لغتنا العربية و التعبير القرآني ...... الشاعر فاروق شوشة
كان لابن عباس- العالم والمفسر الجليل- مذهب اشتهر به في التفسير وغلب عليه، وهو أن يحتج على غريب اللغة- في التعبير القرآني- بالشعر. وكان يقول إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب.
يروون عنه أنه كان جالسا بفناء الكعبة ذات يوم، وقد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، إذ تقدم منه أعرابيان فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء في كتاب الله ففسرها لنا، وائتنا بمصارفها من كلام العرب فإن الله تعالى أنزله بلسان عربي مبين.
فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما.
فقالا: أخبرنا عن قوله تعالى: عن اليمين وعن الشمال عزين.
فقال: العزون: حلقة الرفاق وتجمعهم.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم..يقول عبيد بن الأبرص:
فجاءوا يهرعون إليه حتى
يكونوا حول منبره عزينا
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة
قال: الوسيلة: الحاجة.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: أما سمعتما قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة
أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في كبد
قال: أي في اعتدال واستقامة.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعتما قول لبيد بن ربيعة:
ياعين هلا بكيت أربد إذ
قمنا، وقام الخصوم في كبد
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: فأجاءها المخاض.
قال: أي ألجأها المخاض.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس نعم، أما سمعتما قول حسان بن ثابت
إذ شددنا شدة صادقة
فأجأناكم إلى سفح الجبل
ويتصل بهذا اللون الجميل من ألوان العلاقة اللغوية بين غريب القرآن الكريم والشعر العربي- من خلال اجتهادات المفسرين أصحاب المنزلة الرفيعة في البلاغة والقدرة على التذوق وتحليل الكلام ورده إلى أصوله وينابيعه الأولى- ما شاع قديما، في عصور ازدهار الدولة العربية، من أدب التوقيعات. والتوقيعات هي ما كان يعلق به الخليفة أو الأمير أو الوزير أو القائد على ما يقدم إليه من الكتب والرسائل في شكوى حال أو طلب نوال أو التماس مشورة أوتدبير أمر. وكانت هذه التوقيعات تجمع بين الإيجاز والجمال والقوة. وقد يكون التوقيع آية كريمة أو مثلا سائرا أو كلمة حكيمة أو بيت شعر له مغزاه.
وهذه نماذج من التوقيعات المتأثرة بالقرآن الكريم والمقتبسة لبعض آياته الكريمة:
كتب مسلم بن عقبة المري إلى يزيد بن معاوية يخبره بالذي صنعه ببعض الخارجين على الدولة الأموية فوقع يزيد في أسفل كتابه:
فلا تأس على القوم الفاسقين.
وكتب قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبدالملك يتهدده بالخلع فوقع في كتابه: والعاقبة للمتقين .
ووقع عمر بن عبدالعزيز إلى عامله على الكوفة عندما كتب إليه يخبره أنه فعل في أمره كما فعل عمر بن الخطاب في حادثة مماثلة:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
ووقع أبوالعباس السفاح إلى عامل- أي وال- تظلم منه الناس: وما كنت متخذ المضلين عضدا
ووقع الخليفة العباسي المهدي إلى عامله على أرمينية، وكان قد شكا إليه سوء طاعة رعاياه:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.
وعلى ذكر القرآن الكريم، وآياته الكريمة، والعلاقة اللغوية بينها وبين الشعر العربي، وبينها وبين التوقيعات، يلاحظ دارسو الأدب العربي أن الشعر العربي تأثر بالقرآن الكريم في ألفاظه وأساليبه ومعانيه خاصة في عصور الدولة العربية الأولى، كما كثر اقتباس الآيات القرآنية واستعمال حكم القرآن ومواعظه في الكثير من الأبيات: يقول جرير:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه
ولا عرضت الدنيا عن الدين شاغله
وهو مقتبس من الآية الكريمة: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا.
ويقول أيضا:
وحبل الله تعصمكم قواه
فلا تخشوا لعروته انفصاما
وهو مأخوذ من قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.
