عزف منفرد على نغمات اللغة والترجمة
مجدى سعيد
يوم كان للأمة مشروع للنهضة على عهد محمد علي باشا ومن أتى بعده من أفراد عائلته (اختلفنا حول حكمهم أو اتفقنا) كان للغات والترجمة شأن كأحد أهم أدوات هذا المشروع، والذي من أجله تأسست مدرسة الألسن وما تلاها من مدارس للغات، وباللغات والترجمة استطلعت أمم الغرب – قبل ذلك وبعده - أحوالنا قرونا فدرستنا وخبرتنا وأسست مدارس الاستشراق والأنثروبوجيا من روسيا شرقا إلى أمريكا غربا، ولما ضاعت البوصلة منا أو ضيعت، وصارت أمتنا ومؤسساتها بلا استراتيجية ولا أهداف تصب في المصالح العليا للأمة، صار الاجتهاد في تعلم اللغات والترجمة واستثمارهما لخدمة النفع العام "عزفا منفردا"، يقوم به الأفراد على أكتافهم، وقد يحالفهم التوفيق حينا ويخالفهم حينا آخر. في هذا المقال أقدم نموذجين للعزف المنفرد في هذا المجال:
النموذج الأول، للصديق العزيز هاني صلاح: والذي التقيته في ألبانيا في يناير من عام 1993، على هامش العمل لصالح "لجنة الإغاثة الإنسانية"، ورأيت فيه ساعتها شابا متحمسا، تخرج من كليات آداب عين شمس، قسم التاريخ، ويعمل مراسلا لصحيفة مجهولة اسمها "رأي الشعب"، وبعد أن بقينا معا بضعة أيام سافرت إلى روسيا لبضعة شهر ونصف الشهر، وعدت إلى القاهرة، وبقي هو هناك، فعمل لعدة هيئات إغاثية وتزوج، وتعلم اللغة الألبانية، وعدت أنا لأعمل في موقع إسلام أونلاين عام 2000، وعاد هو عام 2004 ليرعى والده المريض، ويبحث عن عمل، فشجعته على استثمار شغفه بالصحافة، ومعرفته باللغة الألبانية، كي يبدا في كتابة موضوعات للموقع حول المسلمين الألبان، وشيئا فشيئا تعمق اهتمامه، وتوسع ليصبح مختصا بشئون الأقليات المسلمة في البقان وشرق أورورا، ثم في العالم أجمع، وليصبح باحثا مختصا بالشأن الألباني كلما تيسر الحال واحتاجت هذه الدورية أو ذلك المؤتمر لباحث، وبعد أن أغلق إسلام أونلاين، وظل يبحث عن موقع عمل بديل، لم ينس اهتمامه وتخصصه، حتى صار ينظم حوارات تطوعية مع ممثلي الأقليات والجاليات الإسلامية في الخارج على صفحات الفيسبوك، يقوم بجمع أسئلة المهتمين، ويتواصل مع قيادات الجاليات والأقليات، ويرسل لهم الأأسئلة، ويتلقى إجابتهم عليها، ويجمع ويحرر تلك الإجابات لينشرها بعد ذلك كاملة، وقد أعدت الجزيرة حلقة من برنامج زمام المبادرة عن هذه المبادرة÷ وقد أهله هذا العمل بعد ذلك للعمل في موقع جريدة الأمة الإلكترونية رئيسا لقسم الشئون الدولية، وإن بقي في المجمل، ثروة كامنة غير مستثمرة على الوجه الأكمل سواء إعلاميا أو بحثيا. قارنوا هذا النموذج بنموذج الأستاذ الدكتور محمد رفعت الإمام المختص بالشأن الأرمني، والمتقن للغة الأرمنية، وانظروا كيف فتح قسم للغة الأرمنية وآدابها في كلية آداب القاهرة، لتدركوا كيف أنه لأن لأمة الأرمن مشروع وقضية، ومؤسسات صنع هذا فرقا في النماذج.
النموذج الثاني هو للصديق العزيز أبو الحجاج بشير: والذي تعرفت عليه من خلال رئاستي للجنة العضوية بالرابطة العربية للإعلاميين العلميين، حينما تقدم لعضوية الرابطة، ثم توثقت العلاقة مع بداية عملي في الطبعة العربية لمجلة نيتشر، حيث شارك بالترجمة في جميع أعداد المجلة حتى الآن. الأستاذ أبو الحجاج الشاب الأقصري الطيب، الشهم، المجتهد والمتواضع في آن، خريج كلية الآداب جامعة عين شمس أيضا ولكن قسم اللغة الإنجليزية، وهو إضافة إلى خبرته العميقة والطويلة في الترجمة للعديد من المؤسسات الدولية كبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الصحة العالمية، ولعدد من الشركات الدولية، والمجلات العلمية، إضافة إلى ذلك فهو صحفي متخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، عمل لسنوات في مجلة لغة العصر، وحصل على جائزة نادي دبي للصحافة كأفضل صحفي متخصص في مجاله أعوام 2005 و2007 و2009، فضلا عن ترشيحه للجائزة عام 2011. اختار الأستاذ أبو الحجاج أن يساهم بخبرته في مجال الترجمة من خلال مشاركته وتأسيسه لعدد من الصفحات المتخصصة في التعليم المجاني للترجمة من الإنجليزية إلى العربية كصفحات صناعة الترجمة Translation Industry، و"تدريب على الترجمة وبس"، و"سبيل المعرفة"، وغيرها.
لدينا هنا نموذجين: الأول يجيد لغة لا يجيدها إلا قلة نادرة، متخصص في أخبار وشئون البلقان والأقليات المسلمة، والثاني متخصص في الترجمة وفي صحافة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومبادر في نقل خبرته للآخرين من خلال تعليمهم تطوعيا، ولأن دولنا وأنظمتنا ومؤسساتنا ليس لديها مشاريع تستوعب طاقات الأمة جاءت الجهود والمبادرات الفردية، وهي مناط التنويه والإشادة هنا. لكنها أيضا مناط التنويه، بضرورة الاهتمام بالتخصصات اللغوية النادرة، وبالترجمة كأحد أدوات نقل المعارف والعلوم ومن ثم صتاعة النهضة الغائبة والمنشودة في آن.
مصر العربية:
