (ت761هـ) : " الإعراب عن قواعد الإعراب " ، وشرحها في كتاب متوسط ، مطلعها بين يدي مقدمة في حقيقة العمل وقيمته ، قوله :
" الحَمْدُ للهِ مُفَصِّلِ الْجُمَلْ حَمْدًا بِهِ أَنالُ أَشْرَفَ الْأَمَلْ
ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْأَبَدي عَلى النَّبيِّ الْمُصْطَفى مُحَمَّدِ " 71 .
ومقطعها بعقب خاتمة في الاعتذار عن تقصير العمل الأول ، قوله :
" ثُمَّ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْأَكْمَلي عَلى نَبيٍّ خاتَمٍ لِلرُّسُــلِ
وَآلِهِ وَصَـــحْبِهِ وَمَنْ وَفى بِما بِهِ أَتى النَّبيُّ الْمُصْطَفى " 72 .
وقد درسها لندوة " قراءات في فكر السالمي " ، بعض الباحثين 73 .
[20] منظومة محمد بن حمد الزاملي (ت1390هـ) ، وسعيد بن خلف الخروصي (أطال الله بقاءه) : هي عمودية بسيطية لامية مفتوحة ، في ستة وستين وأربعمئة 466 بيت ، صنع الزاملي ثلاثة وثمانين ومئتي 283 بيت منها ، في أبواب نحوية كثيرة ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الغاية ، قوله :
" حَمْدًا لِمَنْ فَتَحَ الْأَبْوابَ وَالسُّبُلا لِمَنْ نَحا نَحْوَهُ مِنْ قادَةٍ نُبَلا
ثُمَّ الصَّلاةُ مَعَ التَّسْليمِ مِنْهُ عَلى أَرْقى الْوَرى شَرَفًا أَزْكاهُمُ عَمَلا "74 .
وآخرها في مسألة حذف عامل المصدر وجوبا ، قوله :
" تَقولُ سُبْحانَ رَبّي لا شَريكَ لَهُ مَعاذَ رَبّيَ أَنْ أَبْغي بِهِ بَدَلا " 75 .
ثم صنع الخروصي بأمر السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي ، ثلاثة وثمانين ومئة 183 بيت منها ، في أبواب قليلة من علم النحو ، وثلاثة أبواب من علم الصرف ، أولها بين يدي تخلصه من نظم سلفه إلى نظمه ، قوله :
" إِلى هُنا تَمَّ نَظْمُ الزّامِليّ وَلَمْ يُكْمِلْهُ يا لَيْتَهُ مِنْ نَظْمِهِ كَمُلا
لِأَنَّهُ أوتِيَ الشِّعْرَ الرَّصينَ كَما أَلَمَّ بِالنَّحْوِ إِلْمامًا بِهِ أَهِــلا " 76 .
ومقطعها بعقب الاعتذار عما في محاولة التكملة من تقصير ، قوله :
" هذا وَصَلّى إِلهُ الْعَرْشِ ما سَجَعَتْ بَلابِلُ الْأَيْكِ في أَغْصانِها جَذَلا
عَلى الْحَبيبِ رَسولِ اللهِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خَتَمَ الْمَوْلى بِهِ الرُّسُــلا
وَالْآلِ وَالصَّحْبِ وَالْأَتْباعِ ما تُلِيَتْ آياتُ ذِكْرٍ بِها جِبْريلُ قَدْ نَزَلا " 77 .
ثم لا علم لي بأنها درست ، أو احتفي بها على النحو السابق .
[21] منظومة حميد بن عبد الله الجامعي (أطال الله بقاءه) : هي عمودية بسيطية ميمية مضمومة ، في قرابة سبعة وأربعين وأربعمئة وألف 1447 بيت ، صنعها في أبواب كثيرة من علمي النحو والصرف ، وشرحها في جزأين ، مطلعها بين يدي مقدمة في الزهو بالمنظومة ، قوله :
" نَحْوي لِنَحْوِكَ رَبّي مِنْكَ أَغْتَنِمُ نَحْوي لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْمُلْهِمُ الْحَكَمُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى الْمُخْتارِ أَفْصَحِ مَنْ بِالضّادِ قَدْ نَطَقوا للهِ وَاحْتَكَموا " 78 .
ومقطعها بعقب خاتمة من باب الدعاء بالعمل الصالح ، قوله :
" وَاجْعَلْ حَياتي لِما يُرْضيكَ ماضِيَةً حَتّى يُخَتَّمَ لي الرِّضْوانُ وَالنِّعَمُ
وَصَلِّ لِلْمُصْطَفى وَالْآلِ خاتِمَةً نَحْوي لِنَحْوِكَ رَبّي مِنْكَ أَغْتَنِمُ " 79 .
وقد درسها لندوة " قراءات تحليلية لشعر أبي سرور " ، بعض الباحثين 80 .
[22] منظومة محمد بن حمد بن سعود المالكي (أطال الله بقاءه) : هي مشطرة أرجوزة ، صَدَرَ جزؤها الأول في خمسين ومئتي 250 بيت ، يصنعها في تلخيص أبواب ألفية ابن مالك في علمي النحو والصرف، وشرحها ، مطلعها بين يدي مقدمة في بيان الغاية ، قوله :
" الْحَمْدُ للهِ الْعَليمِ الدّائِمِ اَلْواحِدِ الْمُبْدي الْمُعيدِ الْعالِمِ
بِالْعَقْلِ وَاللِّسانِ قَدْ كَرَّمَنا وَبِالنَّبيّ الْمُصْـطَفى أَنْقَذَنا " 81 .
وآخرها في عقب الدرس الخمسين ، الذي كان مسألة " حكم لا إذا عطف على اسمها وتكررت " ، قوله :
" وَفَتْح ما يَسْبِقُ مَعْ رَفْعِ الّذي يَلْحَقُ نَحْوُ لا غُلامَ لِلْبَذي
وَلا أَخٌ وَعَكْسُ هذا نَحْوُ لا ماءٌ وَلا طَعامَ في هذي الْفَلا " 82 .
ثم لا علم لي بأنها درست ، أو احتفى بها على النحو السابق .
موضوعها المذكور تخريجها عدة منظومته وفاته الناظم م
النحو
( أبواب كثيرة ) عمودية كاملية
بائية مضمومة 293 175 الخليل بن أحمد
الفراهيدي 1
الصرف
( أبواب كثيرة ) مشطرة أرجوزة قرابة ألف 1287 سعيد بن خلفان
ابن أحمد الخليلي 2
النحو
( نظم الإعراب عن قواعد
الإعراب لابن هشام ) مشطرة أرجوزة 228 1332 عبد الله بن حميد
السالمي 3
النحو والصرف
( أبواب كثيرة ) عمودية بسيطية
لامية مفتوحة 466 1390 محمد بن حمد
ابن سالم الزاملي 4
- سعيد بن خلف
ابن محمد الخروصي
النحو والصرف
( أبواب كثيرة ) عمودية بسيطية
ميمية مضمومة قرابة 1447 - حميد بن عبد الله
الجامعي 5
النحو
( جزء من تلخيص
ألفية ابن مالك) مشطرة أرجوزة 250 - محمد بن حمد
ابن سعود المالكي 6
وعلى رغم أن هذه الطائفة من المنظومات النحوية العمانية كذلك ، غيض من فيض ، أستحسن أن أرتبها فيما يلي ، وأضبطها ، وأُجَدْوِلها ، وأعلق عليها ، إغراء بالإضافة إليها :
[23] إنها لفجوة مريبة ، تلك الأحد عشر قرنا التي مرت بين الفراهيدي والخليلي ، خالية من المنظومات العمانية ، ولا سيما أن الخليلي يخرج علينا بألفيته في أبواب كثيرة من علم الصرف ، على غير سابقة مثلها ولا لاحقة يعرفها جدول المنظومات النحوية العربية ، لِيُعَدّ ميزة له لا تنكر 83، عرفها هو من قبل أن نعرفها ؛ فقال في مقدمته :
" وَقَدْ تَكَفَّلَتْ بِهِ أَلْفيَّهْ لِجَمْعِـها أَنْحـاءَهُ مَرْضـــيَّهْ
فَاسْتَجْلِها مَيْمونَةً مُبارَكَهْ لَيْسَ لَها في الْحُسْنِ مِنْ مُشارَكَهْ " 84 .
ولا ريب في خفاء كثير من منظومات هذه المدة الطويلة علينا ، وربما نكبت فيما نكب من التراث العماني ؛ فلم يكن لمثل منظومة الخليلي أن تكون فجأة 85 .
[24] ولم يعرف جدول المنظومات العربية ، اشتراك ناظمين في منظومة واحدة ، وعرفه جدول المنظومات العمانية في منظومة الزاملي والخروصي العمانيين . ولعل ما أتاح ذلك صدوره عن أمر سيد جليل مطاع ، وطيّ الموت أولهما من قبل أن يشاركه آخرهما .
وإنما الإشكال فيما لنظم أبواب العلم ، من أَخْذَةٍ فنية فُروديَّة ، تمنعه أن يتأتى بالاشتراك .
[25] ولن يخفى ما في حياة أولئك الثلاثة الناظمين بيننا - ولا يستحيل أن يشبههم غيرهم في سائر البلاد العربية 86 - من دلالة على بقاء المنظومات وجها من حياتهم بعلم النحو ، تدحض مقالة المنظومي السابقة ، التي جعلتها أثرا سيئا غابرا من عهود الضعف والتخلف ، وكأن لم تنشأ في زمان سطوع شمس الحضارة العربية الإسلامية على العالم .
ذلك إلى دلالتها على النزوع الطبيعي إلى الفن ، الذي يكون في بعض العلماء .
[26] ولقد شرح الخليلي والسالمي والجامعي والمالكي كل منهم منظومته ، فإذا اعتذر لمنظومة الفراهيدي ، تقدمُها على تأصل أعراف النظم والشرح ، ولمنظومة الزاملي والخروصي ، عدمُ خلوصها لناظم واحد - تبين لنا ميل الناظم العماني إلى أن يشرح منظومته .
وليس أعجب من شرح السالمي لمطالع منظومته بعقب نظمه لكثير منها صغيرًا ، أولَ ما أَلَّفَ ، ثم رجوعه إلى النظم والشرح كليهما كبيرًا ، وإضافته إليهما ، ثم إبقائه قرْزَمَة الصّغَر ، قائلا : " ليكون ذلك على عجزي دليلا ، وليعلم المبتدئ أن العلم إنما ينمو قليلا قليلا ، وليستبين الفرق بين درجتي المبتدئ والمنتهي ، والكل بفضل الله يبتدئ وينتهي " 87 ؛ فدل على تحقيقه 88 .
ولا ريب في حصافة رأي الناظم الشارح لمنظومته ؛ فهو أعلم بما أظهره فيها أو أخفاه ، وبما يوافق غايته منها أو يخالفها 89 . وعلى رغم ما سبق من اتخاذ المنظوميّ شرح الناظم لمنظومته ، دليلا على عجزها عما أراده بها 90 ، انتبه غيره إلى ما في شرح الماتن لمتنه ، من دلالة على تمييزه في مراتب المتلقين عنه ، بين مرتبة متلقي المتن ومرتبة متلقي الشرح 91 .
[27] ولقد غلب على المنظومات العمانية بحر الرجز ، كما غلب على غيرها ، ولكن وليه فيها بحر البسيط ، على حين وليه في غيرها بحر الطويل .
وفي ذلك دلالة على صيرورة بحر الرجز من أعراف المنظومات ، بما انبسط لألفية ابن مالك في قلوب المتلقين وعقولهم ، ولا سيما العمانيون ، من القبول . وليس أدل من عكوف المالكي الآن على تلخيصها بمثلها 92 .
وعلى رغم قرب البسيط من الطويل في الشعر العربي القديم على وجه العموم 93 ، لا أخلي تُلوَّه للرجز هنا ، من أثر لامية ابن مالك نفسه ، التي مطلعها قوله :
" الْحَمْدُ للهِ لا أَبْغي بِهِ بَدَلا حَمْدًا يُبَلِّغُ مِنْ رِضْوانِهِ الْأَمَلا
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلى خَيْرِ الْوَرى وَعَلى ساداتِنا آلِهِ وَصَحْبِهِ الْفُضَلا " 94.
ومقطعها قوله :
" وَأَسْأَلُ اللهَ مِنْ أَثْوابِ رَحْمَتِهِ سِتْرًا جَميلًا عَلى الزَّلّاتِ مُشْتَمِلا
وَأَنْ يُيَسِّرَ لي سَعْيًا أَكـونُ بِهِ مُسْتَبْشِرًا آمِنًا لا باسِرًا وَجِلا " 95 .
فلقد كانت مما يحفظونه من متون ، وشرحها للشيخ محمد بن يوسف أطفيش الذي هو أحد كبار علماء الإباضية ، شائع فيهم .