وفي موضع ثالث من شعره يقول جرير في مدح الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز:
نال الخلافة، أو كانت له قدرا
كما أتى ربه موسى على قدر
وهو مأخوذ من قوله تعالى: ثم جئت على قدر يا موسى ويقول جرير في مدح عبدالملك بن مروان:
الله طوقك الخلافة والهدى
والله ليس لما قضى تبديل
وهو مأخوذ من قوله تعالى: لا تبديل لكلمات الله ويقول أبو الأسود الدؤلي- في بعض ما ينسب إليه من شعر-:
أميران كانا صاحبي كلاهما
فكل جزاه الله عني بما فعل
فإن كان خيرا، كان خيرا جزاؤه
وإن كان شرا، كان شرا كما فعل
وهو مستوحى من قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
ونختتم هذه السطور المعبرة عن نفاذ التعبير القرآني، وتأثير اللغة القرآنية في شعرنا العربي، بلون من التذوق البلاغي المتكئ على الوعي باللغة العربية وفهم أسرارها، من خلال وقفة متأملة في قوله تعالى:
إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا.
وتساؤل بعض علمائنا- لا اللغة والتفسير- عن السر في أن التعبير القرآني الكريم أتى على هذه الصورة في المقابلة بين كلمتى: شاكرا وكفورا، فلم يقل: شاكرا وكافرا أو شكورا وكفورا، تحقيقا للمماثلة بين الكلمتين.
وقد ألهم القاضي عبدالجبار الإجابة الذكية الجميلة عن هذا التساؤل، عندما قال:
إن نعم الله على عباده كثيرة، فكل شكر بإزائها قليل، وكل كفربها عظيم.لذلك جاءت كلمة شاكرا هكذا بغير صيغة المبالغة، للدلالة على أن الشكر مهما بلغ فهو قليل ضئيل بالنسبة لهذه النعم.
وجاءت كلمة كفورا بصيغة المبالغة للدلالة على أن الكفر بهذه النعم هو أمر عظيم، يستوجب التهويل والمبالغة.
وهو تعليل دقيق، يدل على ذكاء الملاحظة ودقة الحس وعمق التذوق، ونفاذ البصيرة في جماليات اللغة والتعبير.
كان لابن عباس- العالم والمفسر الجليل- مذهب اشتهر به في التفسير وغلب عليه، وهو أن يحتج على غريب اللغة- في التعبير القرآني- بالشعر. وكان يقول إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب.
يروون عنه أنه كان جالسا بفناء الكعبة ذات يوم، وقد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، إذ تقدم منه أعرابيان فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء في كتاب الله ففسرها لنا، وائتنا بمصارفها من كلام العرب فإن الله تعالى أنزله بلسان عربي مبين.
فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما.
فقالا: أخبرنا عن قوله تعالى: عن اليمين وعن الشمال عزين.
فقال: العزون: حلقة الرفاق وتجمعهم.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم..يقول عبيد بن الأبرص:
فجاءوا يهرعون إليه حتى
يكونوا حول منبره عزينا
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: وابتغوا إليه الوسيلة
قال: الوسيلة: الحاجة.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: أما سمعتما قول عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة
أن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في كبد
قال: أي في اعتدال واستقامة.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعتما قول لبيد بن ربيعة:
ياعين هلا بكيت أربد إذ
قمنا، وقام الخصوم في كبد
قالا: فأخبرنا عن قوله تعالى: فأجاءها المخاض.
قال: أي ألجأها المخاض.
قالا: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال ابن عباس نعم، أما سمعتما قول حسان بن ثابت
إذ شددنا شدة صادقة
فأجأناكم إلى سفح الجبل
ويتصل بهذا اللون الجميل من ألوان العلاقة اللغوية بين غريب القرآن الكريم والشعر العربي- من خلال اجتهادات المفسرين أصحاب المنزلة الرفيعة في البلاغة والقدرة على التذوق وتحليل الكلام ورده إلى أصوله وينابيعه الأولى- ما شاع قديما، في عصور ازدهار الدولة العربية، من أدب التوقيعات. والتوقيعات هي ما كان يعلق به الخليفة أو الأمير أو الوزير أو القائد على ما يقدم إليه من الكتب والرسائل في شكوى حال أو طلب نوال أو التماس مشورة أوتدبير أمر. وكانت هذه التوقيعات تجمع بين الإيجاز والجمال والقوة. وقد يكون التوقيع آية كريمة أو مثلا سائرا أو كلمة حكيمة أو بيت شعر له مغزاه.
