تحليلُ مسائِلِ القَسَمِ وتوجِيهاتُ الفرَّاء لها
د. سعد الدين إبراهيم المصطفى
في قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾[1]. أُجيبَتْ " لَئِنْ" بِما يُجابُ بِهِ " لو "، و " لو " في المَعنَى مَاضِيةٌ، و " لَئِنْ " مُستَقبَلةٌ، ولكنَّ الفِعلَ ظهَرَ فِيهِما بـ " فَعَل " فأُجِيبَتا بِجوابٍ واحِدٍ، وشُبِّهَتْ كُلُّ واحِدةٍ بِصاحِبتِها. والجَوابُ فِي الكَلامِ فِي " لِئَنْ " بِالمستَقبَلِ، مِثلُ قَولِكَ: لَئِنْ قُمْتَ لَأَقُومَنَّ، ولَئِنْ أَحسَنْتَ لَتُكرَمَنَّ، ولئنْ أَسَأْتَ لا يُحسَنْ إلَيكَ. وتُجِيبُ " لو " بالماضِي، فتقُولُ: لَو قُمْتَ لَقُمْتُ، ولا تَقُولُ: لَو قُمْتَ لأَقُومَنَّ. فهذا الَّذِي علَيهِ يُعمَلُ، فإذا أُجِيبَتْ " لو " بجوابِ " لَئِنْ " فالَّذِي قُلْتُ لكَ مِنْ لَفظِ فِعلَيهِما بِالمُضِي، أَلَا تَرَى أنَّكَ تَقُولُ: لَو قُمْتَ، ولَئِنْ قُمْتَ، ولا تَكَادُ تَرَى " تَفَعَل " تَأتِي بَعدَهُما، وهِيَ جَائِزةٌ، فلِذلِكَ قَالَ: ﴿ ولَئِنْ أَرسَلْنا علَيهِمْ رِيحاً فَرَأَوهُ مُصْفَرَّاً لَظَلُّوا ﴾.[2] فأَجابَ "لَئِنْ " بِجوابِ " لو "، وأَجابَ " لَو " بِجوابِ " لَئِنْ "، فقال: ﴿ ولَو أَنَّهُم آمَنُوا واتَّقَوا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللهِ خَيرٌ ﴾[3].
تعليق ومقارنة:
وَفي هذه الآية الكريمة نَجِدُ أنَّ أُسلوبَ القَسمِ يُشبِهُ أسلوبَ الشَّرطِ غَيرَ الجازم الَّذِي يأتِي بِأداةِ الشَّرطِ غَيرِ الجازِمةِ " لَو " وجَوابُها يَكُونُ بِالماضِي، وبالمُقابِل يَأتِي أُسلُوبُ القَسَمِ مَعَ " لو " بالماضِي، ويَأتِي جَوابُها بِالمستقبَلِ، ووَقَعَ القَسَمُ كَمَا مُثِّلَ لَنَا بِالآيةِ الكَريمةِ. ونَفهَمُ ممَّا أورَدَهُ الفرَّاءُ أنَّ كُلَّاً مِن الَّلامِ المُوَطِّئةِ لِلقَسَمِ، وهِيَ أداةُ القَسَمِ، و " لَو " الشَّرطيَّة أداةُ الشَّرطِ تَأخُذُ جَوابَ الأُخرَى.
وقَد يَكُونُ هذا الرَّأيُ الَّذِي جاءَ بِهِ الفرَّاءُ غَيرَ ما جَاءَ عِندَ غَيرِهِ مِن النُّحاةِ كَـ سيبويهِ، أي خالَفَهُم فِيهِ، وأَيضاً نَحنُ نُخالِفُهُ فِي هذِهِ المَسألةِ، والسَّبَبُ فِي ذلِكَ أنَّ معنَى " إنْ " يَختَلِفُ عن مَعنَى "لَو"، فمَعنَى " إنْ " يُجابُ بِهِا الشَّيءُ لِوجُودِ غَيرِهِ، فنَقُولُ مَثلاً: إنْ أَكرَمْتَنِي أَكرَمْتُكَ، ومَعنَى " لَو " أنَّ الشَّيءَ يَمتَنِعُ لِامتِناعِ غَيرِهِ، فلا تَحُلُّ إِحداهُما مَكانَ الأُخرَى، والمَعنَى يُصبِحُ علَى النَّحوِ الآتِي: ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكلِّ آيةٍ لا يَتَّبِعُونَ قِبلَتَكَ.
وإنَّ " لَئِنْ " هنا أُجِيبَ بِجَوابِ " لو " لأنَّ الماضِي وَلِيَها كَمَا وَلِيَ " لَو " فَأُجِيبَ بِجوابِ " لو " ودَخَلَتْ كُلُّ واحِدةٍ مِنهَا علَى أُختِها. هذا رأي الفرَّاء. وأمَّا سِيبويهِ وجُمهُورُ النَّحويينَ فإنَّهم يَرَونَ أنَّ معنَى " لَئِنْ " غَيرَ مَعنَى " لَو " ، وإنْ كَانَ هؤلاءِ قَالُوا إنَّ الجَوابَ مُتَّفِقٌ، فإنَّهُم لا يَنفُونَ أنَّ مَعنَى " لئِنْ " ما يُستَقبَلُ، ومَعنَى " لَو " ماضٍ، وحَقِيقةُ مَعنَى " لَو " أنَّها يَمتَنِعُ بِها الشَّيءُ لِامتِناعِ غَيرِهِ، تَقُولُ: لَو أَتَيْتَنِي لأَكرَمْتُكَ، أي: لم تَأتِنِي فلَمْ أُكرِمْكَ، فإنَّما امتَنَعَ إكرامِي لامتِناعِ إتيانِكَ، ومعنى " إنْ " و " لَئِنْ " أنَّهُ يَقَعُ الشَّيءُ فِيهِما لِوقُوعِ غَيرِهِ فِي المُستَقبَلِ، تَقُولُ: إنْ تَأتنِي أُكرِمْكَ، فالإكرامُ يَقَعُ بِوقُوعِ الإتيانِ فَهذِهِ حَقِيقةُ مَعنَاهُما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الآية 145 من سورة البقرة.
[2] الآية 51 من سورة الروم.
[3] الآية 103 من سورة البقرة. معاني القرآن 1: 84.

تعليق