[28] وليس يمتنع أن يكون انصراف الخليلي إلى نظم أبواب كثيرة من علم الصرف ، لتكملة منظومة الفراهيدي التي اختصت بأبواب كثيرة من علم النحو ، حرصًا من الخالف على عمل السالف ، أو لتكملة منظومتي ابن مالك الذي لم يستوف بألفيته ولا لاميته الشائعتين في العمانيين ، أبواب علم الصرف ، ولا سيما أن نذكر ما سبق من تمسكهم بمنظومتي الخليل وابن مالك .
أما غيرُ الخليلي من الناظمين العمانيين ، فقد تَقَرَّوُا ابنَ مالكٍ نفسه فيما نظم من أبواب علمي النحو والصرف ، على ما رأوه مناسبا لمن قصدوهم بنظمهم . ولا ينتقض هذا الرأي بما سبق من نظم السالمي والمالكي كليهما لأبواب من علم النحو فقط ؛ فإنما تعلق السالمي صغيرا بكتاب ابن هشام ، ثم لم يزل المالكي في سبيله إلى تلخيص أبواب ألفية ابن مالك 96 .
[29] وعلى رغم اختلاف النظم والنثر ، لم يخرج ناظمو أبواب علم النحو والصرف ، فيما سلكوه من مسالك تعليمها ، على ما انتهجه ناثروها ؛ فلا يستطيع ناقدُ أعمالِهم إلا أن يصنفها على حسب محاورها التي تَنْتَظِمُ أبوابها من أولها إلى آخرها ، تضمُّها وتضبطها ؛ فتعين المعلم على تنسيقها وإكمالها ، والمتعلم على استيعابها وتذكرها 97 - ولا مَثْنَوِيّةَ لمنظومة الخليلي الخالصة لأبواب علم الصرف ؛ فبين أبوابها وأبواب شافية ابن الحاجب (ت646هـ) 98 ، كثيرٌ جدًّا من مظاهر التوارد - ولْيَكْفِ دليلا أن يُصْنَعَ كثيرٌ من المنظومات على ما سبق بيانه ، في أبواب المتون المنثورة .
[30] إنه إذا كان النحو رفع أواخر بعض الكلمات أو نصبها أو جرها أو جزمها ، كما قال الناظم العماني الأول :
" النَّحْوُ رَفْعٌ في الْكَلامِ وَبَعْضُهُ خَفْضٌ ، وَبَعْضٌ في التَّكَلُّمِ يُنْصَبُ " 99 ،
لم تخرج هذه المحاور ، عن أن تكون العامِلَ أو المَعْمول أو العُنْصُر ؛ ومن ثم لم تخرج أنماط متون النحو التعليمي المنثورة والمنظومة جميعا معا ، عن هذه الثلاثة :
أولًا - النَمَطُ العامِليُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب الرافع والناصب والجار والجازم 100 ، كما في منظومة الفراهيدي ، وهو ما لم يذكره دارسها على أهميته في بيان منهجها 101 .
ثانيًا - النَّمَطُ المَعْموليُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم 102 ، كما في منظومات الزاملي والخروصي ، والجامعي ، والمالكي .
ثالثا - النَّمَط العُنْصُريُّ :
ومَسْرَدُ أبوابه على حسب عنصر الكلمة التي يعتورها الرفع والنصب والجر والجزم ، اسما وفعلا وحرفا ، كما في أنموذج الزمخشري ومفصله ، وكافية ابن الحاجب ، ووافي البلخي 103 ، وليس في شيءٍ من المنظومات العمانية .
ولا ريب في أنها محاور منطقية متضابطة ، ولكن تضابطها لا يمنع بعضها من أن يشتمل على طَرَفٍ من بعض 104 ، كما فيما ربما لاح لنا بَعْدُ .
ثم لغايات أُخَرَ خرجت أعمال على أنماط تلك المحاور المنطقية إلى أنماط أخرى ، كما في منظومة السالمي التي صنعها في أبواب كتاب ابن هشام " الإعراب عن قواعد الإعراب " ؛ فإن الرجل كان وَضعَهُ في أبواب تلتبس على المعْرب 105 ؛ فتعلق به السالمي يافعا ، كما يتعلق شُداة علم النحو عامة 106 ، وعلى مثل ذلك جرت كثير من المنظومات غير العمانية ، كما يتضح من الجدول .
ومن قبل تحديد الحدود وتنميط الأنماط وشياع المنظومات ، كان كتاب سيبويه الذي استحق بما حوى من أمشاج تفكير المعلم الأول ، أن يكون مجتمع الأنماط ثم مفترقها إلى ما اختص به بعده كل منها 107 .