وهذه نماذج من التوقيعات المتأثرة بالقرآن الكريم والمقتبسة لبعض آياته الكريمة:
كتب مسلم بن عقبة المري إلى يزيد بن معاوية يخبره بالذي صنعه ببعض الخارجين على الدولة الأموية فوقع يزيد في أسفل كتابه:
فلا تأس على القوم الفاسقين.
وكتب قتيبة بن مسلم إلى سليمان بن عبدالملك يتهدده بالخلع فوقع في كتابه: والعاقبة للمتقين .
ووقع عمر بن عبدالعزيز إلى عامله على الكوفة عندما كتب إليه يخبره أنه فعل في أمره كما فعل عمر بن الخطاب في حادثة مماثلة:
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
ووقع أبوالعباس السفاح إلى عامل- أي وال- تظلم منه الناس: وما كنت متخذ المضلين عضدا
ووقع الخليفة العباسي المهدي إلى عامله على أرمينية، وكان قد شكا إليه سوء طاعة رعاياه:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.
وعلى ذكر القرآن الكريم، وآياته الكريمة، والعلاقة اللغوية بينها وبين الشعر العربي، وبينها وبين التوقيعات، يلاحظ دارسو الأدب العربي أن الشعر العربي تأثر بالقرآن الكريم في ألفاظه وأساليبه ومعانيه خاصة في عصور الدولة العربية الأولى، كما كثر اقتباس الآيات القرآنية واستعمال حكم القرآن ومواعظه في الكثير من الأبيات: يقول جرير:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه
ولا عرضت الدنيا عن الدين شاغله
وهو مقتبس من الآية الكريمة: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا.
ويقول أيضا:
وحبل الله تعصمكم قواه
فلا تخشوا لعروته انفصاما
وهو مأخوذ من قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.
وفي موضع ثالث من شعره يقول جرير في مدح الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز:
نال الخلافة، أو كانت له قدرا
كما أتى ربه موسى على قدر
وهو مأخوذ من قوله تعالى: ثم جئت على قدر يا موسى ويقول جرير في مدح عبدالملك بن مروان:
الله طوقك الخلافة والهدى
والله ليس لما قضى تبديل
وهو مأخوذ من قوله تعالى: لا تبديل لكلمات الله ويقول أبو الأسود الدؤلي- في بعض ما ينسب إليه من شعر-:
أميران كانا صاحبي كلاهما
فكل جزاه الله عني بما فعل
فإن كان خيرا، كان خيرا جزاؤه
وإن كان شرا، كان شرا كما فعل
وهو مستوحى من قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
ونختتم هذه السطور المعبرة عن نفاذ التعبير القرآني، وتأثير اللغة القرآنية في شعرنا العربي، بلون من التذوق البلاغي المتكئ على الوعي باللغة العربية وفهم أسرارها، من خلال وقفة متأملة في قوله تعالى:
إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا.
وتساؤل بعض علمائنا- لا اللغة والتفسير- عن السر في أن التعبير القرآني الكريم أتى على هذه الصورة في المقابلة بين كلمتى: شاكرا وكفورا، فلم يقل: شاكرا وكافرا أو شكورا وكفورا، تحقيقا للمماثلة بين الكلمتين.
وقد ألهم القاضي عبدالجبار الإجابة الذكية الجميلة عن هذا التساؤل، عندما قال:
إن نعم الله على عباده كثيرة، فكل شكر بإزائها قليل، وكل كفربها عظيم.لذلك جاءت كلمة شاكرا هكذا بغير صيغة المبالغة، للدلالة على أن الشكر مهما بلغ فهو قليل ضئيل بالنسبة لهذه النعم.
وجاءت كلمة كفورا بصيغة المبالغة للدلالة على أن الكفر بهذه النعم هو أمر عظيم، يستوجب التهويل والمبالغة.
وهو تعليل دقيق، يدل على ذكاء الملاحظة ودقة الحس وعمق التذوق، ونفاذ البصيرة في جماليات اللغة والتعبير.

تعليق